عندما تتحول القضايا المصيرية إلى ” مسخرة

يبدو أن الأمور اختلطت في وعي صناع مسلسل ” حكايا المرايا ” ، وقد استمرأوا جرأتهم في الحديث عن القضايا المسكوت عنها سابقا ، ليبدأوا بالمساس بالقضايا المصيرية ، ويحولوها إلى مادة للسخرية .

وأنا أعني هنا اللوحة التي قدمت مادة عن موضوع مقاطعة البضائع الأمريكية .

تبدأ الحلقة بتصوير شخص ” مهووس ” بالمقاطعة ، يحظر على زوجته و أولاده شراء البضائع الأمريكية ، أو التعامل مع الهيئات التي تمثل المصالح الأمريكية ، فنراه يمنع زوجته من شرب قهوة النسكافيه صباحا ، ثم يعصر معجون الأسنان الأمريكي الذي اشترته ابنته في المغسلة ، ويمنعها من تعلم الإنكليزية في المركز الثقافي الأمريكي ، ويشمشم سكرتيرته ، ويوبخها على استخدام عطر أمريكي .. وهكذا تتوالى مجموعة من المواقف التي تظهر الرجل مثيرا للسخرية ، أبلها أمام حجج زوجته ، فالبضاعة الوطنية ليست بجودة البضاعة الأمريكية ، وجميع أجهزة الكومبيوتر التي نستعملها هي أمريكية الصنع ، وذلك يقود ، حسب منطق صناع العمل إلى أن من يقاطع البضائع الأمريكية كمن يضحك على نفسه ، وتنتهي اللوحة ، بالبطل يقفز فرحا لحصوله على فيزا لزوجته إلى أمريكا ,كي تضع مولودها هناك ليحصل على الجنسية الأمريكية !

أولا ، أرغب التأكيد هنا أنني لست بصدد التشكيك هنا في وطنية صناع العمل ، فقد أثبت الأستاذ ياسر العظمة وفريقه خلال سنوات من برنامجه المحبوب وطنيته ، وحرصه على مصلحة الوطن ، والرغبة في خيره ، بإبراز مواضع الخلل فيه ، والدعوة إلى إصلاحها ، من أجل صالح الوطن والمواطن ، لذا استغربت ، بل استنكرت كيف غاب عن باله أن عرض هذه المسالة الوطنية المصيرية بمثل هذا الاستخفاف ، لن يكون بصالح أحد .

ورغم أنني متأكدة أن الهدف من اللوحة هو إظهار نموذج الشخص المتناقض بين شعاراته وممارساته ، إلا أن الهزء بهذه المسألة التي أعتبرها أنا وغيري على درجة كبيرة من الأهمية ، بل أنها وسيلة المقاومة الوحيدة في أيدي الشعوب العربية العاجزة أمام سطوة النظام العالمي الجديد ، فيه مغالطة كبيرة .

ولسنا هنا بصدد المزاودة على بعضنا ، وكلنا لاشك ، وطنيون ، مصلحة الوطن والمجتمع هي هدفنا الأول والأخير ، لكن لابد من إيضاح بعض الحقائق المتعلقة بأهمية المقاطعة ، وتشكيك البعض بجدواها :

الحملة الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب ، هي حملة مصطنعة هدفها السيطرة على العالم من قبل القطب الأوحد اليوم ، والهجمة الأمريكية على المنطقة هدفها إحكام سيطرة اقتصادية سياسية ، والمخطط الأمريكي لتجزئة المنطقة والسيطرة على خيراتها واضح ، كوضوح ارتباط مصالح أمريكا والعدو الصهيوني .

في ظل عجز الأنظمة العربية عن الوقوف في وجه هذه الهجمة الأمريكية الشرسة ، لا يبقى لدينا كشعوب سوى : الاستسلام لقدرنا السود ، أو المقاومة بأي سلاح متاح لنا ، ونحن لا نملك اليوم سوى سلاح المقاطعة .

إن مقاطعة البضائع والمصالح الأمريكية ، حتى وإن لم تؤثر على اقتصاد أمريكا كما يدعي البعض ، فهي صرخة حق تطلقها الشعوب العربية ، لتقول لهذه القوة الغاشمة نحن نرفض سيطرتك ، وطغيانك .

ليس صحيحا أن المقاطعة لا تؤثر على الاقتصاد الأمريكي ، فحتى لو كانت صادرات أمريكا إلى الدول العربية ضعيفة ( 3-6% من صادراتها المدنية ، عدا الأسلحة ) ، فأمريكا دولة قائمة على الاقتصاد وأي خلل فيه سيزعجها بالتأكيد ، وقد أزعجها فعلا تدني مبيع البضائع الأمريكية في دول الخليج ، ولولا الأصوات المحبطة ، لكان استمرار المقاطعة سيؤدي حتما إلى إضرار بالاقتصاد الأمريكي. فإذا أضفنا إلى صادرات الولايات المتحدة الأمريكية المدنية ، السلاح الذي تصدره إلى المنطقة العربية ، وهو أضعاف الصادرات المدنية ، سندرك أهمية المقاطعة السلبية ، وإذا حلمنا بمقاطعة إيجابية تشمل صادرات الدول العربية من النفط إلى أمريكا ، يمكننا أن ندرك أن حجم الضغط الذي يمكن أن تمارسه الدول العربية على أمريكا ليس أبدا بالأمر السهل أو الهين ، الذي يمكن أن يكون مادة للمزاح أو السخرية .

هل في استبدال معجون أسنان أمريكي ذي طعمة شهية تحرض على التهامه ، بمعجون أسنان وطني أقل نكهة ، تضحية كبيرة لا يستطيع المواطن القيام بها ، علما بأن هناك الكثير من مواد التنظيف الوطنية من صابون ومسحوق غسيل …الخ معقولة جدا ، ولا أعتقد أن الموظف العادي قادر أصلا على استخدام البضاعة الأجنبية ( هو مقاطع حكما ) .

إن قهوة النسكافيه مقاطعة ليست لأنها بضاعة أمريكية ، بل أنها تابعة لشركة نستله ، الداعمة للكيان العنصري الصهيوني ( وذلك مثبت بوثائق ) ، وهو ما نعتقد أنه يجب أن يقاطع أيضا ، كمقاطعتنا للبضائع الأمريكية ، والاستغناء عن النسكافيه صباحا ليس كارثة ، خاصة بوجود بدائل مستوردة من أمريكا اللاتينية باتت متوفرة في أسواقنا .

من مباديء المقاطعة البديهية ، أننا كدول مستهلكة لا منتجة ، لا نستطيع أن نقاطع كل ما نرغب في مقاطعته ، علما بأن حتى برامج وأجهزة الكومبيوتر يمكن استبدال غالبيتها بمنتجات دول صديقة أو محايدة ، ونعم يا سيدي ، فالدول الصديقة ، التي يخرج مواطنوها اليوم بالآلاف نصرة لشعبي فلسطين والعراق ليست أيضا مادة للسخرية .

إن تعميم نموذج المدعي الكاذب على مقاطعي البضائع الأمريكية ، بدل تقديمهم كمواطنين مخلصين ، لهو ظلم ما بعده ظلم .

وهنا أكرر أننا جميعا لا نشك في أن الغرض من الحلقة لم يكن موفقا وأعطى مفعولا عكسيا ، وأن الأستاذ ياسر العظمة وفريقه قد أثبتا على مدى أعوام أن مصلحة الوطن والمجتمع هي هدفهم ، ولكن هذا لا يمنع من اعتبار أن هذه كبوة للفنان ياسر العظمة الذي نكن له كامل الاحترام والتقدير ، ولنأمل أن تكون الكبوة الوحيدة لفارس الكلمة والكوميديا .