إن أي متابع لأخبار الحرب ، خاصة من طرف القوات الأمريكية وحلفائها ، لا بد له أن يكتشف مدى الارتباك والتخبط التي تعاني منه ، بدءا من إعلان الخسارة الأولى بتحطم طائرتين بريطانيتين اصطدمتا ببعضهما ، ومن ثم تحطم أخريات أو سقوطها بسبب خطأ فني ، وسقوط قتلى وجرحى بنيران ” صديقة ” واتهام الجانب العراقي بمسؤوليته عن قتل المدنيين في بغداد والبصرة بصواريخ ” طائشة ” ، وفجاجة الناطق العسكري الأمريكي عند إجابته على أسئلة بعض الصحافيين الذين أحرجوه ، وأخيرا ” ردح ” رامسفيلد ، الذي كان يحاول أن يصور وحشية العراقيين الذين يقطعون لسان أحد معارضيهم لينزف حتى الموت ، ويقتلون آخرين !
لقد فاجأنا هذا التخبط كما فاجأ العالم كله ، فوهم القوة رسّخ في أذهان العالم أن القوات الغازية ستدخل العراق المنهك منذ سنوات كالسيل الجارف منهية الحرب خلال أيام ، لكن ما حدث كان مخالفا للتوقعات ، فحتى لو افترضنا صحة الأخبار بأن خسائر القوات الأمريكية البريطانية حدثت بتأثير نيران ” صديقة ” أو ” أخطاء فنية ” ، فذلك دليل على سوء التخطيط الذي يسم العمليات الحربية ، أما إن كانت الأخبار كاذبة ، فذلك دليل قدرة المقاومة العراقية على تكبيد العدو خسائر لم يكن يتوقعها .
ولعل ذلك التخبط ناجم عن عوامل عدة ، أحدها أو أهمها ضعف المبررات الأخلاقية للحرب ، التي دخلتها أمريكا وحلفاؤها رغم أنف الشرعية الدولية والملايين الذين خرجوا في شتى أنحاء العالم بل في أمريكا نفسها معلنين رفضهم لهذه الحرب القذرة ، فرغم الآلة الإعلامية الهائلة المسخرة لخدمة الإدارة الأمريكية ، والتهديدات التي كالتها تلك الإدارة لكل من لم يقف معها ، لم تستطع سوق مبررات كافية لهذه الحرب ، بل أنها غيرت أهدافها المعلنة قبيل الحرب عدة مرات ، فبعد عجز المفتشين الدوليين عن إيجاد ولو أثر بسيط لأسلحة دمار شامل ، تحول هدف الحرب بقدرة قادر إلى تحرير العراقيين من سطوة نظام ديكتاتوري يمثله صدام حسين ونجلاه ، وما يثير السخرية فعلا أن أمريكا تخلت حتى عن هذا المبرر مباشرة قبل الحرب معلنة بكل صراحة ووقاحة أنها ستغزو العراق حتى لو غادر صدام العراق !!! فهي لم تعد معنية بسوق أي مبرر أخلاقي لحرب اتضحت أهدافها منذ زمن بعيد للعالم كله ، من رسم سياسة شرق أوسطية جديدة تخدم مصالح القطب الوحيد في العالم ، والسيطرة على منابع النفط تحت تأثير فكرة تصحيح أخطاء الطبيعة الجيولوجية التي منحت هذه الثروة لشعوب لا تستحق حتى الحياة بنظر الإدارة الأمريكية ، ولم تخجل هذه الإدارة القادمة من رؤوس أهرام شركات البترول الأمريكية من البدء بمنح أول عقد نفطي في العراق لشركة كان يديرها تشيني دون مناقصة ، مما أثار لغطا في أمريكا نفسها ، ومن ثم الخلاف بين أمريكا وحلفائها ، الذين طمعوا بأكثر من عظام تلقيها إليهم الدولة العظمى . كما لم تعد أمريكا معنية بالادعاء أنها قادمة لتحرير العراقيين ، بعد مشاهد المدنيين الذين ربما سيتحررون في قبورهم ، والجرحى الذين سينالون بدل الحرية عاهات دائمة ترافقهم مدى الحياة ،ومشاهد إذلال المدنيين ، الذين رأينا الجنود الأمريكيين يهاجمون بيوت الصفيح التي يسكنونها ويشدون الرجال كالخراف من شعورهم أمام أنظار عائلاتهم ، موجهين إليهم الشتيمة الأمريكية الشائعة التي تتكرر في كل فيلم أمريكي أكثر من مائة مرة ، مشاهد ذكرتنا بمشاهد جنود الاحتلال الصهيوني في الأراضي المحتلة ، مثبتة بما لا يدع مجالا للشك أن الجيشين متخرجان من نفس مدرسة الهمجية والوحشية .
والسؤال الآن هل ستنتهي الحرب كما خططت لها الإدارة الأمريكية وحلفائها ؟ إن مجريات الأمور تفيد عكس ذلك ، فاستقالة ريتشارد بيرل مخطط الحرب الرئيسي لأسباب غير مقنعة ، والاتهامات التي وجهها مخططو الحرب الآخرون لرامسفيلد بأنه لم يتبع نصائحهم في أسلوب نشر القوات الأمريكية في العراق ، والمقاومة العراقية الشجاعة والصواريخ الطائشة ، و
” الأخطاء الفنية ” ، والخلافات بين أمريكا وحلفائها ، تظهر بما لا يدع مجالا للشك أن حساب البيدر لم ينطبق على حساب الصندوق .
ربما يرجع المختصون العسكريون ذلك إلى أسباب عسكرية أو تقنية لها علاقة بالخطط الحربية ، وطبيعة أرض المعركة ، وعدم معرفة القوات الغازية معرفة كافية بالظروف والأماكن التي تحارب فيها ، ولكن ما يعنينا هنا هو الجانب الإنساني ، والذي يعود بشكل رئيسي إلى ضعف المبررات الأخلاقية للحرب . إذ لا بد أن ينعكس ذلك على نفسيات جنود القوات الغازية ، فمعنويات الجندي الذي يقاتل دفاعا عن أرضه ووجوده وأطفاله ، ستختلف بالتأكيد عن معنويات جندي يقاتل دفاعا عن مصالح أساطين النفط ، في حرب لا ناقة له فيه ولا جمل ، وبخاصة أن صور أهالي الجنود القتلى أو الأسرى الأمريكيين أثبتت كما كان متوقعا أنهم من أوساط فقيرة ، مما يجعل انتماءهم للجيش ليس بدوافع وطنية سامية ، بل يجعلهم اقرب ما يكونون إلى المرتزقة الذين يقاتلون من أجل حفنة من الدولارات ، في مواجهة مواطنين يرون فيهم غزاة قدموا إليهم من وراء البحار لاحتلال أرضهم وسلبهم خيراتها ، وهنا لابد أن تكون المعادلة غير متكافئة .
من ناحية أخرى فإن كل تكنولوجيا الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسساتها وخبراتها عجزت عن فهم عقلية وتفكير العربي ، الذي مهما عانى من اضطهاد وقهر حكم استبدادي شمولي ، فهو يعرف بحكم الخبرة التاريخية أن الرخاء والديمقراطية لن تأتي على يد الغازي الأجنبي ، إذ لا زال على قيد الحياة بعض أفراد الجيل الذي عانى من ويلات الاستعمار الذي احتل سابقا الأراضي العربية تحت نفس الذرائع ، ولم يجلب لها سوى مزيد من التخلف والبؤس ، كما أنه ليس بالغباء المطلوب ليصدق أن القوات المعتدية نقلت جنودها آلاف الكيلومترات ودفعت مليارات الدولارات ، من أجل سواد عيني حريته ، وأن شعب العراق هو الشعب الوحيد في العالم الذي يقبع تحت حكم ديكتاتوري يمتلك أسلحة دمار شامل !!!
إن استهانة الإدارة الأمريكية بعقول وذكاء وطاقات الشعوب هو الذي يقودها اليوم إلى مستنقع جديد لن يكون سهلا عليها الخروج منه ، وسيلقنها درسا جديدا بعد أن نسيت الدرس الذي لقنه إياها مستنقع فيتنام ، كما لم تحفظ سابقا من دروس التاريخ بأن بداية النهاية لكل قوة عظمى في تاريخ البشرية كانت في اللحظة التي استبدت بها مطامعها الاستعمارية ، بقيادة أحمق ، لتنشر جيوشها من أجل السيطرة على العالم كله ، فكانت نهايتها على يد الشعوب التي قاومتها، ومثال هتلرلا زال حيا في الأذهان ، فقد زينت له أطماعه الاستعمارية ونظرته العنصرية المستهينة بالشعوب الأخرى السيطرة على العالم كله ، فقاد شعبه والعالم إلى حروب مجنونة لم تخلف سوى دمار وخراب ونهاية حلمه غير المشروع .
ليس لدينا أمل اليوم أن تدرك أمريكا الدرس قبل فوات الأوان ، فغطرسة القوة تعمي بصيرتها ، لكن لدينا أمل في أن تدرك الأنظمة الحاكمة للدول المستضعفة المستهدفة ، أن لا سبيل لمواجهة الغزو الجامح إلا بتحرير رأسمالها الوحيد المتمثل في طاقات شعوبها ، برفع كل أشكال الاستبداد والقمع عنها كي تأخذ دورها في الدفاع عن حريتها وكرامتها وأوطانها .
طبيبة وكاتبة من سورية