سنوات من النضال.. والحصيلة فتات بعد 28 سنة من المطالبة.. تعديل قانون الحضانة تعديلاً جزئياً!!
بدأ النضال في سبيل حصول المرأة على حقوقها، منذ مطلع عصر النهضة العربية، أي قبل أكثر من قرن من الزمان، وقد حمل رايته آنذاك مجموعة من المصلحين، من المفكرين وعلماء الدين أيضاً، الذين قادهم تفكيرهم السليم، وضمائرهم الحية، إلى تلمس إنجازات الحضارة الإنسانية التي غابت شعوبنا عنها قروناً، قبعت فيها تحت سيطرة الاستعمار والانحطاط والتخلف. تبنى أولئك المصلحون أفكاراً إنسانية جليلة، من بينها حق كل إنسان في العيش بحرية وكرامة، والعدالة الاجتماعية لكل مواطن مهما كان جنسه ولونه وعرقه. وإن النهوض بأمتنا من وهدة التخلف والضياع لن يتم إلا بتحرير طاقات المجتمع، ومن بينها طبعاً نصفه: المرأة، والزج بها في معركة التنمية والتطور، وذلك ما قادهم حكماً إلى المناداة بحرية المرأة، والعودة إلى أصول الشريعة لاستنباط الأحكام المنصفة لها، والتي تتطابق مع جوهر الإسلام ومقاصد الشريعة العادلة. وابتدأت مسيرة النضال المضنية، التي جابهتها بشراسة القوى الظلامية التي رأت في تحرير المرأة خطراً داهماً، وانفلاتاً من كل القيم والعادات. وتسلحت هذه القوى بآراء فقهية، وضعها بشر مثلنا، قبل قرون عديدة، كي تحكم حياتنا اليوم، وتمنع أي تطور يمكن أن يطرأ عليها. واتهم الكثيرون ممن نادوا بتحرير المرأة، حتى ممن نظروا إلى الأمر من زاوية تبحث في جوهر الإسلام، بالكفر والهرطقة. ورفعت تلك القوى سيف الفقه، الذي بلغ من القوة حد تجاوز النص الأصلي، في وجه كل من تسول له نفسه إحداث أي تغيير جدي في القانون، غاضين النظر عن آلاف الدراسات التي قام بها علماء دين ومفكرون، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الإسلام لا يمكن أن يظلم المرأة، وهو الذي جاء ثورة اجتماعية، نقلت المرأة نقلة واضحة، من مرتبة المتاع، إلى مرتبة الإنسان الكامل الأهلية.
لا نستطيع في هذه العجالة تلخيص ما حفل به القرآن الكريم، من أفكار تدعو إلى إعطاء المرأة حقها كاملاً، ولكن يكفينا أن نقول هنا إنه ساوى بين المرأة والرجل مساواة كاملة في الأهلية والتكليف والثواب والعقاب في أكثر من ستين آية من آيات القرآن منها: – (يا أيها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا، إنَّ أكرمَكم عندَ اللهِ أتقاكم…). (الحجرات/13). – (والمؤمنون والمؤمناتُ بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمرون بالمعروفِ وينهَوْن عن المنكرِ…) (التوبة/71). كما ورد في السيرة النبوية الكثير من الحوادث والإشارات التي وضعت بداية الطريق لنيل المرأة حقوقها، إذا قرئت ضمن ظروف حدوثها وضمن سياقها التاريخي، إلا أن تلك الإشارات ضاعت فيما بعد في خضم الصراعات والاختلافات، التي حفل بها ما يسمى الآن في الكثير من الدراسات بالإسلام السياسي.
الدستور والقوانين كان لا بد من هذه المقدمة التاريخية البسيطة لفهم الجور الذي تحمله قوانيننا ضد المرأة، فرغم أن الدستور السوري، الذي أقر عام 1973يقر للمرأة جميع حقوقها كمواطنة، في مواده التالية:
المادة 25: 1- الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم. 2- سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة. 3- المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. 4- تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.
المادة 44: 1- الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة. 2- تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية، وتحمي الأمومة والطفولة، وترعى النشأ والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم.
المادة 45: تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي. إلا أن هذه المواد الدستورية التي تتعامل إيجابياً مع حقوق المرأة، تناقضت تناقضاًَ كلياً مع الكثير من مواد قانون الأحوال الشخصية، وبعض مواد قوانين العقوبات، وقانون الجنسية. (فالأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 يحدد انتقال وسفر الزوجة دون موافقة الزوج )، وبعض القوانين تحمل تمييزاً واضحاً ضد المرأة، وقد اصطدمت كل محاولة لتغييرها، كما ذكرنا، بحجة أن ذلك يتعارض مع الشريعة الإسلامية، علما أن مواد تلك القوانين، مستقاة من نصوص فقهية، تختلف أصلاً من مذهب فقهي لآخر، أكسبها الزمن قوة تفوق قوة النص الأصلي، وقد كانت هذه النصوص هي العامل الأول في تكريسها حتى باتت قدسيتها تفوق المقدس.
ضرورة نهج جديد وقد اعتمد كثير من الفقهاء على نصوص تعبر عن حكم وقتي، أو تصف وضعاً راهناً كان قائماً وقت بدء الدعوة، وغيبوا مجموعة أخرى من النصوص. – وإن تناقض بعض الأحاديث النبوية الشريفة فيما يتعلق بموضوع المرأة، لدليل على اقتطاع الحديث من سياقه المتعلق بحادثة معينة، وتعميمه لخدمة غاية لم تكن هي الغاية المقصودة منه في تلك الحادثة.
– كما أن إعطاء الإجماع صفة قدسية، وهو اجتهاد بشري، وتكريس سلطة كهنوتية تحكم باسم رجال الدين، وبتر الآيات من أسباب التنزيل، وخلط الشريعة والفقه، وعدم موافقة المنقول للمعقول، هو الذي أوصلنا إلى قانون أحوال شخصية مجحف بحق المرأة. وإن عدم الجرأة على تغييره، بحجة تعارض التغيير مع الشريعة الإسلامية، هو الذي أعطى ظلما تلك الصورة المشوهة عن الإسلام في الغرب بأنه (عدو المرأة). وهنا لابد من اعتماد نهج جديد في قراءة الأحكام الدينية، يعتمد النسبية والتاريخية في تفسير الأحكام، ويستنبط الجوهري الثابت وراء العارض والمتغير. وقد ألزم تغير الأحوال في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التغيير في الأحكام، بل حتى في الحدود، فما يصح من أحكام الأحوال تذهب بذهابها، فالمقصد الأساسي من التفسيرات هو العدل ومطابقة الحكم للحال الراهنة وجوهر الإسلام، مع رفض التأويلات الإيديولوجية النفعية للنصوص الدينية. قام المشرعون بدمج القوانين والأعراف والممارسات الاجتماعية السابقة التي لم يتعرض لها الإسلام بالنهي والتحريم، داخل بنائهم الفقهي، ليتمكنوا من إقامة بناء قانوني كامل، واستخدموا مبدأ القياس، الذي أصبح بعد القرآن والسنة والإجماع مصدراً من مصادر التشريع. وكتبت الآلاف من الكتب الفقهية التي اعتمدت على التأويل والتأويل المضاد، وثنائية العموم والخصوص، وثنائيات الناسخ والمنسوخ، والتي أنتجت غالباً المعنى ونقيضه. ودخل الفرد المسلم في دوامة جعلت من فهمه لدينه مسألة معقدة، لا يجوز له التفكير فيها دون استعارة عقل أحد الفقهاء ليدله على أحكام دينه ويلغي عقله تماماً، بل ليتّهم كل من يستخدم عقله، مخالفاً للآراء الفقهية التقليدية بالكفر والهرطقة والمروق، رغم أنه يستقي مصادره من الشريعة نفسها.
قانون عثماني يستند قانون الأحوال الشخصية في سورية في جلّه على القانون الذي كان مطبقاً أيام الدولة العثمانية، الصادر باسم مجلة الأحكام الشرعية سنة 1293 هـ/1876م، ثم سنة 1336 هـ/1917م، والذي يستمد أغلب أحكامه من المذهب الحنفي، آخذاً بالمذاهب الثلاثة الأخرى، في بعض الحالات، وقد جرت عليه بعض التعديلات الطفيفة، التي مسّت السطح لا الجوهر، تحت ضغط المطالبات التي لم تتوقف، كان آخرها عام 1975، تناول رفع سن حضانة المرأة لأولادها بحيث أصبحت 9 سنوات للولد و11 سنة للبنت، وبعض القيود على الزواج الثاني أو زواج الكبير من صغيرة السن، وغير ذلك من تعديلات طفيفة، غير مدعومة بمؤيدات جزائية، ولم تجد لها ترجمة على أرض الواقع، لأن القاضي ملزم بتثبيت أي زواج عرفي، إذا ادعت المرأة أنها حامل، وهذا ما يحدث عادة. وخلال السنوات الثماني والعشرين الماضية انحصرت المطالبات في معظمها في رفع سن الحضانة، – على أهميته الكبيرة، لما يحمل القانون من ظلم وإجحاف بحق الأم والأطفال -، لكن ذلك عنى بصورة غير مباشرة، أنه ليس هناك عشرات المواد التي تحمل تمييزاً واضحاً ضد المرأة بما يتعلق بحقوق الولاية والقوامة والوصاية، وحقوق الزواج والطلاق والإرث، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بحق المرأة في صحيفة مدنية مستقلة، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها.
ترحيب حار ورغم ذلك كان الترحيب حاراً، من المرأة ومناصريها، بمبادرة بعض أعضاء مجلس الشعب واقتراحاتهم بتعديل المواد 146 و147، و138 من قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بحضانة الأم لأولادها، وطبعاً جاءت النتيجة مخيبة، فحتى هذا الحق البسيط لم تستطع المرأة الحصول عليه على نحو مرض بعد أكثر من 28 سنة من المطالبة المستمرة، فكل ما استطاع النواب المناصرون لحقوق المرأة الحصول عليه، هو رفع سن الحضانة للولد حتى 13 سنة وللبنت حتى 15 سنة، دون أن يكون هنالك وضوح في مسألة تخيير الطفل لحاضنه بعد تجاوزه هذا السن، وإسقاط الحكومة لمطالب حق الحاضن والمحضون بالمسكن، وعدم إقرار حق الحضانة للمرأة بعد زواجها من آخر، وهكذا بقي التعديل جزئياً، متعامياً عن المآسي وأطنان الدموع التي أريقت من عيون الأطفال وأمهاتهم في أروقة المحاكم. ولا أدري ماهي الحجة التي استند إليها محاربو تطبيق قانون منصف بهذا الخصوص، لكن لا بد، أنهم رفعوا الحجة المعتادة، التي تدعي بأن هذا التعديل مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، فهل هذا صحيح ؟ لا يوجد في القرآن الكريم نص بهذا الخصوص، ولكن، الآية الكريمة (لا تُضارَّ والدةٌ بمولودها…) (البقرة/ 233) فيها إشارة واضحة إلى ضرورة الرفق والرحمة عند معالجة هذا الموضوع، بينما وردت في السيرة النبوية الشريفة حادثتان صريحتان: (خير النبي (ص) رجلاً وامرأة وابناً لهما، فقال رسول الله: يا غلام هذا أبوك وهذه أمك اختر) (أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود، والدارمي). – و(إن امرأة جاءت إلى الرسول (ص) فقالت فداك أمي وأبي إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة. فجاء زوجها وقال: من يخاصمني في ابني؟ فقال: يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت وانطلق، فأخذ بيد أمه فانطلقت به). (أخرجه النسائي والترمذي وأبو داود وأحمد والدارمي). وفي الحادثتين، اختار الولد أمه فأعطيت حضانته. وقال (ص): من فرَّق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة. وروي أن عمر بن الخطاب طلق زوجته الأنصارية بعد أن أنجب منها ولده عاصماً، ثم تزوجت بغيره، ثم أتى عليها وفي حجرها عاصم فأراد أن يأخذه منها، فتجاذباه بينهما حتى بكى الغلام، فانطلقا إلى أبي بكر فقال له: مسحها وحجرها وريحها خير له منك، حتى يشب الصبي فيختار لنفسه (فتح القدير، للشيخ الإمام كمال الدين محمد )*.
الشريعة ليست عائقاً وما ينطبق على موضوع الحضانة، ينطبق على الكثير من الحقوق التي حرمت المرأة منها في قانون الأحوال الشخصية، بحجة تعارضها مع الشريعة، في حين أن نظرة معمقة إلى الشريعة توضح ببساطة أنها ليست العائق الذي يحول دون نيل المرأة حقوقها.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن القانون السوري للدولة السورية الحديثة، وبخاصة القانون المدني وقانون العقوبات، استقى معظم مواده من القوانين الغربية الحديثة، في حين احتفظ في قانون الأحوال الشخصية بمواد مستقاة من القانون الذي كان مطبقاً في العهد العثماني دون تغييرات هامة. فقد ألغيت العبودية، كما استبدلت حدود القتل والسرقة والزنا، في القانون السوري، بأحكام تتناسب مع روح العصر دون اعتراض يذكر. وعوملت المرأة معاملة مساوية للرجل في مواد القانون المدني، في حين بقي قانون الأحوال الشخصية لا يحمل تلك المساواة، مما خلق تناقضاً مضحكاً مبكياً في بعض الحالات. فشهادة المرأة في القانون المدني مقبولة كشهادة كاملة، في حين تعدُّ شهادة امرأتين في بعض الحالات مساوية لشهادة واحدة للرجل في قانون الأحوال الشخصية. والمرأة تعامل بصفتها مواطناً كامل الحقوق والواجبات في القانون المدني، وتبقى مخلوقاً ناقص الأهلية في بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، التي تفرض عليها الولاية، وتحرمها من الوصاية على أولادها، حتى لو كانت هي وحدها المتكفلة برعايتهم وتنشئتهم، بل إن القاضية ولية من لا ولي له بحكم القانون، لكنها ليست ولية على نفسها وأولادها!
العقلية الذكورية وخلاصة الأمر أن ليس هناك ما يمنع وجود قانون أسرة، يمنح المرأة كامل حقوقها، ولا يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها العادلة، قانون أسرة يمنح جميع أفرادها حقوقهم، ولا يتضمن ذلك إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة فحسب، بل إلغاء جميع أشكال التمييز ضد أي فرد من الأسرة، بما يتضمن من حماية للأطفال من العنف والإهمال اللذان يمكن أن يقعا عليهم من الأم أو الأب، وحماية الرجل أيضاً من التمييز ضده في المصاريف الهائلة التي يتحمل عبأها وحده عند تأسيس الأسرة كالمهور الفاحشة وتأمين المسكن وتأثيثه، وحمايته من الظلم الذي يقع عليه في الكد وراء تأمين لقمة العيش لأسرته دون أن تكون زوجته ملزمة بإعانته، حتى لو كانت امرأة عاملة. إن ما يمنع تطبيق مثل هذا القانون هو فقط العقلية الذكورية البطريركية، التي سبق أن قبلت بإلغاء الرق وبتغيير الحدود في القانون كحد السرقة والزنا والقتل، في حين تقوّم الدنيا ولا تقعدها من أجل تعديل قانون الحضانة. لن تهلل المرأة للفتات الذي يمنحها إياه القائمون على الأمر كصدقة، من عطايا جبروتهم وتحكمهم بمجريات الأمور، ولن تتوقف عن المطالبة بحقوقها، فالحق كامل ولا يتجزأ، ولا يجوز التفريط به، بحجة الأمر الواقع، و(جزا الله المحسنين) و(لقمة خير من الموت جوعاً)، فالمطالبة بحقوق المرأة يدخل في سياق المطالبة بحقوق المواطن، ولا يجوز لأي مؤمن بحق البشر في الحرية والديمقراطية، أن يلغي ضميره عندما تتعلق المسألة بحقوق المرأة، إلاّ إذا كان غير مؤمن بهذه الحقوق أصلا، وهنا يلتحم نضال المرأة بالنضال العام في سبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان في الحرية والعيش الكريم.
——— * (يمكن العودة إلى مزيد من الأمثلة، ودراسة معمقة بهذا الخصوص إلى دراستين عنوانهما: مدة الحضانة بين الشريعة والقانون، وزواج الحاضنة في العددين 3،4 والعددين 5،6، من مجلة المحامون 1997 و1998 للمحامية الأستاذة دلع الرحبي).