رسالة مفتوحة من

سأبدأ من حيث أنهيت رسالتك إلينا بالطلب منا أن” نتمتع ” بالمنتجات الأمريكية ، ولا أدري ما الذي يمكن أن يعتبر متعة بنظرك ، ما دامت الأسلحة هي الصادرات الرئيسية التي تصدرها الشركات الأمريكية إلى بلادنا العربية ، ناهيك عن البضاعة الأخرى التي أوردت بنفسك أمثلة عليها ، وفي مقدمتها السكائر الأمريكية ، ومطاعم الأغذية السريعة ،والمشروبات الغازية وعلى رأسها الكوكا كولا ، ومن المعلوم مقدار الضرر الصحي الذي يمثله كل منها ، ولعل آلاف الأبحاث والمقالات التي صدرت في أمريكا نفسها هي التي نبهت العالم إلى أضرارها ، ولعلمك سيد ووكر هنالك حملات مقاطعة للسكائر ودعاوى مرفوعة على الشركات المصنعة لها من قبل مواطنين أمريكيين ، ويمكنني أن أرد لك النصيحة وأطلب منك أن تبحث تحت عنوان Boycott عن عشرات المواقع التي تدعو إلى مقاطعة السكائر الأمريكية ، كما يمكنك زيارة مواقع صحية لتطلع فيها على مئات المقالات التي تبين ضرر الأغذية السريعة ، والمشروبات الغازيةعلى الصحة ، ويمكنني هنا أن أحيلك إلى مقال يمكنك أن تقرأه على الانترنيت أيضا تدعو فيه ” إسرائيلية” : إلى مقاطعة مطاعم المكدونالدز ، وإلى نشر مطاعم الأغذية الشعبية ” هذا رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تجاهر بصداقتها لإسرائيل ، في حين تحتل أرضا عربية .

وقبل أن أتحدث عن نظرتنا نحن العرب إلى موضوع المقاطعة لا بد لي أن أنوه أنها ليست اختراعا عربيا محضا ، بل هو شكل من أشكال المقاومة ، وإعلان الاحتجاج تمارسه شعوب الأرض كافة منذ بدء التاريخ وحتى اليوم عندما تحس بأن جهة ما تحاول ظلمها أو الاعتداء عليها ، ولعل تجربة الشعب الهندي بقيادة غاندي ، الذي قاطع بريطانيا ومصالحها ومنتجاتها ، عندما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس خير مثال على ذلك ، يومها رفض الشعب الهندي حتى تذوق الملح الذي تكرره الشركات البريطانية ، ورفض لبس الملابس القطنية التي تصنعها بريطانيا ، باحتكارها القطن الخام الهندي ، ألم يتضرر الهنود من المقاطعة آنذاك ؟ لقد حرموا جزءا مهما من الطعام واللباس ومصدر العيش ، ولم يفكروا آنذاك بالخسائر التي ستنجم عن إثارة غضب الشركات البريطانية آنذاك ، لأنهم كانوا موقنين أن مصالح الإدارة الاستعمارية مرتبطة تماما بمصالح شركاتها .

إن الكلام الذي أوردته يا سيدي في مقالتك المنشورة لا يمكن أن يقرأ بين سطوره سوى أنك تنظر إلينا على أننا شعوب غبية لا تستقرأ دروس وعبر التاريخ ، فعلينا أن نقتنع معك أن الإدارة الأمريكية ، وقد فرضت اليوم نفسها كقوة احتلال بصورة صريحة فاضحة ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين ، متناسية أن استعمار دولة لأخرى شيء لا تقره لا الحضارة ولا شرعة حقوق الإنسان ولا كافة الشرائع الإنسانية الحضارية ، وعلينا أن نقتنع ـ نحن الشعوب الغبية ـ أنها قدمت إلى العراق مضحية بأرواح جنودها ، وبالمليارات من ميزانيتها ، جارة معداتها العسكرية عبر المحيطات لا لشيء إلا من أجل ديمقراطية تمنحها دون مقابل لشعوب المنطقة ، وبما أننا لسنا فقط سذج ، بل هبلا علينا أن لا نقرأ معنى منح أولى الصفقات المتعلقة بالنفط ، لشركة كان يديرها ديك تشيني ، دون مناقصة ، مما أثار حفيظة الشركات الأمريكية ، وشركات الدول الحليفة ، التي بدأت ترفع صوتها كي لا تستفرد أمريكا بالكعكة كاملة وتترك لها الفتات .

لسنا يا سيدي على درجة من الغباء ، كي نسترشد بالعناوين الالكترونية التي منحتنا إياها في مقالك ، فقد سبق وأرسلنا إليها آلاف رسائل الاحتجاج عندما اجتاحت قوات جيش الاحتلال الاسرائيلي أراضي الضفة الغربية ونفذت مجازرها ضد الشعب الفلسطيني ، محولة المنطقة إلى حمام دم ما زال مستمرا حتى اليوم ، ووجهنا رسائل احتجاجنا يوم غزت القوات الأمريكية أرض العراق ، وقتلت أبناء الشعب العراقي ـ وليس رموز نظامه المجرم ـ بل أطفاله ونسائه ورجاله ، واقتادتهم إلى معسكرات أسر جماعية ، بطريقة مذلة مهينة ، تشبه تلك التي يقتاد بها جنود الاحتلال الأسرى الفلسطينين ، أو بتلك الطريقة اللاإنسانية التي اقتاد بها الجنود الأمريكين أسرى غوانتانامو ، مقيدين مكبلين بعصابات على عيونهم ، بل وحتى كمامات على أفواههم !!!

هنا لابد لي ، ما دمت أتيت على ذكر أسرى غوانتانامو ، أن أبريء نفسي من تهمة الإرهاب التي بات يوصم بها كل من يتكلم عن الحقوق الإنسانية للشعوب المقهورة ، فأنا امرأة عربية أدعو إلى الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، وبخاصة حقوق المرأة ، أكره القمع والأنظمة القمعية ، وأقف ضد الأصولية المتطرفة ، وأدعو إلى عالم يسوده السلام والحق والعدالة . ولكنني أجد من واجبي هنا أن أوضح موقفي كي لا تتهمني كما اتهمني أحد مواطنيك عندما أخبرته أننا نقاطع البضائع والمصالح الأمريكية ، كرد على سياسة الإدارة الأمريكية في منطقتنا ، وكان يرتجف صارخا ” أنت تكرهوننا ، لقد رأيناكم ترقصون في الشوارع فرحا يوم 11 أيلول ” وعندما أخبرته بهدوء أنني لم أرقص فرحا بل تألمت أشد الألم لما حدث ، بقي يصرخ بشكل هستيري ، بل أنكم كنتم ترقصون فرحا ، لذا لم أفاجأ برد الجندي الأمريكي على الناشطة الأوربية التي كانت تصرخ في وجهه عودوا إلى بلادكم في أول ساعة من احتلال بغداد ، عندما قال لها ” لا تنسي 11 أيلول ” ، وأنا حقا لا أدري كيف أجري لهذا الجندي أو ذلك الشخص الذي ناقشته سابقا غسيل دماغ لربط كل مقاومة لمخططات أمريكا في المنطقة ب11 أيلول .

فحتى اليوم يا سيدي : هل ثبت وجود أسلحة دمار شامل في العراق ، هل ثبت تعاون العراق مع تنظيم القاعدة ، وغير ذلك من التهم التي سيقت قبل احتلال العراق ؟

ثم هل علي أن أذكرك أن أعضاء الكونغرس المريكي قاطعوا المطاعم الفرنسية والأجبان الفرنسية لمجرد أن فرنسا عارضت الولايات المتحدة في غزوها للعراق ، هل يمكنك إقناعي أن الجبنة الفرنسية لها علاقة مباشرة بشيراك ، أو أن مقاطعتها ستضعف الاقتصاد الفرنسي ؟

هل يمكنك أن تشرح لي لماذا قاطع بعض الأوربيين في ألمانيا وفرنسا السلع الأمريكية ؟ ، بل أن بعضهم كان أكثر تطرفا منا فكتب على واجهة مطعمه ” ممنوع دخول الأمريكيين ” وويل لأي عربي يتجرأ على فعل ذلك ، لاتهم مباشرة بأنه من تنظيم القاعدة .

أما ما تقوله من أن أصداء مقاطعتنا لن تصل إلى المواطن الأمريكي في أتلانتا أو هيوستن ، فنحن أصلا لا نوجه رسالتنا إليه لأنه بالأصل لا يهتم أو لا يدري بما يجري خارج حدود ولايته ، أو مدينته ، أو ربما حيه ، فرسالتنا موجهة تحديدا إلى الإدارة الأمريكية في واشنطن .

أما من حيث قولك أن الشركات الأمريكية صديقة للعرب ، فسأطلعك على بعض الملومات المتعلقة بالشركات الأمريكية الداعمة لإسرائيل ، التي تحتل أرضنا ، وترتكب المجازر اليومية بحق شعبنا في فلسطين ، وكل ذلك موثق لدينا :

شركة كوكا كولا : المكتب الرئيسي في أتلانتا يتبرع بانتظام للصندوق القومي اليهودي الذي يمول النشاط الاستيطاني .

جزء من أرباح شركة فيليب موريس المنتجة لأغلب السجائر الأمريكية تذهب أرباحها دوريا إلى إسرائيل .

ماكدونالدز : المكتب الرئيسي في شيكاغو يتبرع للفيدرالية اليهودية المتحدة التي تتبرع بدورها للصندوق القومي اليهودي .

بروكتر آند غامبل تتبرع دائما لدعم مؤسسات مختلفة في إسرائيل .

هذه أمثلة لبعض الشركات الشهيرة في الأسواق العربية ، فأين تلك التي تدعم الدول العربية ، وإذا كانت هناك شركة صديقة وتدعم العرب فلم لا تعلن عن نفسها ؟

ففي أيام نشاط مكتب المقاطعة في جامعة الدول العربية ، كان يحدث أحيانا أن يعلن المكتب مقاطعته لإحدى الشركات الداعمة لإسرائيل ، فتعترض الشركة وتقدم ما يثبت العكس فتلغى مقاطعتها عند ذاك ، حسنا ، هل يضير أي شركة أمريكية أن تعلن اليوم صداقتها للعرب وعداءها لأعدائهم ، أم أن شعوبنا أتفه من أن تستحق مثل هذه اللفتة .

إن كنت أختلف معك في الكثير من الأمور ، فلاشك أنني أتفق معك بأن لا سبيل للنهوض بشعوبنا إلا عن طريق الإصلاح والديمقراطية والتنمية الاقتصادية ، ولكن دعونا نناضل وحدنا من أجل هذه الأهداف ، لترفع الإدارة الأمريكية يدها عن منطقتنا ، فيكفي ما لا قيناه من ويلات دعمها للأنظمة القمعية في الوطن العربي ، ألم تدعم فيما مضى نظام صدام المجرم ذاته عندما كانت مصالحها متطابقة مع مصالحه ، متغاضية يومها عن نفس القمع والإجرام الذي مارسه بحق شعبه ، وحتى لو صدقنا بصدق نيتها في نشر الديمقراطية ، فلماذا أباحت تدمير تراث العراق الثقافي ونهب المستشفيات والجامعات أمام أنظار جنودها ، الذين لم يحركوا ساكنا في وجه أبشع جريمة حضارية ثقافية في العصر الحديث .

ألم تدعم الإدارة الأمريكية المحاربين المسلمين في أفغانستان فيما مضى عندما أرادتهم أن يقاتلوا السوفيات ، حتى غدوا قوة أصولية تستطيع تنفيذ عملياتها في العالم بأسره ؟ ألم تدعم الإدارة الأمريكية بقية الأنظمة العربية التي استهانت بحقوق الإنسان وبخاصة حقوق المرأة ، ولا زال في سجونها الآف معتقلي الرأي .

أليس من حقنا أن نقف سلميا ، في وجه قوة تريد نشر نظامها الجديد على العالم بأسره ، مثلنا مثل مناهضي العولمة في كل أنحاء الدنيا ، الذين يرون في هذا النظام مستقبلا اسود للبشرية جمعاء .

ارفعوا وصايتكم عنا ، فشعوبنا لم تنس بعد الانتداب الاستعماري الذي قدم إلى بلادنا بدعوى تطويرنا و تحديثنا ، ولم يقدم لنا سوى مزيدا من التفرقة و الفقر والتخلف والعذاب ، اتركوا لنا على الأقل حرية أن نقول كلمة لا ، وانتبهوا ، فالتاريخ لا يقف إلا مع الحق ، حق الشعوب الذي لن يموت ما دام وراءه مطالب ، مهما طال الزمن .

ناشطة في اللجنة الأهلية السورية للمقاطعة