يعرف الإعلان العالمي للقضاء على العنف المسلط على النساء ، المنبثق عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بموجب التوصية عدد 48/104 المؤرخة في 18 كانون الأول 1993 العنف ضد المرأة: على أنه أي عنف يقوم على أساس النوع أو الجنس وينتج عنه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.
العنف الأسري:
تبدأ ممارسة العنف على المرأة منذ لحظة ولادتها، ولعل الآية الكريمة” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” النحل 59، لخير تعبير على موقف الكثير من الأسر من ولادة الأنثى، اليوم بعد 1500 عام. وإن كان الوأد قد انتفى اليوم بالمعنى الحرفي، إلا أن وأدا جسديا ونفسيا واجتماعيا لازال يطبق على المرأة بالمعنى المجازي للكلمة، والذي يتخذ درجات متفاوتة من العنف ضد المرأة، وأستطيع الجزم أنه لا يوجد امرأة عربية نجت من العنف الأسري بدءا من النظرات المؤنبة المحذرة، مرورا بالتقريع والحرمان والضرب بحجة التربية، والتمييز الواضح بينها وبين أخوتها الذكور في المنزلة وفرص التعليم والترفيه وممارسة الهوايات والنشاطات الاجتماعية والحرية الفردية والعمل المنزلي والتصرف بمردود العمل، وانتهاء بأشكال العنف النادرة، لكن الموجودة، مثل الحبس والتقييد والكي، وانتهاء بالقتل باسم الشرف.
إن أكثر المظاهر تميزا ضد المرأة هي العادات والتقاليد التي تجعل من الأسرة أداة قمع للمرأة في كثير من الحالات ، بدل أن تكون حاضنة إنسانية دافئة ، وتتعرض الفتيات بالأخص إلى عنف مضاعف ، ناجم عن الاضطهاد الممارس على المرأة وعلى الطفل في مجتمعاتنا ، فبحجة التربية ، والحفاظ على الفضيلة ، يطبق على الفتيات عنف جسدي ونفسي ، يصعب تصديقه في بعض الحالات ، بدل اتباع أساليب التربية التي تتبع الموعظة والأسوة الحسنة والرفق والعطف ، ففي استبيان على عينة عشوائية( 1200 امرأة ) من نساء سورية تبين أن 31.1% من النساء تعرضن للعنف من قبل الأم في الطفولة ، وتستمر حالة التعرض للعنف من قبل الأب والأخ ، ومن ثم الزوج لتبلغ نسبة النساء اللاتي يضربن من قبل أزواجهن 38.3% ، ولا تختلف النسبة كثيرا للأسف بين الأميات وحاملات الشهادات العليا .
قليلا ما نسمع بحوادث العنف الجنسي ضد الأطفال , ولا أدري إن كان ذلك يعود إلى قلتها , أو لأن الأهل يحاولون التستر عليها خوف الفضيحة , وهو الأرجح . وفي استبيان قامت به لجنة نسائية مدنية على 1100 عينة عشوائية من نساء سورية أجابت 18,8 % من النساء بالإيجاب على سؤال تعرضهن للتحرش من قبل رجل ناضج في الطفولة ، و5,2% من النساء أنهن تعرضن للتحرش من قبل أحد المحارم . (دراسة اتجاه الرأي العام النسوي حول قضايا المرأة – دراسة ميدانية من واقع المجتمع السوري : دار الشموس ) .
عدا عن ذلك تتعرض المرأة وبخاصة الفتيات إلى عنف اجتماعي ناجم عن التمييز بينهن وبين الذكور واعتبارهن أقل منزلة منهم ، وليس غريبا مشهد البنت التي تعود من المدرسة مع أخيها الذكر لتبدأ بمساعدة الأم في العمل المنزلي في حين يقضي أخوها الوقت في اللهو واللعب ، ولتنسحب هذه الحالة إلى ما بعد الزواج حيث يعود الزوجان من نفس مكان العمل في بعض الأحيان ، لتبدأ المرأة بالعمل المنزلي الشاق في حين يتحول الرجل إلى سيد ينتظر منها خدمات لا بد أن تصل لعنده ، دون أي شعور منه بضرورة مساعدتها في أداء أعمالها المنزلية ، ولو من باب التعاطف الإنساني .
وتحرم الكثير من الفتيات من التعليم ويزوجن باكرا ، أو تعطى أفضلية فرص التعليم لأخوتهن من الذكور ، ويعود قرار الإستمرار في تعليمهن إلى رغبة ومزاج الأهل ، وينسحب ذلك على عملهن ، من ناحية الرغبة في العمل أو اختيار نوعه أو مكانه أو التصرف بمردوده .
هذا عدا عن النظرة الاجتماعية التي تلصق الصفات السلبية بالأنثى ، والإيجابية بالذكر ، وتلصق ذلك بالنوع الاجتماعي والفروق الفيزيولوجية بينهما ، ، فالأنثى هي الضعيفة المستكينة المراوغة المداورة …الخ ، والرجل هو الشجاع الكريم ، الشهم …الخ . علما بأن ذلك غير صحيح علميا ، فهذه الصفات لها علاقة بالإرث التاريخي ، لا بالفروق الفيزيزلوجية .
نظريا المرأة في القانون والشريعة مالكة لأموالها ، حرة التصرف بها ، لكن الواقع يظهر في كثير من الحالات ، عدم حريتها في ذلك ، وخضوعها للضغوط الممارسة عليها من قبل الأهل أو الزوج .
وكما ذكرنا تقوى الأعراف والتقاليد في كثير من الأحيان ، وبخاصة في الريف على القانون ، بل وحتى على الدين ، كما في حالات حرمان المرأة من نصيبها في الإرث ، أو تزويجها دون موافقتها .
وتحرم المرأة في كثير من الأحيان بقرار من الأهل أو الزوج ، من ممارسة النشاطات الاجتماعية أو الرياضية ، أو الاستمتاع بأي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو ترفيهي ، بل تحرم حتى من حق المساهمة في النشاطات الاجتماعية أو الخيرية المنظمة .
و ليس من المستغرب كل ما ذكرنا ، إذا كانت تحرم حتى من الخروج من المنزل ، في بعض الأحيان ، بقرار أسري ، وكأن الحياة بالنسبة للمرأة ليست سوى سجنا كبيرا .
وهذا غيض من فيض الضغوط الاجتماعية الممارسة على المرأة .
العنف الاجتماعي:
للعنف الاجتماعي أيضا أشكال ودرجات متفاوتة، فجذور العنف وشرعنته تمتد إلى عمق مجتمعاتنا العربية، ويتجذر مفهوم التمييز ضد المرأة في عمق وعينا الجمعي، حتى بات من الصعوبة بمكان وعي المرأة نفسها لنفسها إنسانا كامل الأهلية ومواطنا من حقه أن يكون مساويا للرجل في الحقوق والواجبات، فالشعور بالدونية متأصل في نفس المرأة، وبالمقابل شعور مبرر بالتفوق من قبل الرجل، وهذا ما يدعو الكثيرين لترداد مقولات مثل ” المرأة عدوة نفسها”، ” لايمكن للسفينة أن يقودها أكثر من ربان”، ” عاطفة المرأة تطغى على عقلها” وغير ذلك الكثير من المفاهيم، التي تحمل تمييزا على أساس النوع الاجتماعي، أي مفهوم الجندر الذي يعزو الفروق بين المرأة والرجل إلى الاختلافات البيولوجية بينهما، لا إلى أساليب التربية الاجتماعية والمعايير الثقافية السائدة، فالرقة والتقلب العاطفي وتغليب العاطفة على العقل، والمداورة، والضعف صفات أنثوية، مقابل الشجاعة والقوة والمروءة والبسالة، صفات ذكورية، تختصرها كلمة “رجولة” التي تعني بمفهوم مجتمعاتنا ملخص الصفات الإنسانية الايجابية.
تلعب العادات والتقاليد دورا هاما في تكريس العنف ضد المرأة، ويصعب تعداد تلك العادات ومدى القهر والعسف الذي ينال المرأة منها، وفي كثير من الأحيان تكون لهذه العادات والتقاليد، قوة تتجاوز فيها الدين والقانون معا، كتزويج الطفلة دون رضاها، وقبض مهرها، وحرمان المرأة من الإرث في الريف، وحؤمانها من الحق بالتصرف بأموالها.
ويدخل في هذا المجال أيضا العنف الممارس عليها بحرمانها من فرص التعليم، إذ تبلغ نسبة الأمية في سورية بين النساء 25.8% ، وترتفع في الريف إلى نسبة 34.8% ، مقابل 17.4% في المدن.
ورغم صدور قرار رفع سن التعليم الإلزامي حتى نهاية المرحلة الإعدادية ( الصف التاسع) إلا أن نسبة التسرب من صفوف التعليم الأساسي الإلزامي تبلغ 25-28% ، وتزداد نسبة التسرب اضطرادا حتى لا يتبقى سوى 6% ممن دخلن المدرسة الابتدائية، يتابعن دراستهن الجامعية.
وتبلغ نسبة البطالة بين النساء في سوق العمل ضعفين ونصف نسبتها عند الذكور، وتساهم المرأة مساهمة ضعيفة في سوق العمل، وينحصر عملها في المستويات الدنيا من سوق العمالة. وتعمل الكثير من النسوة لصالح الأسرة دون أجر وخاصة في الريف، وتعمل النساء بشكل أساسي في القطاعات التقليدية المتخلفة( الزراعة والخدمات)، ويقل تواجدها في القطاعات الحديثة المتقدمة ( الصناعة التجارة المصارف وغيرها ). كما أن نسبة صاحبات الأعمال من الإناث أقل بكثير من الذكور، وتنقص نسبة تواجد الإناث بارتفاع الأجرأو المكانة الوظيفية. هذا عدا عن الجهد الكبير الذي تبذله النساء في العمل المنزلي وتربية الأطفال دون أي مساعدة من الرجل أو أي فرد آخر من الأسرة في أغلب الأحيان، حتى ولو كانت امرأة عاملة.
العنف القانوني:
تعاني المرأة من وطأة العديد من القوانين المجحفة بحقها ، والتي تقونن العنف ضدها، وبخاصة قانون الأحوال الشخصية.
يقر دستور الجمهورية العربية السورية بمساواة المرأة مع الرجل أمام القانون في الحقوق والواجبات، إلا أن ذلك يتناقض تناقضا كليا مع الكثير من مواد قانون الأحوال الشخصية المتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية، وحقوق الزواج والطلاق والإرث، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل دون وصاية الزوج، وحقها في صحيفة مدنية مستقلة، ومنح جنسيتها لأولادها، ومع قوانين العقوبات المجحفة بحق المرأة، كالعقوبات المخففة ( العذر المحل) في جرائم الشرف وإسقاط العقوبة عن المغتصب في حال زواجه من المغتصبة ،أو تشريع اغتصاب الزوج لزوجته، وغيرها.
تصطدم المطالب بأي تغيير في قانون الأحوال الشخصية ، بحجة جاهزة ، هي أن هذا التغيير يتعارض مع الشريعة الإسلامية، رغم أن العديد من الدراسات الإسلامية في العصر الحديث أثبتت أن تغيير القانون بحيث ينتفي إجحافه بحق المرأة لا يمكن أن يتعارض
مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها العادلة.
لقد استقى القانون السوري للدولة السورية الحديثة معظم مواد القانون المدني وقانون العقوبات، من القوانين الغربية الحديثة، إذ ألغيت العبودية، كما استبدلت حدود القتل والسرقة والزنا في القانون السوري، بأحكام تتطابق مع العصر، وتختلف عن تلك الموجودة في الشريعة الإسلامية، دون اعتراض من أحد. في حين احتفظ القانون بمواد قانون الأحوال الشخصية التي كانت مطبقة في العهد العثماني دون تغيير يذكر. وقد خلق ذلك ارتباكا ومفارقات مضحكة مبكية في قوانيننا السورية، مثل أن شهادة المرأة في المعاملات المدنية تقبل كاملة، في حين لا تقبل إلا شهادة امرأتين كشهادة واحدة في بعض أمور الأحوال الشخصية، كما أن القاضية ولية من لا ولي لها، لكن لا يحق لها الولاية على نفسها أو الوصاية على أولادها. إن ما يمنع تعديل القانون، هو فقط العقلية الذكورية البطريركية، التي لازالت تسيطر على مجتمعاتنا في جميع مناحيها .
آفاق المستقبل :
يرتبط القضاء على العنف ضد المرأة، بنماء وتطور منظمات المجتمع المدني، فنشاط المنظمات النسائية التنموية، بمختلف أشكالها يسهم إلى حد كبير في التخفيف من ذلك الخلل الاجتماعي الخطير، ضمن عملية تشاركية ضاغطة مع مؤسسات الدولة، وأكبر دليل على ذلك نجاح الحركة المتنامية للمجتمع المدني في المغرب بالحصول عن طريق النضال الديمقراطي، على تغيير مهم لصالح المرأة في مدونة الأحوال الشخصية.
ولايقتصر الحد من العنف ضد المرأة على تعديل القوانين التي تحمل تمييزا ضدها، وتطبيق قانون أسرة بديل يحفظ حقوق جميع أفرادها، رغم كونه الحجر الأساس لحماية المرأة من العنف، بل يشمل نشر ثقافة بديلة، تعتمد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وتمكين المرأة، وتعليمها، وتوفير الخدمات الصحية لها، وتأمين جميع الظروف الملائمة لمشاركتها مشاركة حقيقية فاعلة في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومكافحة الاتجار بجسدها، مع إيلاء الطفلة والمرأة الريفية عناية خاصة.