تبدو علاقة السينما السورية بالمرأة انعكاسا لعلاقة المجتمع الذكوري بأنثاه ، علاقة إشكالية معقدة ، سواء خلف الكاميرا أم أمامها .
فليس من المستغرب أن تبدأ إشكاليات تلك العلاقة بأول فيلم روائي أنتج في سورية ، المتهم البريء عام 1928 ، إخراج أيوب بدري ، والذي منعت عرضه سلطات الاحتلال الفرنسي ، بحجة أن بطلة الفيلم مسلمة ، وهذا سيثير احتجاج رجال الدين في سورية ، مما اضطر صناعه إلى إعادة تصوير جميع مشاهد بطلته بعد استبدالها براقصة ألمانية ، انتهاء بحرب شعواء خاضتها اليوم المخرجة واحة الراهب لمدة أربع سنوات لتحظى بفرصة إخراج فيلمها الروائي الطويل الأول ، مرورا بيأس المخرجتين السينمائيتين الأخريين من إمكانية الحصول على هذه الفرصة ، مما انتهى بالمخرجة أمل حنا إلى الهجرة ، والمخرجة هند ميداني إلى الاتجاه إلى التلفزيون ، دون أن ننسى اضطرار السينما في سورية في بداياتها للاستعانة بممثلات غير مؤهلات لأداء الأدوار النسائية ، في زمن أسطورات السينما العالمية ، بسبب الضغوط الاجتماعية ، قبل أن يفتتح المعهد العالي للفنون المسرحية ويخرج دفعات متتالية من الأكاديميات .
والسؤال المطروح أصلا : هل عكست السينما في سورية صورة حقيقية عن المرأة في مجتمعنا ، بل السؤال الأهم ، هل كانت أصلا معنية بذلك ؟
لعل الإجابة تكمن في استعراض الإنتاج السينمائي السوري بمراحله المختلفة ، وبشقي السينما الأساسيين ، الروائية والتسجيلية :
صورة المرأة في السينما التسجيلية السورية :
من بين حوالي 400 فيلم تسجيلي أنتجها القطاع العام في سورية ، سواء في دائرة السينما في وزارة الثقافة ، ومن ثم المؤسسة العامة للسينما التي أسست عام 1963 ، أو دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون التي أسست عام 1974 ، توزعت بين أفلام سياحية أو دعائية أو مناسباتية ،كان هناك حوالي 35 فيلما فقط تناولت قضايا اجتماعية ، من بينها 6 أفلام عالجت قضية المرأة ، اثنان منها دعائيان ، أي أننا نخرج بنسبة 1% فقط من الأفلام التسجيلية التي كانت معنية حقا بطرح هموم المرأة وقضاياها .
ففي الفيلم الدعائي ( المرأة اليوم ) الذي أخرجه خالد حمادة عام 1969 والذي أنتجته المؤسسة العامة للسينما ، أعطانا المخرج صورة وردية عن وضع المرأة ، وهو يصور لنا امرأة المدينة التي حصلت على أرقى الشهادات الجامعية ودخلت ميدان العمل ، والتي لم تعد تعاني أي مشكلة ، فهي تذهب إلى عملها مطمئنة على أطفالها الذين يوضعون أثناء ذلك في حضانات مثالية ، أو كما يقول المعلق ( وفي أحيان أخرى يتولى الآباء الطيبون هذه المهمة عن طيب خاطر ) ! ولا يتطرق إلى المرأة الريفية إلا في لقطة واحدة تظهر لنا فلاحات على آخر موضة – واضح أنهن ممثلات – يقطفن تفاحا والابتسامة تعلو وجوههن ، مترافقة بتعليق المذيع ( في الريف لم تعرف المرأة هذا الصنف من الانعتاق لأنها كانت حرة على الدوام ، ولم تتطور في اتجاه الخروج من أسر الجدران لأنها كانت أبدا خارج الجدران ) . ومن ثم يتوالى التعليق ( أين هي امرأة اليوم في تفتحها و انعتاقها وخروجها إلى الحياة من امرأة الأمس المكبلة بالقيود و التقاليد البالية ) .
ولا أعتقد أن الفيلم الدعائي الآخر الذي أنتجته دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون عام 1981 بعنوان ( المرأة السورية والتنمية ) وأخرجه غنام غنام ، يختلف كثيرا عن سابقه لأنه صنف ضمن الأفلام الدعائية أيضا ، وللأسف لم استطع أن أحصل على نسخة منه .
ليس من المستغرب أن تنال قصب السبق في طرح قضية المرأة بشكل حقيقي وجاد امرأة هي المخرجة السينمائية ( أمل حنا ) والتي أخرجت عام 1975 ، في دائرة الإنتاج السينمائي في التلفزيون ، فيلما بعنوان ( المرأة ) عن واقع المرأة في سورية بأسلوب التحقيق العلمي ، والذي لم أستطع كذلك للأسف الحصول على نسخة منه .
في عام 1978 أخرج المخرج ( سمير ذكرى ) فيلمه الهام ( عنها ) ، والذي يعتبر وثيقة هامة عن وضع المرأة في تلك الفترة ، لكنه بسبب محاولته الإحاطة بجميع جوانب هذه القضية التي تمتد جذورها إلى قرون بعيدة في التاريخ ، خلال اقل من ساعة تشتت في طرح أفكار متعددة تداخلت بعضها ببعض ، ولكن يحسب للفيلم أنه الفيلم التسجيلي الوحيد في تاريخ السينما السورية الذي حاول طرح قضية المرأة كقضية متكاملة ، بادئا الفيلم بالمعلقة التي بدأت حديثها إلينا وأنهته ، من وراء قضبان ، لا زالت المرأة تعيش خلفها حبيسة عادات وتقاليد وأعراف وقوانين تكبلها ، وتمنع عنها الحرية التي تتوق إليها
عام 1980 أخرج المخرج مأمون البني فيلما أعتقد شخصيا أنه أهم فيلم تسجيلي صور الواقع الحقيقي للمرأة الريفية في سورية ، وهو ( المرأة الريفية ) ، والتي هي في الواقع -وعلى لسان أحد الرجال في الفيلم – ( ملك له ) ، تعمل في شروط لا إنسانية ليل نهار في البيت والحقل ليقبض الرجل أجرها ، مقتنعا – على لسان رجل آخر في الفيلم – أن لا حقوق لها إطلاقا ، فيلم يصور معاناة لا تشبهها سوى معاناة العبيد قبل إلغاء نظام الرق .
يبقى فيلم ( جداتنا ) الذي أخرجته المخرجة واحة الراهب عام 1991 ، والذي مزجت فيه الروائي بالتسجيلي ، لتخرج بصورة عن واقع المرأة المرير في ريفنا السوري ، واقع يندب العصر الأمومي ، حيث كانت الجدات مانحات الخصب والعطاء سيدات أنفسهن .
أما فيلمي محمد ملص التسجيليين ( القنيطرة 74 ، الذاكرة 1976 ) فصحيح أنهما يصوران مشاعر وتداعيات امرأة ، لكن ضمن إطار القضية الوطنية العامة ، وهما أقرب ما تكونان إلى الرمز .
ويمكننا القول أن هنالك بعض الأفلام التسجيلية الأخرى التي قدمت واقع المرأة في سياق عرضها لواقع معاناة فئات اجتماعية متعددة ( في حي شعبي ، مروان حداد 1972 ،الحياة اليومية في قرية سورية ، عمر أميرلاي 1974 ، فرات ، محمد ملص 1978 ، اليوم كل يوم ، أسامة محمد 1980 ) .
صورة المرأة في السينما الروائية :
لقد عكست السينما الروائية في مراحلها المختلفة موقف مجتمعنا من المرأة ، دون أن تعكس صورة حقيقية لها ، فالمرأة في تلك المراحل المختلفة ، كانت دوما كواقعها في المجتمع مهمشة ، تبدو كخلفية باهتة للأبطال الرجال ، وحتى في الأفلام القليلة التي طرحتها في مقدمة الحدث كانت تعطيها الصورة المرسومة مسبقا ، والمطلوبة حسب المرحلة التاريخية وخدمة للتغيرات الفكرية الإيديولوجية التي سادت المرحلة .
وأعتقد أنه من زاوية صورة المرأة في السينما السورية ، يمكننا تقسيم الإنتاج السينمائي إلى المراحل التالية :
مرحلة البدايات ، سينما القطاع الخاص :
والتي بدأت عام 1928 وبقيت محاولات متعثرة من قبل هواة مغامرين ، وانتهت أغلبها بالفشل ، وكانت غالبا أفلاما ساذجة ، ورغم التقدير الذي نكنه فعلا لأولئك الرواد الأوائل لا يمكن تسمية ما أنتج آنذاك صناعة سينمائية سورية .
مرحلة الخمسينات وبداية الستينات :
في تلك المرحلة نبه بعض الفنانين أصحاب رؤوس الأموال إلى الربح الذي يمكن أن يجنوه من توظيف أموالهم في السينما ، وكانت الحصيلة إنتاج عدد من الأفلام ، والتي كانت لابد أن تحوي البهارات التجارية التي ستجلب لها الجمهور لتحقيق الربح ، وطبعا لم يخف على المنتجين أهمية المرأة المشتهاة من قبل الجمهور المكبوت المتعطش للجنس ، والتي ستأتي هذه الأفلام لتشبع جزءا من رغباته وأحلامه ، ومن هنا رسمت صورة للمرأة في سينما هذه المرحلة ، المرأة الجميلة الصغيرة المشتهاة ، والتي تتنقل بين القصور والفنادق والمصايف ، كاشفة ما تيسر ، وما تتيح لها الرقابة من أجزاء جسدها ، مطلقة الأغنيات والآهات ، ومتلقية لأكبر عدد من القبل من قبل بطل الفيلم ، بل حتى من السنيد الذي يتنكر بزي امرأة أو عجوز ليحصل هو الآخر على ما تسمح به الرقابة من اللمس والقبل .
صورة مذلة مهينة للمرأة ، تيمنا بالسينما المصرية ، التي سارت هي الأخرى على خطى سينما هوليوود ، واضعة بذلك نقاط البداية للعولمة الثقافية السلبية التي اتضحت اليوم
بأبرز صورها .
وقد استعانت السينما في تلك الفترة بمطربات أو نجمات مصريات لبطولة هذه الأفلام ضمانا لشباك التذاكر ، مما خلق غربة مضاعفة عن الصورة الحقيقية للمرأة في مجتمعنا .
وحسب معلوماتي ، فهنالك فيلم وحيد ، قدم نموذج امرأة من لحم ودم ، هو فيلم (خياط للسيدات ) ، الذي ظهرت الفنانة شادية كزوجة وربة منزل لديها أطفال يعمل زوجها المرحوم نهاد قلعي خياطا ، رغم أنها هذه الزوجة لا تتوانى عن أن تصدح بأغنياتها بمناسبة وغير مناسبة ، إلا أنه يحسب لهذا الفيلم هذه النقطة الإيجابية .
سينما القطاع العام :
لم تكن صدفة إنشاء المؤسسة العامة للسينما عام 1963 ، في نفس السنة التي قامت بها ثورة الثامن من آذار لتقلب الكثير من المفاهيم والتوازنات الاجتماعية ، وبدأت محاولات سينما القطاع العام التأسيس لسينما ذات توجه جديد ، مغاير لما كان سائدا من قبل ، وقد ساعد في ذلك رفد القطاع العام بكادر شاب من المخرجين الذين درس اغلبهم في الإتحاد السوفييتي آنذاك ، وآخرون في براغ وفرنسا ومصر ، وعادوا إلى بلادهم في منتصف السبعينات ، يحملون دماء جديدة أمدت السينما السورية بحيوية ذات طابع خاص .
فهل أعطت هذه السينما المرأة حقها من الاهتمام ، بشكل يتناسب مع الوعود التي قدمتها الحكومات لقطاعات الشعب المضطهدة المهمشة ؟
إن النظرة السابقة التي ألقيناها على السينما التسجيلية تؤكد العكس ، فهل عوضت السينما الروائية ذلك ؟
لقد استمرت سينما القطاع العام تتلمس البدايات منذ إنشائها وحتى منتصف السبعينات، في تلك الفترة كانت القضية الفلسطينية محور معظم الأفلام، حيث كان دور المرأة فيها هامشيا باستثناء فيلم ( السكين ) إخراج خالد حمادة 1972، والذي كانت المرأة فيه رمز، أكثر منها شخصية واقعية، أو أفلام تحكي عن الصراع بين المستغلين والمستغلين، وهنا لا تظهر المرأة إلا بكونها أداة للاستغلال الجنسي من قبل المستغل ( الإقطاعي في ثلاثية العار، بشير صافية ، بلال صابوني ، وديع يوسف 1974) أو الرغبة المشتهاة من قبل المسحوقين الذين يعانون القهر على كافة الأصعدة ( اليازرلي ، قيس الزبيدي 1974 ) ، مع بقاء آثار السينما التجارية الهولوودية ، في شخصية المرأة الغانية اللعوب التي تعبث بعقول الرجال ( وجه آخر للحب ، محمد شاهين 1972 ) .
وقد تمخضت فورة الإنتاج عام 1974 ( أربع أفلام في ذلك العام ) عن تبلور خط جديد في السينما غدا أكثر التصاقا بالواقع ، وحاول طرح مشاكله وبدأت ملامح الشخصيات في الكثير من الأفلام تقترب من السمات الواقعية ، وإن بدت في بعض الحيان كما يراد لها أن تكون ، لا كما هي في الواقع ، ممثلة شريحة ضيقة من النساء ، لا الشريحة الأكبر ، والتي رغم الأفكار التقدمية واليسارية بقيت وقتها ، وربما حتى اليوم ، مكبلة بالعادات والتقاليد ، والقوانين ، التي تخنق عندها كل محاولات الخروج من إسار الماضي ، فقدمت المرأة بصورة بنت مكافحة تقدمية تمارس علاقاتها الجنسية بشكل حر ، متجاوزة القيود الاجتماعية بسهولة تحسد عليها ( الاتجاه المعاكس ، مروان حداد 1975 ، حادثة النصف متر ، سمير ذكرى 1980 ، حب للحياة بشير صافية 1981 ، وقائع العام المقبل 1982، سمير ذكرى ) ، وذلك لا يعني أن هذه النماذج لم تكن موجودة في السبعينات من القرن الماضي ، تلك الفترة الذهبية ، التي حضنت غليان بركان حي ، أطلق طموحات جيل شاب آمن بالانطلاق والتحرر ، في حركة تغيير اجتماعي حاولت مواكبة التغيرات الفكرية التي حملت الفكر التقدمي اليساري ، وحاولت أن تصدق أنها ستتمكن في سنوات قليلة من تغيير الفكر والبنية الاجتماعية ، عندما تناسى المؤمنون بها أن مثل هذه التغيرات الاجتماعية تستلزم قرونا حتى ترسخ في الوعي الجمعي ، وأن فورات اجتماعية مثل تلك سيعقبها بالتأكيد خمود البركان الهائج ما لم تستمر طويلا مغيرة بنية التركيبة الاجتماعية وحاملها القانوني .
في تلك الفترة بقيت القضية الفلسطينية، وهي لا شك الهاجس الدائم للشعوب العربية، موضوعا مفضلا لدى سينمائيينا ، ولكن دور المرأة في تلك الأفلام التي عالجتها كان هامشيا .
كذلك لم تعدم تلك الفترة أفلاما كانت بصيغتها العامة استمرارا للسينما التجارية ، وإن ركبت موجة اليسار مسايرة للوضع العام ، مضيفة بعض الأفكار عن فساد بقايا البرجوازية واستغلال أصحاب الأموال للطبقات الكادحة تمريرا لأفلام حوت قصصا هولوودية تقليدية ، عن المرأة الجميلة التي تضطر للخروج إلى العمل فتقع بين براثن الرجال الذئاب ( المصيدة ، وديع يوسف 1980 ) أو من تجرؤ وتقتحم عالم التجارة والأعمال بممارساتها الدنيئة المشروعة للرجال فقط ، مما ينهي الأمر بموتها ( قتل عن طريق التسلسل ، محمد شاهين 1982 ) .
في الثمانينات بدأت تتضح سمات نضج في السينما السورية ، وإن كانت بداياتها في المرحلة السابقة في بعض الأفلام ( حادثة النصف متر ، الاتجاه المعاكس ، حب للحياة ) ، إلا أنها تبلورت في رغبتها بالتركيز على الإنسان باعتباره المادة الأولى والأهم لأي طرح فكري أو سياسي ، وظهرت الشخصيات في الأفلام من لحم ودم ، نابضة بالحياة ، لا حاملة لأفكار فقط ، و بؤرة للحدث السياسي الوطني ، صانعة له ، متأثرة به ، فكانت مرآة حقيقية تعكس الواقع بكل إيجابياته وسلبياته ، كما تعكس هموم الإنسان بدءا بمعاناته اليومية الصغيرة وانتهاء بهمومه الوطنية ، واتضحت سمات المرأة في أفلام هذه المرحلة ، امرأة حقيقية بكل محاسنها وعيوبها ، إنسانة متكاملة الملامح ، دون صور جامدة مسبقة عن قدسية الأم ، أو مكر اللعوب ، أو طهر العذراء ، أو مكر المحنكة ، أو تهتك العاهرة ، أو انصياع المستسلمة لقدرها ، بل امرأة تحمل ذلك كله في تركيبة بشرية لا ورقية .
ولعل المثال الأوضح على ذلك شخصية الأم في فيلم ( أحلام المدينة ، 1983، الليل 1992، محمد ملص ) ، نجوم النهار ( أسامة محمد 1988 ) ، كومبارس ( نبيل المالح 1993 ) ، ( رسائل شفهية1991 ، ليالي ابن آوى ، نسيم الروح 1997، قمران وزيتونة 2001 ، عبد اللطيف عبدالحميد ) ، ( الترحال ، ريمون بطرس ) .
وإن بقيت في هذه المرحلة بعض الأفلام التي رغم واقعيتها لم يكن للمرأة فيها سوى دور هامشي ( صعود المطر ، 1995 عبد اللطيف عبد الحميد ، تراب الغرباء 1997 ، سمير ذكرى ، الطحالب 91 ، ريمون بطرس ، شيء ما يحترق ، 1993 ،غسان شميط ) أو كانت البطلة فيها رمزا ( صهيل الجهات 1993 ) ، أو نابعة من بطون حكايات حنا مينة ، التي تظهر المرأة إما أما قديســــــــــة أو عاهــــــرة طيبة ( الشمس في يوم غائم 1985 ، محمد شاهين ، آه يابحر 1995 ) .
وهنا لا بد من الإشارة أنه في تلك الفترة التي ذكرنا فيها أن ملامح السينما السورية بدأت تتبلور و تنضج ، وكانت تبشر بنهضة سينمائية سورية ، خاصة أن بعض أفلام تلك الفترة حاز على العديد من الجوائز العالمية ، وكان موضع ترحيب من النقاد والجمهور ، إلا أن ذلك للأسف تزامن مع انحسار في إنتاج القطاع العام ، قضى على آمال الكثير من المخرجين الموهوبين الذين تيبست مواهبهم بفعل الزمن والقهر والانتظار ، في وضع سينمائي اقل ما يوصف أنه مأساوي ، لأسباب يعرفها الكثيرون ويطول شرحها ، أدت إلى أن تنمحي صورة الرجل و المرأة معا من على شاشاتنا الخاوية .
وقد أنتج القطاع العام في سوريا كذلك بعض بالأفلام الروائية القصيرة التي عالجت موضوع المرأة كقضية تستحق الاهتمام (النار والماء 1974، اللعبة 1979 هيثم حقي ) .
لابد أن ننوه هنا أن القطاع الخاص استمر في إنتاجه لنفس النوعية من الأفلام التجارية ، لكن دون أن يدرك أن حتى مدرسته الأولى ( أي السينما الهولوودية ) قد غيرت منحاها والقضايا التي تطرحها مسايرة العصر ، وبقي ينتج أفلاما وإن بعدد ضئيل ، كلها ببطولات نسائية بنفس المواصفات التي ذكرناها سابقا والتي تسخر جسد المرأة في قصص مفبركة لجذب الجمهور العريض من الشباب المسحوق المكبوت ، محولة صالات العرض في بلادنا ، هي وما يرافقها من أفلام عنف وجنس أجنبية عف عليها الزمن ، إلى دكاكين رخيصة للجنس المموه ، وملتقى للمنحرفين والشاذين .
ولكن لابد لنا أن نشيد هنا بثلاثة أفلام للفنان دريد لحام ، أنتجت في القطاع الخاص إلا أنها حملت هما وطنيا وإنسانيا ( الحدود 1984 ، التقرير 1986 ، الكفرون 1991 ) ، وبالتالي قدمت المرأة بصورة مختلفة نوعا ما عن السائد في سينما القطاع الخاص ، فكانت المرأة في الأفلام الثلاثة متحررة مستقلة واثقة من نفسها ، وأكثرها إقناعا كانت شخصية المعلمة في الكفرون ، وإن لم تستطع هذه الأفلام التخلي تماما عن شروط القطاع الخاص لتسويق أفلامه ، فكان لابد من إبراز الجمال الجسدي لتلك البطلات ، في مشاهد لم تكن تخدم دائما السياق الدرامي .
لقد أنتج هذا الوضع المزري لصالاتنا واقعا جديدا مرتبطا بالمرأة ، إذ غدا دخول صالات السينما محرما عليها بعد أن كانت من روادها ومشجعيها ، باستثناء صالة الشام في دمشق فقط والتي يقتصر دخولها على من تتمكن من رصد ألف ليرة سورية شهريا ، كي تتابع هوايتها السابقة في مشاهدة كل جديد في السينما كغابر الأيام .
لقد أعدت في الأسبوع الماضي رؤية الأفلام التسجيلية التي تحكي عن المرأة وأحسست بغصة تعصر الروح وأنا أشاهد المشاكل التي لا زالت المرأة في سوريا ترزح تحت وطأتها ، بخاصة في الريف ، وكأن هذه الأفلام صورت البارحة لا قبل أكثر من عشرين عاما ، وغدا الألم مضاعفا عندما استذكرت مع الصديق عمار ألكسان ، الأفلام التي قدمت صورة حقيقية حية للمرأة في السنوات الأخيرة ، والتي أظهرت مدى القمع والقهر والاضطهاد الواقع على المرأة في مجتمعنا ، والتي لن تزول إلا بتغيير حقيقي جذري لوضع المرأة بتغير القوانين التي تكبلها وتعتبرها حتى اليوم إنسانا غير كامل الأهلية ، وبتحسين وضعها الاقتصادي ، وحمايتها من الأعراف والتقاليد القبلية التي لا زالت حتى اليوم أقوى من القانون نفسه ، وذلك كمقدمة لتغيير اجتماعي ، نعرف أن أمده سيطول لكننا لابد أن نسعى إليه بكل قوانا ، نحن وجميع المخلصين من أبناء الوطن .
د. ميّة الرحبي
5