اتخذ توزير النساء في الدول الغربية طابعا عمليا، فرضته حركة تحرر المرأة ودخول المرأة ميدان العمل ، ومشاركتها الفاعلة في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكانت المرأة الكفؤ ، التي تمتلك مواصفات شخصية تؤهلها للقيادة، هي التي تتبوأ منصبا وزاريا، وغالبا عبر التدرج في مناصب قيادية في حزبها، وذلك طبعا في ظل نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ تداول السلطة، لذا كانت النساء اللاتي يشغلن مناصب وزارية ، أو منصب رئيسة وزراء، غالبا جديرات بمثل تلك المناصب تماما كالرجال.
في العالم الثالث ، أخذت ظاهرة توزير النساء شكلا مختلفا حسب أنظمة الحكم فيها:
ففي شرق آسيا حيث اتخذ الحكم في بعض دولها طابعا ديمقراطيا، وصلت عدة نساء إلى مناصب وزارية أو لرئاسة الوزراء، و لكن تحت تأثير عوامل مختلفة، وفي مقدمتها ظاهرة التوريث السياسي، التي انتشرت بكثرة في هذه الدول، لذا نجد أن أغلب النساء اللاتي وصلن إلى سدة الحكم ، أو قيادة البلاد، كن إما بنات أو أرامل قادة سياسيين تاريخيين، ألهموا شعوبهم، وقادوا البلاد في فترة الاستقلال والنهوض الوطني، واغتيلوا، أو ابعدوا عن الحكم، على يد قوى دكتاتورية كما حدث في باكستان، أو اندونيسيا، لذا قادت بناتهن أو أراملهن، البلاد بعدهم، منتخبات من قبل شعوب يسيطر على معظم أفرادها الجهل والفقر والتخلف، وبالتالي، كان انتخابهن يحدث لأسباب عاطفية أكثر منها بسبب جدارتهن، أو كفاءتهن.
أما توزير النساء في الأنظمة الشمولية في العالم الثالث، فله طابع مختلف تماما، فقد أرادت تلك الأنظمة في فترة صعود فئات حاكمة، ادعت الرغبة في تحديث البلاد والسير بها في ركب الحضارة، أن يكون وجود النساء دليلا على تقدمها وتحضرها، وكان وجود النساء مماثلا لوجود الرجال لا قيمة فعلية له ضمن بنى ورقية، أخذت مسميات مؤسسات مشابهة، موجودة في الدول الديمقراطية دون أن تقوم بالدور الموكل إليها كما في تلك الدول، فاستحدثت برلمانات شكلية ، يتم الانتخاب فيها بناء على قوائم موضوعة مسبقا ، أساسها الولاء للنظام الحاكم، ولا تمتلك تلك البرلمانات السلطة التشريعية المبررة لوجودها، بل تكون أداة في يد السلطة التنفيذية ، لتمرير تشريعات جاهزة، تقوم بدور تنفيذ رغبة السلطة الحاكمة لا الرقابة عليها، كما يعين الوزراء في السلطة التنفيذية استنادا إلى ولائهم، لا كفاءتهم، وكذلك الأمر في السلطة القضائية، فمعيار تعيين أي شخص في إحدى هذه السلطات الثلاث الولاء ، لا الكفاءة، في ظل تسيد حزب أو فئة حاكمة تقود الدولة، وأجهزة أمنية، وقوانين استثنائية. واستحدثت كذلك منظمات أطلق عليها اسم منظمات شعبية تضم الاتحادات والنقابات، لها بنى نفعية مترهلة، لا هم لها سوى أن تكون بوقا للأنظمة الحاكمة، تعين تعيينا ، لا انتخابا، وتصاغ قوانينها من قبل السلطة التنفيذية، لا من قبل أعضائها، التي يفترض بها أن تدافع عن مصالحهم، وباتت مجالا لإظهار الولاء للسلطة الحاكمة والاستنفاع من عطاياها بقدر الولاء الذي تظهره لها، وأتى توزير النساء أو استلامهن مناصب قيادية في ظل هذه الظروف أيضا ورقيا يستند إلى مبدأ الولاء ، لا الكفاءة، لكن علينا ألا ننسى أن إمكانية القيام بتطوير هام على صعيد وزارة ما ، غير ممكن التحقيق سواء كان الوزير رجل أم امرأة في ظل الصلاحيات المحدودة لأي وزير في الأنظمة الشمولية، فالجهاز الأمني كما هو معروف له الكلمة الأولى.
ومن الملاحظ اعتماد عدد محدود لا يتجاوز غالبا امرأة واحدة في أي تشكيل وزاري في الدول العربية، لمجرد تزيين الكعكة بوجود نسائي، ففي سورية لابد لنا أن نتوقف عند ظاهرة الرقم 2 الذي لم يتجاوزه عدد النساء في أي تشكيل وزاري في سورية، من أصل 31 وزيرا في التشكيل الوزاري الأخير، وغالبا ما سلمت النساء وزارتي الثقافة والشؤون الاجتماعية والعمل، باستثناء مرة واحدة تسلمت فيها امرأة وزارة التعليم العالي، ألا يدعو محدودية عدد الوزيرات وحصر تسليمهن وزارت غير سيادية، إلى التساؤل ؟
ليس غريبا ذلك إذا تأملنا غياب أي امرأة في القيادتين القومية والقطرية في حزب البعث الحاكم ، ولا تتجاوز نسبة تواجد النساء في القيادات المركزية لأحزاب الجبهة- وحتى الشيوعية منها- نسبة 1-2% وهنا لابد من لفت النظر إلى ظاهرة التوريث السياسي في أحزاب الجبهة، فالسيدة وصال فرحة بكداش أرملة الزعيم الشيوعي التاريخي خالد بكداش ، استلمت قيادة الحزب بعده، والسيدة بارعة القدسي استلمت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على خلفية كونها زوجة السيد صفوان قدسي الأمين العام لأحد الأحزاب الناصرية في الجبهة.
أما في مجلس الشعب فقد كانت السلطة الحاكمة حريصة على أن تبلغ نسبة المشاركة النسائية فيه من أعلى النسب في العالم ( 12%) أي 30 نائبة، مع ملاحظة أن 27 منهن بعثيات، تقر أسماؤهن مسبقا في قائمة الجبهة، أي لا يعكسن مشاركة حقيقة للمرأة أولا، كما أنهن لا يقمن بدور فعال في الدفاع عن حقوق المرأة ثانيا، فخلال وجودهن ما يزيد على 35 سنة في مجلس الشعب لم يكن لهن أي دور في المطالبة بتغيير القوانين المجحفة بحق المرأة ، والتي يعج بها القانون السوري، شأنه في ذلك شأن جميع القوانين العربية، وإن بدرجات مختلفة، ولا نستغرب ذلك إن اطلعنا على ما صرحت به رئيسة الاتحاد النسائي مرة، عندما سئلت: لماذا لم توقع سورية على اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة ، فأجابت لأن النساء في سورية قد نلن حريتهن، ولسن بحاجة لذلك، فكيف نتوقع من غيرها أن يطالبن بحقوق المرأة ؟، كذلك لابد من إيراد حادثة حصلت مرة في مجلس الشعب عندما وقفت نائبة مستقلة وتجرأت أن تتحدث عن حقوق المرأة فأسكتها رئيس المجلس بكل قسوة.
إذا لن تلعب المرأة دورا سياسيا فعالا في حال توزيرها إلا في ظل نظام ديمقراطي، لا يصل المرء فيه إلى أي منصب سياسي إلا بناء على قدراته وكفاءته، لا بناء على ولائه، وعلاقاته الشخصية، وبذا سيتمكن، رجلا كان أم امرأة من القيام بمسؤولياته ضمن مسيرة وطنية شاملة لتنمية وتحديث الوطن، كما لابد من الإفساح في المجال لتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، التي تلعب دورا هاما رديفا للمؤسسات الرسمية ، وتفرز من كوادرها سواء كانت حزبية أو نقابية ، عن طريق الانتخابات الحرة، من هم مؤهلون لقيادة المجتمع خدمة للصالح العام، وفي حال إخلالهم بهذا الدور فمن انتخبهم هو الذي سيقوم عملهم، بإبقائهم في السلطة التنفيذية أو إقصائهم عنها، كما تلعب مؤسسات المجتمع المدني هنا دورا هاما في المطالبة بحقوق أفراد المجتمع ومن بينهم النساء، ضمن مفهوم عام هو مساواة جميع المواطنين أمام القانون بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو عرقهم، وفي توعية المجتمع بأهمية حرية المرأة، التي من دونها لن تتحقق حرية المجتمع، عندها فقط يمكن أن يأخذ توزير النساء مفهوما حقيقيا واقعيا فعالا.