نزلنا من السيارة ، مضيفتنا تعلن هذا هو الطريق إلى صبرا شاتيلا ، كنا على بعد أمتار من ساحة السفارة الكويتية في بيروت ، حيث عبرت عشرات المرات ذهابا وإيابا ، رباه .. دون أدري أنني أمر كغيري لا مبالية بجانب آثار المجزرة المروعة .
تقودنا مضيفتنا إلى المقبرة الجماعية ، وتخبرنا أنها كانت إلى وقت قريب مكب للقمامة ، لولا تدخل هيئة خيرية فرنسية ( وليست عربية ) تبرعت بتنظيفها وتسويرها ، أشعر بالدوار ، أهكذا يحترم الموتى ، هؤلاء الذين لم نكتف بالصمت أمام ذبحهم الهمجي الوحشي لنصمت على بشاعة أن يغمروا سنوات بالنفايات ؟.. تشير لنا مضيفتنا إلى نصب بسيط ، تقول أنه أقيم حديثا تبرعا من نفس الجهة ، أسأل : هل يدفنون هناك تحت النصب ، تجيبني : لا إنهم مدفونون هنا في الساحة كلها ، وتشير إلى حيث نقف ، أرتعش ، رباه إننا نطأهم بأقدامنا ؟ أهرع خارجا ، أحاول أن أخفف الوطأ ، يعتصر قلبي ، الدوامة لازالت تلف جسدي ورأسي ، شعور بالغثيان يذكرني بتلك الليلة السوداء ، هناك في صقيع الغربة ، يوم عدت من عملي في المستشفى منهكة ، ووحيدة كما في كل يوم جلست أمام التلفزيون ، أبتلع بعض اللقيمات ، أقلب المحطات ، وفجأة يطالعني مشهد مرعب ، وأسمع كلمة لبنان ، أقفز من مكاني ، أفتح عيني على اتساعهما ، أصغي بكل حواسي ، يا الله ، غير معقول ، عشرات الجثث من شعبي ، من أهلي ، مكومة فوق بعضها ، أيد ، أرجل ، رؤؤس ، أجزاء بشرية ، رجال ، نساء ، أطفال ، يا للهول ، مجزرة في مخيمي صبرا وشاتيلا ، وتفاصيل مرعبة ، مهولة ، لا أتذكر ما حدث بعدها ، كل ما علق في ذهني اليوم ، صورة واحدة باهتة ، وأنا في الحمام ، أجلس على طرف البانيو ساعات أبكي ، وأتقيأ ما بجوفي ، وكأنني أريد أن أنظف روحي من البشاعة التي تسللت إليها عبر عيني ،وجسدي يتبعثر أشلاء كتلك التي رأيتها مقطعة مرمية ، لا أدري كم مكثت على هذا الحال ، ربما حتى الصباح ، وضاع ما تبقى في غياهب النسيان ، ربما عدت بعدها كغيري إلى ممارسة حياتي العادية ، لكنني أعرف تماما أن تلك كانت واحدة من أصعب الرزايا التي تركت ندوبها الدائمة في الروح ، لأنني اعرف تماما ما تثيره في روحي كلمتي صبرا و شاتيلا من آلام، حتى أنني تساءلت في اليوم السابق للزيارة ، هل سأحتمل أن أشاهد بأم عيني موقع المجزرة ؟
نخرج من المقبرة ونتجه صوب مدخل المخيم قلبي يقرع بعنف ، وشيء أكبر من الألم يخنقني ، وأنا أحاول التماسك ، تبدأ مشاهد أهوال الحياة تتابع أمام عيوننا منافسة أهوال الموت ، على باب المقبرة ومحيطها تقف عشرات العربات التي تبيع كل ما يخطر بالبال ، الحياة تستمر رغم كل شيء .. على مدخل المخيم ، وفي منتصف سوق العربات ، مكب هائل للنفايات يملأ الهواء برائحة عفونة لا تطاق ، وبيوت مصنوعة من كل ما يخطر على البال ، صفائح من التنك ، أباجورات من الخشب مقلوعة من مكان ما ، بل حتى لحافات من القماش ، ندخل أول زاروب من المخيم ، تقودنا مضيفتنا بمهارة من يعرف كل شبر منه ، رغم أنها تسكن في حي راق من أحياء بيروت ، لكنها تبدو مناضلة حقيقية وهي مديرة مؤسسة العودة ، من الواضح أنها كرست حياتها لهذه المهمة النبيلة ، تشير بإصبعها إلى ما يشبه مدخل بيت ، وبوجه من اعتاد أن يخفي آلامه لكثرة المحن التي مر بها : هنا قتلوا صديقتي فاطمة ، على باب بيتها ، ندوس في المياه الآسنة الفائضة من المجارير السطحية التي من الواضح أنها محفورة تحت سطح الشارع مباشرة بأيد غير خبيرة ، تخبرنا مضيفتنا أن بلدية بيروت غير مسؤولة وغير معنية إطلاقا بخدمات المخيم ، تمتد في الزواريب أنابيب المياه فوق الأرض مكسورة في بعض الأماكن ومعرضة في أي لحظة للكسر في أماكن أخرى ، والكهرباء غير النظامية الممدة بشكل عشوائي تنسدل أشرطتها قريبة من رؤوسنا ، وتشرح لنا مضيفتنا ، مات العديد من الأطفال نتيجة لمسهم أحد هذه الأسلاك ، والكهرباء تقطع بشكل متكرر عن المخيم ، لأنه عند نقص الطاقة لا تقطع عن أحياء بيروت بل عن المخيمات ، ندخل إحدى دور الحضانة التابعة للمؤسسة ، تشرح لنا السيدة ليلى أن هناك أكثر من 120 دارا تابعة للمؤسسة ، هي دور حضانة ودور تأهيل لتعليم بعض المهن ودورات تقوية للتلاميذ في بعض المواد العلمية والكومبيوتر ، ونتطرق إلى وضع التعليم في المخيم لنفاجأ بأن الأطفال الفلسطينيين شبه محرومين من الدراسة في المدارس اللبنانية الحكومية ، إذ أن هذه المدارس بعيدة تقع خارج المخيم ، كما أن الفرصة متاحة في حال وجود فائض من الأماكن بعد استيعاب التلاميذ اللبنانيين ، وغالبا ما لا يبقى فائض من الأماكن لاستيعاب الأطفال الفلسطينيين . يصعب عليً تصديق هذا الحال ، باعتبار أن تساوي فرص التعليم بين التلاميذ السوريين و الفلسطينيين ، سواء التعليم الإلزامي للمرحلتين الابتدائية والإعدادية ، أو التعليم المجاني الذي يشمل كافة المراحل ، أو كفرص تعليم في الجامعات ، بديهية لا تناقش في سوريا . كما يصعب علي إدراك أن الحكومة اللبنانية أو أي جهة عربية غير معنية بإنشاء ولا مدرسة واحدة داخل المخيم ، والمدرسة الوحيدة الموجودة هي المدرسة المنشئة من قبل الأونروا فقط . ويمتد بنا الحديث إلى العمل ، لقد تعودت أن من البديهيات أن تتساوى فرص العمل ومواقع المسؤولية والأجور في الدولة والقطاع الخاص بين السوريين والفلسطينيين ، دون أن يخطر لأحد على بال أن تلك من الأمور التي يمكن مخالفتها ، أو التعدي عليها في يوم من الأيام ، فرغم كل الحكومات التي توالت على سورية كان ذلك من المسلمات التي لم يجرؤ احد على المساس بها ، لأفاجأ مفاجأة صاعقة أن هناك العديد ، العديد من الأعمال التي لا يجوز للفلسطيني هنا مزاولتها .
تشير مضيفتنا إلى أبنية مرتفعة تلوح لنا من بعيد : من هنا كان الإسرائيليون يراقبون المجزرة . شارون .. شارون .. شارون ، أيها المجرم ، ألم يرتو عطشك البهيمي بمنظر الدماء التي راقبتها من منظارك المكبر، تسيل في زواريب صبرا وشاتيلا ، ألم يُشبع نهمك الوحشي منظر الجثث المكومة فوق بعضها تلالا بشرية ، ألم تكتف بالمقابر الجماعية التي خلفتها جرائمك وراءك في لبنان ، لكي تعيد الكرة اليوم في فلسطين فترتكب المجزرة تلو الأخرى في جنين ونابلس وبيت لحم وغزة وغيرها من المدن الفلسطينية ، وتتباهى بجرائمك التي خلفت عشرات المقابر الجماعية في باحات المستشفيات . تتراءى لي تلك الفتاة الفلسطينية التي رافقت محاميها إلى جنيف في محاولة يائسة لمخاطبة الضمير العالمي النائم ، في محاولة يائسة لهزه وإيقاظه ، وشاهد حي يتكلم ، طفلة صغيرة نجت بأعجوبة بعد اغتصابها وإصابتها برصاصة شلتها ، طفلة شاهدت عائلتها تذبح أمام عينيها ، تقف وتدلي بشهادتها أمام العالم كله ، عالم أصم ابكم ، دفن أحاسيسه منذ زمن طويل ، خدمة لمصالح الدولة العظمى وحلفائها ، عالم يصم أذنيه ويغلق عينيه ويخدر ضميره أمام الفظائع التي ارتكبت وترتكب اليوم بحق الشعب الفلسطيني وشعوب العالم المستضعفة ، والدول القوية اليوم بكل ما تدعيه من حضارة إنسانية تدعم آخر استعمار في العصر الحديث ، وتمارس استعمارا من نوع آخر ، مستبدلة قيم العدالة والحق بمنطق القوة .
وجه ايلي حبيقة يرتسم أمامي في مقابلته التلفزيونية يدافع عن نفسه أمام التهم الموجهة إليه بمسؤوليته عن مجزرة صبرا وشاتيلا ، باعتراف العدو الذي كان يطوق المنطقة حمايةله ، ليقتل فيما بعد وتدفن معه تفاصيل هذه الجريمة المروعة .
نقف أمام مسجد صغير وسط المخيم يقولون لنا أنه تحول إلى مقبرة جماعية تضم رفا ة أكثر من مئتي شهيد سقطوا خلال الأحداث ولم يمكن دفنهم خارج المخيم ، دفنوا فوق بعضهم البعض في فسحة لا تكاد تتجاوز مساحة غرفة كبيرة ، حيث ثبتت على أحد الجدران لوحة رخامية كبيرة ، دونت عليها أسماء الشهداء . ويشرحون لنا ، الشهداء هنا معرفو الهوية في حين أن من دفنوا في المقبرة الجماعية الأولى غير معروفين .
تمتد بنا جولتنا وكأن لم يكفينا من البؤس ما شاهدنا كي نقف أمام بناء ضخم مشوه ، يشرحون لنا بأنه كان فيما ما مضى مستشفى غزة ، وأنه كان من أكثر المستشفيات تطورا ، إذ كان يضم أحدث الأجهزة وأهم الكفاءات الطبية ، وقد تبرعت بإنشائه إحدى الجهات الفرنسية ( وأيضا ليست العربية التي قد تتبرع بملايين الدولارات لضحايا 11 أيلول في أمريكا وترفض تبرعاتها )، ليقصف المستشفى عام 82 ، ثم ينهب من إحدى جهات الحرب الأهلية عام 85 ، ويتحول إلى مبنى مهجور ، ثم فيما بعد إلى سكن لعائلات المهجرين ، حيث شغلت كل عائلة إحدى غرفه والحمامات مشتركة ، والمطابخ زوايا الغرف . في ساحة صغيرة داخله وقفنا نتفرج على آثار الحرائق والزمن الأسود ، التي تركت بشاعتها على جدرانه ، ومجموعة من الأطفال يلعبون حولنا بكرة قدم دون أن يكترثوا لوجودنا ، بل يتصرفون ككل أطفال المخيم الذين مررنا بهم بقسوة وشراسة وحتى ببعض العدوانية تجاه الغريب الذي لا يمثل لهم على ما يبدو في ذاكرتهم الجمعية سوى صورة للآخر المتوحش الذي يمكن أن يحمل في أي لحظة السكين المجرمة ليذبحهم كالنعاج ، أو الآخر الذي تفرج على ذبحهم وهو مسترخ على كنبته أمام التلفزيون .
وكما بدأت جولتنا ، يودعنا في نهاية مخيم صبرا جبل آخر من النفايات يعبق برائحتها الهواء حولنا ، وتنتصب بنايات مهدمة ، صورة للموت المقيم الذي يرفض مغادرة المكان
وتكبر الأسئلة : لماذا ؟ كيف يمكن للبشر أن يحملوا كل هذه القسوة والوحشية ، كيف يمكن لهم أن يرتكبوا تلك الجرائم البشعة ؟ ما ذنب من راحوا ؟ وما هو مصير هؤلاء البشر البائسين ؟ وتتدفق الكلمات جارحة مؤلمة ، التعليم مقنن ، العمل مقنن ، ممنوع إدخال حفنة من مواد البناء إلى المخيمات الفلسطينية ، ما الذي يريدونه ؟ يريدون إجبارنا على الرحيل ، حسنا ولكن إلى أين ؟ محرومون من وطننا ، غير مرغوب بنا هنا ، ولا مكان في العالم مستعد لاستقبالنا .
والعقل منهك ، تتعطل آلياته أمام كل هذا البؤس والبشاعة والفظاعة ، ولكن من بين كل ذلك الركام من الأسى يبرز شعاع أمل، لا حل إلا باستمرار النضال ، النضال ضد الفناء حتى لو استمر أجيالا .
في ظل الظروف العالمية المأساوية ، في ظل العنجهية الصهيونية المجرمة ، والإدارة الأمريكية الحمقاء ، لا حل بغير تحرير إرادة الشعوب العربية كي تقود بنفسها وبكل إيمانها وشجاعتها معركة مواجهة القوى التي تريد إفناءها أو تحويلها إلى قطيع يخدم المصالح العدوانية للاستعمار الاقتصادي الحديث ، لا حل إلا بالإصرار في هذا الزمن الرديء على الثوابت : رفض الهيمنة ، رفض التجزئة ، رفض الاستبداد ، التأكيد على وحدة الشعوب العربية وحقها في تقرير مصيرها وحريتها سواء على الصعيد الداخلي أم الخارجي ، التأكيد على حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته على كامل ترابه ، دولة من أراد أن يعيش بها مسالما فأهلا به ومن أراد أن يعتدي فلينصرف ، التأكيد على حق العودة ، عودة من يشاء إلى أرضه , وحقه أن يعيش في وطنه متمتعا بكل حقوق المواطن ، وأن يموت فيه بسلام ، لا أن يطرد منه ، ليعيش مهجرا ، يذبح ويدفن في مقابر جماعية ، كما حدث يوما في صبرا وشاتيلا ، أو يبقى صدفة على قيد الحياة ، كي يعيش بؤسا لا يوصف ، محروما من أبسط شروط الحياة ، كما يحدث اليوم في صبرا وشاتيلا .