لقد اتفقت آراء الكثير من المهتمين بقضايا الوطن والمجتمع , والمؤمنين بدور الحراك المدني المجتمعي , والساعين إلى نهضة الوطن وتقدمه , على أهمية الإعلام , وبخاصة التلفزيون , في تكريس وعي المواطن بقضاياه , والذي يعتبر الخطوة الأولى في سعيه نحو مستقبل افضل .
ولا يشذ عن ذلك الأشخاص المؤمنون بتحرير المرأة , الذين يؤمنون حقا أن لا نهوض لمجتمع دون نهوض نصفه , الذي لازال مكبلا بألف قيد وقيد .
ولعل أكثر الأعمال التلفزيونية تأثيرا على المشاهد العادي هي الأعمال الدرامية , التي يتابعها بشوق ومتعة , والتي قد تحمل في طياتها أفكارا متخلفة أو مسيئة في قالب ممتع مسل . لقد تراوحت الصورة التي قدمت بها المرأة في الأعمال التلفزيونية التي عرضت على الشاشات العربية في شهر رمضان بين امرأة موصومة بالنظرة التقليدية المتخلفة , و امرأة واقعية من لحم ودم , تحمل هموم المرأة وطموحاتها وأحلامها , بين صورة مسيئة ماسخة , وصورة منصفة مشرقة .
وهنا لابد لي من أن الفت الانتباه أننا لسنا في صدد تقييم الأعمال فنيا فذلك ليس الغرض من ندوتنا هذه , ولكننا سنحصر حوارنا حول الصورة التي بدت عليها المرأة في هذه الأعمال .
ففي قراءة سريعة لمجمل الأعمال الرمضانية يمكننا أن نسجل نقطة لصالح الأعمال الدرامية السورية , من حيث أنها قدمت المرأة بشكل يدل على وعي أكبر بملامح المجتمع العربي وتحسس اكبر لواقعه وأزماته , مقارنة مع الأعمال العربية الأخرى , وإن تفاوتت هذه الصورة من عمل لآخر .
ورغم صعوبة الإحاطة بجميع الأعمال التي قدمت في رمضان الماضي , والتي نأمل من الأعزاء الحضور مشاركتنا في استذكارها وتقييمها من وجهة النظر هذه , إلا أننا سنستعرض ملامح بعض الأعمال كفاتحة لحوار مفتوح أرجو أن يكون صريحا غنيا , يتم فيه تبادل الآراء والخبرات والتجارب سعيا نحو دراما تلفزيونية تنصف المرأة .
ففي مسلسل الحاج متولي مثلا قدمت المرأة وكأنها خارجة للتو من صفحات ألف ليلة وليلة , لا فرق بين الجاهلة والمتعلمة , ولا بين المثقفة والشعبية , كل النسوة سواء لا هم لهن سوى استخدام جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة للفوز بالرجل والاحتفاظ به .
في حين بدت المرأة في مسلسل قوس قزح امرأة تملك حقا مقدسا في التعلم والعمل والاختيار , وللأسف فقد سمعت أن هنالك عائلات منعت فتياتها المراهقات من متابعة العمل لأنه يدعو لعلاقات صريحة بين الأهل والفتاة حتى عندما يتعلق الأمر بمشاعر الحب التي لا أعتقد أن إنسانا لم يعشها , ولكن يبدو أن الأهل يفضلون أن تعيش ابنتهم هذه المشاعر من وراء ظهورهم , لا على مرأى ومسمع منهم كي يستطيعوا التدخل في اللحظة المناسبة لتوجيهها ودعمها , لكن تلك النظرة المنفتحة تغيب في بعض الحلقات حيث تزيحها جانبا نظرة تقليدية , مثال ذلك عندما تظهر النسوة في إحدى الحلقات لاهثات وراء الموضة لهاثا غير منطقي لا فرق بين المثقفة والجاهلة منهن , بين المتزنة والطائشة , وبين العاقلة والمستهترة , والهدف من كل ذلك ” أن نعجب الشباب ” كما يتكرر على لسان الشخصيات .
أما في مسلسل صلاح الدين فرغم أنه قدم شخصيات نسوية من التاريخ , إلا أنه قدمها بصورة مشرفة , فكانت بينهن الحكيمة , المحبة , التي يستشيرها زوجها حتى في شؤون الحكم لثقته في رجاحة عقلها واتزانها , على عكس الصورة التي حاول بعض المؤرخين إلصاقها بالمرأة , ولا أدري كيف كانوا يحاولون إقناعنا بأنها ضعيفة العقل , تنساق وراء عاطفتها و لكنها في نفس الوقت تستطيع تدبير مكائد يعجز أكبر عقل إجرامي هائل التخطيط أن يقوم بها .
أما في مسلسل الأرواح المهاجرة , والذي أقدم منتجوه أو كاتبه لا أدري, على فعل أدبي مؤسف , بتناول رواية شهيرة لإيزابيل الليندي بكافة أحداثها وتفاصيلها , دون ذكر اسم المؤلفة التي لا زالت على قيد الحياة , وتعمد الكاتب بنظرة ذكورية ضيقة إلى انتزاع بطولة العمل من بطلته ومنحها للبطل الذكر , لكن بصمات ايزابيل الليندي بقيت واضحة , في صورة المرأة التي تستطيع بكبريائها الصامت وإنسانيتها مقاومة جبروت زوجها , حتى لتحيله في بعض لحظات المواجهة بينهما إلى كائن ضعيف , لا هم له سوى محو نظرة اللوم والاحتقار من عينيها , تلك الإنسانة الرقيقة التي لا تهاب اتخاذ مواقف صلبة في اللحظات المصيرية , ولو كلفها ذلك ما يعجز أقوى الأقوياء عن احتماله .
سحر الشرق مسلسل يحسب له أن البطولة فيه كانت لامرأة شجاعة مغامرة , قدمها المسلسل بتعاطف كبير مع حبها واختيارها , ولو كان ذلك منافيا لكل قوانين المجتمع وأعرافه .
يصعب معرفة موقف صانعي حمام القيشاني من المرأة فتراهم تارة يقدمونها بنظرة إيجابية مؤيدة لتعليمها وعملها ومشاركتها السياسية , وتارة بصورة اللاهثة وراء الرجل بغض النظر عن خلفيتها الفكرية والثقافية والبيئية .
أما المسلسلات الكوميدية , فتراوحت فيها صورة المرأة بين مفاهيم مختلفة , غلب عليها للأسف المفهوم السلبي , فنرى فيها المرأة صائدة الرجال , المتطلبة , النقاقة , الثرثارة , الفضولية , الغيورة , السوقية المبتذلة , وإن كانت لا تخلو أحيانا من بعض الومضات المضيئة كما في بقعة ضوء وفرصة العمر, أما حكايا المرايا , فبسبب البطولة المعقودة دائما للفنان ياسر العظمة , كان دور المرأة في المسلسل هامشيا , يتراوح بين الإيجابية والسلبية كما في بقية الأعمال الكوميدية .
هذه لاشك ملاحظات ذاتية مما أتيح لي مشاهدة بعضه في شهر رمضان , راجين أن تضيفوا بمداخلاتكم وملاحظاتكم ما غاب عنا وما يمكن أن يغني الحوار في سبيل التقدم بفننا وإعلامنا من أجل مجتمع متطور متقدم .