حفيدتي الغالية :
في أيامنا هذه حيث ساد الظلم والقمع والاضطهاد كوكبنا الحزين ، وبات القوي المتجبر ، بشرا ودولا وأنظمة وحكومات ، يتلذذ بسحق الضعيف ، وقفت جداتك اللاتي لاقين صنوفا من القهر والاضطهاد ، من المجتمع والقوانين والأعراف – قد تقرأين عنها في كتب التاريخ المهترئة ولكن هل ستستطيعين تخيلها ؟- وقفن وجابهن قوى ظلامية عاتية ، وقضين حيواتهن القصيرة وهن يطالبن ويحاربن كي ينتزعن الفتات ، الذي تتصدق عليهن به القيادات السياسية – نعم ، لا تستغربي ، على أيامنا القيادات السياسية تهب وتمنح ، أو تحرم وتلغي وتسجن وتقمع – كلما عن ّ لها ، متناسية الحجج التي علكتها سنوات بأن أي تعديل في القوانين لصالح المرأة مخالف لمبادئ الدين الإسلامي ، الذي استخدم ظلما ، أداة لحرمانهن من الكثير من حقوقهن الإنسانية ..
في أيامنا هذه سادت اتفاقية بين الدول سميت اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة ، أجبرت الدول العربية حياء ، وكي لا تبدو متحجرة خارج العصر ، على التوقيع عليها ، لكنها كالعادة تمكنت من التحايل عليها بمجموعة من التحفظات أفرغتها من مضمونها ، و بذلك لم تتغير القوانين المجحفة بحق المرأة قيد أنملة بعد التوقيع على هذه الاتفاقية .
أكتب لك اليوم ، وقد أثار شجوني ، مكسبا ، قد تجدينه غير ذا قيمة ، لكنه كان على أيامنا مطلبا بحت أصواتنا وكلت أيدينا وحفيت أرجلنا ، كي نحصل عليه ، وهو حق المرأة في منح جنسيتها لأولادها ، إذ فجأة لم يعد هذا الحق متعارضا مع الشريعة الإسلامية في مصر ، ومن قبلها الأردن ، اللتان استجابتا لمطالب الآف الأمهات بهذا الحق ، في حين لا تزال الشريعة الإسلامية في سورية ، والكثير من الدول العربية الأخرى تتعارض مع هذا الحق ، وذلك شبيه بالتناقض الموجود تجاه حقوق أخرى للمرأة بين مختلف الدول العربية ، فالشريعة الإسلامية في سورية لم تكن تعارض الخلع من سنوات طويلة ، ولم تقره الشريعة الإسلامية ” المصرية ” إلا بعد سنوات وسنوات من المطالبة وآلاف الصفحات والأحبار التي أريقت في هذا السبيل .
والغريب فعلا في الأمر فعلا ، أن علماء الدين يتشددون في المعارضة سنوات وسنوات ، وحين يصدر القانون ، لا نسمع أحد منهم يعارض أو يشجب صدوره !
تصوري أن هذا المطلب الصغير حلما بالنسبة إلينا بعيد المنا ل ، فحتى أكثر علماء الدين تنورا عندنا ، يتحفظون تحفظا كبيرا إزاء أي تغيير لصالح المرأة ، فأحد أكثر علماء الدين تنورا في سورية ، والذي كانت له مواقف مشهودة لصالح المرأة ، و أثار كتابه عن المرأة والشريعة ، الذي صدر الآن ، عليه هجوما من الكثير من علماء الدين المتزمتين ، فاجأنا في محاضرة له ، أنه هو الآخر يقف ضد حق الأم السورية في منح جنسيتها لأولادها ، وحجته الآية الكريمة ” ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ” الأحزاب5 .
علما بأن سبب نزول الآية معروف ، يتعلق بإلغاء التبني في الإسلام ، وعند بحثنا عن أصول تلك الحجج وجدنا أحد المراجع الدينية الشهيرة واسمه أسباب النزول للسيوطي يقول فيه: أخرج البخاري عن ابن عمر قال : ماكنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت في القرآن ” ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ” وذلك ما يؤكده تفسير ابن كثير ، في حين يمكن الاعتماد في تشريع منح المرأة جنسيتها لأولادها على الحديث الشريف ” ابن أخت القوم منهم ” ( أخرجه مسلم واحمد والنسائي والدرامي ) .
هذا عدا عن أن هذه المشكلة لم تظهر وتستدعي حلولا لها إلا في نظام الدولة الحالي ، أما في صدر الإسلام فكان يحكم المجتمع نظام قبلي ، ولكن حتى في ذلك النظام ، لابد أن هنالك مشكلة ما طرأت واستدعت اعتبار ابن أخت القوم منهم.
وهكذا كما ترين أعادنا طرح أي تعديل لإحدى مواد القانون المجحفة بحق المرأة إلى المشكلة الأساسية ، التي لا بد أن تحل بشكل كامل لا جزئي ، فأغلب مواد قوانين الأحوال الشخصية ، والجنسية والعقوبات التي تحمل تمييزا ضد المرأة ،استندت إلى تفسيرات فقهية انتقائية أخذت من آراء الفقهاء كل ما هو مجحف بحق المرأة ، تاركة الكثير من الأمور الواضحة البينة لصالح المرأة ، والمتطابقة مع المقاصد العادلة للشريعة الإسلامية ، متناسية الظرف والسياق التاريخي لبعض الأحكام ، مرجحة الأحكام الخاصة على العامة ، مغلقة أي باب للاجتهاد والتفسير ، واضعة عقوبات تكفيرية لكل من تسول له نفسه التفكير في استنباط العدالة في كل حكم شرعي متعلق بالمرأة ، وقبعنا ، نحن نساء هذا الزمان ، تحت رحمة تفسيرات قالها بشر مثلنا قبل أكثر من ألف عام ، ولا يحق لنا أن نغيرها أو نحيد عنها قيد أنملة ، لا تستغربي ، ولا تدهشي ، فهذه هي الحقيقة .
اليوم ، هنالك أكثر من ثلاثمائة مادة في قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات ، تتعلق بالمرأة في القانون السوري ، وتتشابه مع مثيلاتها في الدول العربية ، وهي قوانين مجحفة بحق المرأة ، تتعلق بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، والمساواة في حقوق الزواج والطلاق والإرث ، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بحق المرأة في صحيفة مدنية مستقلة ، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها دون وصاية من أحد ، وآخر تعديل أجري على قانون الأحوال الشخصية السوري كان في العام 1975 ، تناول رفع سن حضانة الأم لابنها حتى سن 9 سنوات ولابنتها حتى سن 11 سنة ، كما وضع بعض العوائق الشكلية أمام زواج الصغيرة ، وتعدد الزوجات ، عوائق ليس لها مؤيدات جزائية ، فالمحاكم المختصة مجبرة على إقرار تسجيل أي زواج عرفي إذا ادعت المرأة أنها حامل ، وذلك ما يتم على أرض الواقع ، أي أن القانون لم يعدل عمليا سوى مادة واحدة تعديلا بسيطا لصالح المرأة منذ 28 عاما في سورية ، وربما نحصل بعد المطالبة المستمرة ، على تعديل بسيط بعد 30 عاما على آخر تعديل في أحسن الأحوال ، أما في مصر فتحصل النسوة على مكسب جديد كل خمسة أعوام ، وعلى هذه الوتيرة وبحسبة بسيطة ، يتطلب حصول المرأة على حقوقها القانونية ، إنسانا كامل الأهلية ، ومساواتها بالرجل ، حوالي ألف وخمسمائة سنة في مصر، وعلى أيامك ، كما آمل ، في سورية .
إن كل ما نطالب به اليوم قانون أسرة عصري ، يمنح المرأة كامل حقوقها ، قانون أسرة يمنح جميع أفرادها حقوقهم ، ولا يتضمن ذلك إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة فحسب ، بل إلغاء جميع أشكال التمييز ضد أي فرد من الأسرة ، بما يتضمن ذلك من حماية للأطفال من العنف والإهمال اللذان يمكن أن يقعا عليهم من الأم أو الأب ، وحماية الرجل أيضا من التمييز ضده في المصاريف الهائلة التي يتحمل عبأها وحده عند تأسيس الأسرة كالمهور الفاحشة وتأمين المسكن وتأثيثه ، حمايته من الظلم الذي يقع عليه في الكد وراء تأمين لقمة العيش لأسرته دون أن تكون زوجته ملزمة بإعانته حتى لو كانت امرأة عاملة .
إن ما يمنع تطبيق مثل هذا القانون هو فقط العقلية الذكورية البطريركية ، التي سبق أن قبلت بإلغاء الرق و بتغيير الحدود في القانون كحد السرقة و الزنا والقتل ، في حين تقوّم الدنيا ولا تقعدها إذا طالب أحدهم برفع سن حضانة المرأة لأطفالها سنة واحدة !
إن مطالبتنا بحقوق كاملة للمرأة ، تدخل في إطار حق كل مواطن في العيش بحرية وكرامة ، وضمان العدالة لكل إنسان بالدرجة الأولى ، ومن ثم تعزيز روح المواطنة عند كل مواطن ، ينتمي إلى جماعة تمنحه حقوقه ، فيمنحها قواه في الدفاع عن وجودها وبقائها ، وذلك أحوج ما نكون إليه في هذه الفترة التاريخية العصيبة من تاريخنا ، الذي تكالبت فيه علينا قوى تحاول سلبنا حقوقنا وأرضنا وثرواتنا وحريتنا .
حفيدتي الغالية :
إن ما يشد أزرنا ويعيننا في أوقاتنا العصيبة هذه ، فقط إيماننا المطلق ، بأنه سيجيء يوم تحصلين فيه أنت وإخواتك على ما حلمنا عمرنا كله بالحصول عليه .
دمشق 12/10/2003
ميّة الرحبي