بدءا لابد لي من أن أعرف ما أقصده بالطب والطب البديل : أقصد بالطب هو الطب المعترف به أكاديميا في جامعات العالم , والذي أنتمي إلى مدرسته والذي تطلق عليه أسماء : الطب الحديث , أو الطب الغربي , أو الطب الأكاديمي وسأقتصر في محاضرتي هذه على اسم الطب لتوصيفه , في حين أعني بالطب البديل جميع أنواع العلاجات الأخرى التي يمكن أن يلجأ إليها الإنسان في سبيل الشفاء والتخلص من الالآم مثل : طب الأعشاب , العلاج بالكي , طب المنعكسات , الصوم على الماء , العلاج بالإيحاء وغير ذلك من العلاجات التي لا تدخل في إطار الطب الأكاديمي .
إن ما دعاني إلى طرق هذا الموضوع كثرة الكلام وما تخصصه وسائل الإعلام العربية من ساعات طوال لمن هب ودب واعتبر نفسه دون أن ينتظر اعترافا من أحد مؤهلا كي يعطي نصائحه العلاجية , والمصيبة الكبرى أن مجرد تبني وسائل الإعلام و بخاصة شاشات الفضائيات لأحدهم تعطيه مصداقية ,ربما يفتقر إليها في الواقع .
قد تدعونا كثرة الصرعات الاستشفائية والعلاجية , والشطط غير المقبول في مهاجمة الطب , والدعوات المحمومة الهوجاء إلى نبذه واللجوء إلى أساليب الطب البديل وعدم وجود ضوابط للأسف في بلادنا لتنظيم هذه الموضوعات ، وتصديق الناس بشكل يدعو للاستغراب والعجب لكل من تنطع واعتبر نفسه قيما على صحة الآخرين وداعية إلى طريقة علاجية لا تستند إلى أي أساس علمي ، قد يدعونا ذلك كله إلى العودة إلى البديهيات وبخاصة أن تلك الصرعات الاستشفائية والعلاجية التي دخلت عالمنا العربي تحت راية الطب البديل قد غزت وسائل إعلامنا ، في حين أن مجتمعاتنا لازالت تعاني نقصا هائلا مرعبا في الاستفادة من الطب الأصيل ، إذ مازالت ملايين من شعبنا العربي تعاني من وطأة أمراض قضي عليها في بعض البلدان المتقدمة وذلك بسبب قصور حملات التلقيح ، ولازال الملايين من الناس يموتون بسبب نقص الإمكانات التشخيصية والعلاجية المتاحة لأسباب كثيرة , قد يأخذ منا تعدادها أبحاثا مطولة .
وعندما نعود إلى البديهيات ، فلعل من المجدي التذكير أن هذا العلم هو خلاصة تجربة بشرية امتدت قرونا . فقد بدأ هذا العلم يتكون في حضن الحضارة اليونانية ، لينتقل إلى العرب الذين طوروه وأضافوا إليه الكثير، ومن ثم إلى أوربا حيث استمر في التطور مع بداية عصر النهضة ، ليصل إلى شكله الحالي .
وقد تم هذا التطور بجهود آلاف بل ربما ملايين العلماء على مدى العصور الذين لم يأت علمهم من فراغ أو بالإستناد إلى غيبيات وتهويمات ، بل جاء نتيجة جهود لا تقدر من العمل السريري ، العياني المخبري ، نتيجة العمل الدؤوب في مراكز أبحاث ومخابر ومشاف ، قضى علماء لا يحصون أعمارهم داخلها ، حارمين أنفسهم من كل متع الحياة ومباهجها , ناذرين أنفسهم لخدمة الآخرين . إن الطب الحديث هو نتيجة ومحصلة لتضافر جهود العلماء من علوم شتى كالكيمياء والتشريح والفيزيولوجيا والباثولوجيا وعلم النسج ودراسة الأحياء الدقيقة وعلوم الحيوان والنبات والوراثة وغيرها كثير , وربما تأتي في نهاية القائمة مؤقتا علوم الهندسة الوراثية بكافة أفرعها والتي ستقدم الكثير في مجال خدمة الإنسانية .
هل ينبغي الآن أن نعدد ماقدمه الطب الحديث للبشرية ؟ أعتقد أننا و الآن تحديدا نحتاج ربما أن نذكر أنفسنا والآخرين قبل أن نسمح لأي كان أن يلغي هكذا وببساطة هذا الصرح الإنساني الكبير , دون عودة أو تحكيم للعقل والضمير .
حتى منتصف القرن الماضي تقريبا كانت بعض الأمراض الإنتانية قاتلة كالسل والتيفوئيد وذات الرئة والسعال الديكي وغيرها كثير ، وبفضل المضادات الحيوية والتلقيح أمكن القضاء على الكثير من الأمراض الإنتانية ومعالجتها والوقاية منها وأنقذت حياة مئات الملايين من البشر الذين كانوا يقضون بالجائحات ، أو بالإصابات الفردية ، بل إن الطب استطاع القضاء على الجدري والذي يحكي لنا التاريخ عن مآسي جماعية وفردية تسبب بها للملايين من البشر ، كما أن الطب الآن في طور استئصال فيروس شلل الأطفال من العالم ، ذلك الذي تسبب في وفيات أو تشوهات أطفال لازالوا الآن يعيشون بيننا ويعانون من عقابيل الإصابة به .
على صعيد الطب الباطني لانستطيع هنا أن نذكر سوى غيض من فيض لما حققه الطب في هذا المجال , فالقرحة التي كانت فيما مضى قاتلة باختلاطاتها باتت تعالج بحبوب يتناولها المرء بكل بساطة حتى تردد كطرفة أن أحد جراحي الهضمية اشتكى من أنه كاد ينسى كيفية إجراء جراحة لاستئصال قرحة هضمية مختلطة لقدم عهده بمثل هذه الجراحة ، التي لم تعد لازمة أصلا . استطاع الطب كذلك أن يطيل أعمار مرضى قصور القلب سنوات بمعالجتهم بالحمية الصحية والدواء ، وأنقذت جراحات القلب الحديثة وتوسيع الشرايين ملايين البشر من موت محقق . أما في مجال الغدد فلا أدل على مساهمة الطب الحديث من إنقاذه لحياة المصاب بفرط نشاط أو قصور الغدة الدرقية باستخدام أدوية بسيطة ، أنقذت المصابين من الموت الذي كان قدرهم قبل اكتشاف هذه الأدوية . والأمثلة كثيرة ، أمراض الضغط ، الربو ، السكري كانت أمراضا قاتلة ضمن فترات قصيرة ، فتمكن الطب الحديث بالعلاج الدوائي والغذائي أن يطيل عمر المصابين بها إلى فترة تقارب حياة الشخص السليم في كثير من الحالات .
هل أدل من نجاح الطب الحديث في غسيل وزرع الكليتين على إنقاذه في هذا المجال الآلاف المؤلفة من المرضى ؟ عدا عن تمكنه من الوقاية أو تأخير العجز في كثير من أمراض المفاصل وأمراض المناعة الذاتية والأمراض العصبية .
أنقذ الطب عيون ملايين البشر وحماهم من العجز المتمثل بالعمى والصمم والشلل وكثير من العاهات التي استطاع تلافيها أو معالجتها .
منح الطب حلم الإنجاب لملايين البشر الذين حرموا سعادة الحصول على طفل بسبب عائق مرضي ، أمكن علاجه ببساطة تارة ، و بضجة إعلامية كبيرة تارة أخرى , كما في ” طفل الأنبوب ” . وكذلك إمكانية تحديد النسل بوسائط سهلة متوافرة مما أعطى المجتمعات إمكانية حماية البشرية من مخاطر الانفجار السكاني ، الذي لازالت تعاني منه المجتمعات غير المتقدمة والتي تقع تحت وطأة الفيضان البشري مع نقص الموارد في نفس الوقت .
استطاع الطب الجراحي إنقاذ حياة مالا يحصى من البشر وحمايتهم من عاهات مستديمة أو حتى تصحيح تشوهات خلقية لديهم , معيدهم بذلك أفرادا فعالين في مجتمعاتهم .
هل من مجال هنا لذكر كل ما قدمه الطب للبشرية ؟
من ناحية أخرى استطاع الطب وبعد أبحاث مضنية معرفة العناصر التي تركب الجسم البشري ، كما استطاع معرفة قسم كبير من العمليات الحيوية التي تتم داخله , والمواد التي تدخل في هذه العمليات , وبالتالي استطاع الطب تحديد العناصر والمواد الغذائية التي يحتاجها الجسم لإتمام هذه العمليات التي تؤمن للجسم الطاقة اللازمة للقيام بوظائفه .
وبذلك تمكن الطب أن يحدد بدقة شديدة احتياجات الجسم من الغذاء ، والوصول إلى صيغة للغذاء المتوازن الذي يحتاجه الجسم البشري من بروتينات وسكريات ودهون وسوائل وفيتامينات ومعادن ليبقى بحالة الصحة ، كما أثبت الطب بالتجربة الحية وبما لا يدع مجالا للشك ، بأن أي نقص في هذه المواد يؤدي لاضطرابات صحية ، بل وصف بدقة الأمراض التي يسببها نقص أي من العناصر السابقة ، كأمراض سوء التغذية وأمراض نقص الفيتامينات التي لكل منها أعراضه الخاصة التي تدل عليه ، بحيث بات من المؤكد أن نقص أحد هذه العناصر الغذائية قد يؤدي حتى إلى الموت ، ولا أدل على ذلك حوادث الوفيات في الحروب والمجاعات بسبب سوء التغذية ، وإصابات البحارة في أوائل القرن الماضي بالأعراض الدالة على نقص أحد العناصر الغذائية والتي ساهمت في المعرفة الطبية وتأكيد نظرياتها .
هذا عدا عن إنجازات الطب الوقائي الذي بدأ يقدم وسائل وقاية الأفراد والمجتمعات من أخطار البيئة والتطور الصناعي . وأهم منجزات الطب الوقائي ، لاشك معرفة طرق العدوى للكثير من الأمراض ، وبالتالي الحد من انتشار الأمراض والأوبئة .
ولازال الطب يسير حثيثا في مجال تشخيص وعلاج الأمراض التي لم يجد لها علاجا حتى اليوم . ولازلنا نسمع كل يوم إنجازا طبيا جديدا و هاما يحمل في طياته أملا مشرقا ، وأخص بالذكر هنا أبحاث الهندسة الوراثية التي ستحدث ثورة حقيقية في عالم المعرفة بالجسد البشري ، وبالتالي إمكانيات لاحدود لها لعلاج الأمراض .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بإلحاح : ما الذي يدعو الناس إذا للجوء إلى الطب البديل ؟
السبب الأول طبعا هو عجز الطب عن شفاء بعض الأمراض المستعصية , بل حتى للأسف بعض الأمراض البسيطة كالزكام مثلا , الحساسية ، ومن ثم الربو ، السكري وغيرها شفاء تاما , وتخبطه في علاج الأمراض الخطيرة كالسرطان وأمراض المناعة الذاتية والأمراض الحموية وعلى رأسها الإيدز مثلا ’ كذلك عجز الطب عن تطوير الأدوية المضادة للجراثيم والحميات لقدرة هذه الأخيرة على تغيير صفاتها وبالتالي مقاومة الأدوية المركبة ضدها . ويعزى عجز الطب هذا بالدرجة الرئيسية برأيي لعدم وضع إمكانات مادية كبيرة في خدمة الطب , كتلك التي توضع في خدمة التسلح أو كل ما يؤذي البشرية , لأن المتحكم بالمتقدرات القوى السياسية العظمى , والتي نعرف أن صالح البشرية يأتي في آخر سلم أولوياتها ، والتي تضع السيطرة والتحكم بمصير البشرية و ضمان سيطرتها على العالم في أول هذا السلم , وليس من داع للقول ما هو معروف وجلي هنا ، أن ذلك يقود إلى الحروب والكوارث , لا إلى خير الإنسانية . كذلك نلاحظ انتقائية بالأبحاث الطبية نفسها ، إذ نلاحظ أن الدول المتقدمة تبذل الكثير لتطوير علاجات الأمراض التي تعطل القدرة الإنتاجية للسكان , لأن ذلك يؤثر على الاقتصاد , وذلك المهم , أما معاناة الفرد فذلك ما لا تضعه في حسبانها أبدا .. كما تلعب شركات الأدوية العملاقة دورا هاما في توجيه الأبحاث الطبية بما يلائم مصلحتها , أو يضرب منافساتها من الشركات الأخرى . ويقود ذلك بالتالي إلى إهمال تطوير علاجات الأمراض المستوطنة في دول الجنوب , أو الدول الفقيرة , مثال على ذلك : يعاني قسم لا يستهان به من سكان بلادنا من الزحار , وعلاجه الوحيد منذ أن تخرجت من كلية الطب حتى اليوم لم يتغير ولم يتطور , وهو علاج غير فعال تماما , سيء التحمل , وله أعراض جانبية غير محتملة في بعض الأحيان .. والأمثلة على ذلك كثيرة . كذلك كثرت في الآونة الأخيرة اتهامات سمعناها تتردد على ألسنة مجموعة من العلماء النزيهين , أصحاب الضمائر الحية , تتهم فيها القوى العظمى بتطوير فيروسات تبثها كأسلحة فتاكة , حتى أن كلاما كثيرا تردد عن أن الأيدز هو تطوير مخبري أمريكي لفيروسات كانت مستوطنة أجساد القرود فقط , فباتت تصيب الإنسان بأخطر داء عرفته البشرية في السنوات الأخيرة , وقد بلغ الأمر ببعض المفكرين والعلماء أن اتهموا القوى العظمى بالرغبة في إفراغ إفريقية الغربية من سكانها عام 2010 , لأسباب استعمارية ’ بعد أن بلغت نسبة الحاملين للمرض إلى 70% في بعض تلك البلدان .
هذا الجانب المحبط من الطب الحديث بات المسيطر في السنوات الأخيرة , بسبب سعي وسائل الإعلام إلى تضخيم السلبيات والحديث عنها بطريقة فضائحية , لإثارة ضجيج إعلامي ,مما جعل الناس وبخاصة أنصاف المثقفين يفقدون ثقتهم بالطب بطريقة غير موضوعية وغير عقلانية .
أما السبب الثاني ، فهو الجهل , فمن المعروف أنه لازال في بلادنا وبخاصة في الريف , وإن تراجعت لحسن الحظ في السنوات الأخيرة , ظاهرة اللجوء إلى الأطباء الشعبيين والمشعوذين , والنتيجة غالبا مؤسفة , والأذى واقع يبتدئ من الكي وينتهي بالموت في بعض الحالات . ولكن مقابل هذا التراجع في الأوساط الريفية لصالح الطب الحديث , نجد للأسف إقبالا في الأوساط المدينية على هذه الأنماط العلاجية والتي لابد من دراسة مستفيضة لأسبابها النفسية , ولكن نستطيع القول في هذه العجالة أن أهمها كما ذكرنا اليأس المرافق للأمراض المزمنة أو المستعصية , والثاني ربما تقليد الغرب في كل حسناته وسيئاته , ومن بينها موضة العلاج البديل , الذي بات شائعا هناك بسبب الترف .
هنالك سبب آخر لا يمكننا إغفاله هنا , وهو الوضع الاقتصادي للبشر , إذ يمكن لأي طبيب ممارس أن يلاحظ تقلص أعداد مرضاه ، في فترات الأزمات الاقتصادية , إذ يلجأ الناس عندها للوسائل البدائية المتوفرة بين أيديهم كالمغليات والنقوعات الرخيصة , عل وعسى .. ولا يلجأون إلى الطبيب إلا في حال استفحال الأمور , في حين يراجعنا المريض في حال تحسن الوضع الاقتصادي بمجرد شعوره بتوعك أو صداع خفيف , ولا ننس أن علاج طفل مصاب بالتهاب في لوزتيه ، يمكن أن يكلف الأهل اليوم حوالي 500 ليرة , أي عشر راتب الموظف وسطيا , فكيف إذا أصيب ثلاثة من أطفاله مثلا بذلك المرض الشائع دفعة واحدة ؟
لقد كنت في بداية عهدي بالممارسة الطبية محايدة في نظرتي إلى ممارسات الطب البديل , خاصة أننا نشأنا على كأس البابونج والزهورات أو النعناع ، التي كانت تسقينا إياها الأيدي الحنونة والمرتبطة في ذاكراتنا بأسمى عواطف الأمومة الصادقة ، وحتى اليوم لست ضد هذه المشروبات الشعبية التي لا تسبب أي أضرار مادامت تشرب يوميا من قبل أعداد لا يستهان بها من المرضى والأصحاء معا , و ما دام اســـتخدامها لم يثبت أي ضرر .
ولكن مع مرور السنوات , وبعد رؤية الأذى الذي رأيته محفورا على جلود , وتبينته في أجساد مئات المرضى الذين شاهدتهم في العيادة أو المشافي , والذي تراوح من الحروق العميقة النازة بتأثير الكي , وحتى مشارفة الموت , لم يعد الحياد موقفي أبدا , و سأذكر غيضا من فيض هذه الحوادث :
-تداول مرضى الربو في المشفى الذي كنت أعمل فيه في ألمانيا خبر وجود عقار سحري يجلب من كوريا لشفاء الربو, ودفع بعضهم فيه مئات الدولارات , لنكتشف بعد تحليله أنه يحتوي على الكورتيزون , وكان ذلك سبب الشفاء المؤقت عند المرضى .
-حضر مريض إلى مشفى كنت أعمل فيه بدمشق مصابا بإسهال شديد جدا كاد يودي بحياته , بعد تناوله لعشبة خاصة نصحه بها أحد جيرانه لعلاج الداء السكري الذي يعاني منه .
-أخبرتني إحدى مريضاتي التي كانت تعاني من آلام ظهرية مزمنة , أنها راجعت شخصا يتعاطى العلاج بالأعشاب وصف لها عقارا , سبب لها كما وصفت لي حالة من التخدير والنشوة تشابه تماما ما تحدثه المخدرات , ولحسن الحظ توقفت المريضة عن تعاطي العقار قبل أن يحدث لها كارثة من الاعتياد أو الإدمان , بعد أن شرحت لها خطورة تعاطي مثل هذا العــقار .
-أما أطرف حادثة , فقد راجعتني مريضة سكرية , كانت ترغب في إيقاف علاجها بالأنسولين والحمية السكرية , مع ما ينطوي ذلك من خطورة على حياتها , متبعة بذلك نصيحة خبيرة أعشاب . ولم تقتنع المريضة برأيي ، إلا بعد أن اكتشفت مصادفة أن خبيرة الأعشاب تلك هي إحدى مريضاتي , وأنني أعالجها هي نفسها بأدوية الطب الحديث الذي تهاجمه وتدعو إلى غيره .
هذا عدا عن الحالات التي يحدثني بها زملائي عن المرضى الذين يصلون إلى العيادات أو المشافي في الرمق الأخير بعد أن تناولوا عقاقير وصفها لهم أحد الأقارب أو الجيران أو المشعوذين . ويعلم الله كم عدد الحالات التي قضت قبل أن يصل المريض إلى الأطباء .
لقد بت أشعر أننا بسكوتنا نحن المعنيون بالوسط الطبي , وتسترنا على كل ما يحدث من فوضى في هذا المجال بأننا مذنبون بشكل أو بآخر , فالسكوت عن الخطأ كالاشتراك فيه تماما , والساكت عن الحق شيطان أخرس ، ولكن كان من الضروري قبل الوقوف ضد ظاهرة ما محاولة الاطلاع عليها قدر الإمكان ، لذا فقد راجعت بعض الكتب والمراجع المتعلقة بالطب البديل , فترجمت كتابا عن طب المنعكسات ، كما اطلعت على كتب متعددة خاصة باستخدام الأعشاب أو الغذاء أو الصوم في المعالجة . وفي الحقيقة كلما اطلعت اكثر زادت قناعتي أكثر أن كل هذه الاتجاهات العلاجية لا تمت للعلم والمنطق بصلة , وسأورد هنا بعض الأمثلة من كتب العلاج بالأعشاب _ وهو أكثر أنواع الطب البديل شيوعا كما هو معروف _ :
يورد الدكتور محمد بدر الدين الزيتوني في كتابه ” الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب “:
الأثر الطبي للبصل :
لمعالجة التهاب الرئة وانحباس البول والتهاب اللوزتين وبحة الصوت , ينقي الدم , ويصفي الرئتين ويوقف الرشح ويدمل الجروح ويشفي العلل اللمفاوية وينقي الكليتين من الرواسب ويطيل الشعر و ويصلح الجهاز الهضمي , ويعالج جميع أمراض الكبد والمرارة , ويخفف آلام اللمباجو لأسفل الظهر , وآلام الأطراف , ويسهل عملية الهضم , ويطرد الغازات من المعدة , ويعالج الإسهال باستعماله مع صفار البيض وحبوب الكراوية , يطرد الديدان المعوية , ويعالج الاسهال عند الأطفال ويساعد على إدرار البول , ويعالج البواسير , والربو والتهاب المفاصل واختلال توازن الغدد والتجلط وتصلب الشرايين والبروستات .
ولو صح هذا الكلام فعلا لما شكا أي منا من أي مرض خاصة أننا نتناول البصل يوميا تقريبا في طعامنا ، ليس ذلك فحسب ، ولكن لنقرأ ما ورد في كتاب ” العلاج بالأعشاب ” إعداد وترتيب محسن عقيل والذي اعتمد على الانطاكي وابن سينا كمرجعية , إذ يذكر في فوائد الحلبة :
لعلاج الصلابات والأورام , وأوجاع الصدر , الرياح والمغص , تخرج الأخلاط والكيموسات العفنة ، تسهل الولادة وتنقي الرحم , تصلح الشعر المتساقط , وتعالج السعفة , وتنقي الأوساخ وتحسن الألوان , وتمنع تولد القمل , قطرة عينية ضد الرمد والسلاق والحمرة , تحلل الطحال ؟ تفجر الدبيلات , وتصلح الكلى إصلاحا جيدا وتطلى على الأورام الحارة , للأورام والبثور و والقروح والحزاز , واورام العين , تصفي الصوت وتنقي الرئة , تلين الصدر والحلق , وتسكن السعال والربو , ضماد للطحال , وللمعدة , لورم الرحم , وقروح المعي , للزحير والمغص , تدر البول والطمث .
ولنسمع ما جاء في فوائد البابونج :
شفاء من الحميات , مدر للطمث والبول , مذهب للنفخ والقولنجات , لتكميد المثانة , إدرار البول , برء الجرب المنقرح , القلاع و مقوي الأعضاء العصبية , ومسكن للأوجاع , للأورام والبثور , للصداع , للرمد , يسهل النفث ’ يذهب اليرقان , يدر البول .
النعناع :
للأورام والبثور , الصداع , يمكن قذف الدم , يسكن ورم الثدي , يقوي المعدة , ويهضم , يمنع القيء والفواق , يقتل الديدان , منع الحبل , للجروح والدبيلات , تحليل الأورام , تسكين أوجاع الأذن , وجع الأضراس , البواسير , عسر الولادة , عضة الكلب , مقو للكبد الباردة والمعدة .
الثوم :
لنفخ البطن , للدود , عضة الكلب , السعال , القمل والصيبان , العين , البثور , أمراض جلدية , وجع السنان , إدرار البول , إدرار الطمث , وجع القولنج , إذا كان من رياح غليظة , وجع الأمعاء , قروح الرئة , الأخلاط , جيد للربو والسعال والطحال والخاصرة , ولتفجير الدبلة وعرق النسا , والدمامل والمفاصل والنقرس , وآلام الظهر والورك , والخراجات , وجمود الدم , والمعدة والقولنج .
وهكذا يجد المرء عند مطالعته كتب الأعشاب نفس الخصائص العلاجية تنطبق على عشرات المواد الغذائية والعشبية . وربما كان استخدام هذه المواد مبررا قبل مئات السنين بسبب بعض مواصفاتها ربما المضادة للالتهاب أو المسكنة أو المرممة , وحين لم يكن الطب قد بلغ ما بلغه اليوم من تطور في تشخيص الأمراض وتحديد الخصائص العلاجية لكل مادة مستخدمة في معالجاته بدقة شديدة . وأنا أتخيل أن استخدام هذه المواد في العلاج اليوم ، تشبه تماما استخدام الأدوية المتوفرة الآن بين أيدينا بعد مئات السنين , بعد أن يكون العلم قد تطور , كما آمل إلى مرحلة يمكنه بها إيجاد العلاج النوعي لكل آفة بدقه متناهية .
ولابد من الإشارة هنا أن الكثير من الأدوية الطبية , هي مشتقات أو مطورات لمواد موجودة في الطبيعة أصلا ولكن تم اكتشاف تركيبها وخصائصها العلاجية وتأثيراتها الجانبية بعد تطبيق آلاف التجارب المخبرية و السريرية والإحصائية , كما في البنسلين , والديجيتال وغيرها كثير , ولست ضد استخدام أي مادة طبيعية في العلاج فيما لو توافرت لها الدراسات التي توافرت للمواد التي نستعملها الآن في علاجنا ، ونحن نعرف بالضبط على أي مكان أو أي جزء من الخلية البشرية يحصل هذا التأثير الدوائي , وبالتالي كيف يمكننا استخدامه بأمان في العلاج .
لقد تنادى علماء كثر في العالم في الفترة الأخيرة للدعوة إلى المزيد من الحذر في مجال الطب البديل , فقد حذر أحد أهم الباحثين ، وهو د. ادوارد ايرنست , الأستاذ بجامعة ايكستر, مؤخرا في مقال هام في المجلة الطبية البريطانية أن العلاج بالأعشاب يمكن أن يسبب أضرارا أكثر من منافعه إذا لم يتم إجراء المزيد من الأبحاث حول آثار هذه الأعشاب .
وأضاف أنه بالرغم من أن سوق العلاج بالأعشاب يصل إلى أربعة مليارات دولار سنويا في الولايات المتحدة , فما زال هناك شك إزاء كيفية عمل هذه الأدوية وأسئلة حول مدى سلامة بعض منتجاتها .
وأوضح الباحث أنه مع وجود الكثير من أدوية الأعشاب لا نستطيع أن نفهم تماما كيف تعمل , ولا نعرف دائما أي مكون فيها فعال من منظور علم الصيدلة . هناك حاجة لا تقبل الشك لمعلومات موثوق بها بشأن العلاج بالأعشاب , كما أن هناك الكثير من الأعشاب التي تباع على أنها مقويات غذائية لكنها لا تخضع لمعيار السلامة والجودة . هذا مع ملاحظة أن القيود على الطب البديل في الغرب هي أضعاف أضعاف ما هو موجود لدينا , حيث نستطيع القول أن لا قيود لدينا على الإطلاق .
إذا ما هو المطلوب في هذا المجال :
بالاعتماد على كل ما سبق أرى أن من الأهمية بمكان وضع نقاط أساسية للتعامل مع هذا الموضوع مستقبلا وهي :
1- تطوير البحث العلمي : وذلك بإجراء الدراسات المخبرية والسريرية والإحصائية لتعميم استخدام المفيد من كل الأساليب العلاجية في الطب البديل والتي من الممكن أن تثبت فائدتها , ومنع استخدام الأساليب والوسائل التي يثبت ضررها .
2-التوعية الصحية : عن طريق المحاضرات والندوات ووسائل الإعلام بخطورة التجاوزات التي يمكن أن تحصل من قبل بعض المشعوذين أو المدعين الذين لا يتورعون عن معالجة البشر بشكل غير مسؤول , بل حتى بطرق غير إنسانية في بعض الحالات . فمن الأجدى أن تخصص وسائل الإعلام وقتها وجهدها لبرامج التوعية الصحية , كالتعريف بالمبادئ الصحية العامة وطرق الوقاية من الأمراض , وتشجيع حملات التلقيح وغير ذلك كثير مما يحتاج المواطن العربي لمعرفته كي يحمي نفسه وأولاده من أخطار متربصة بهم بسبب الجهل , بدل زرع البلبلة في ذهن المواطن العادي , الذي لو تترشح لديه بعد القواعد الصحية الأساسية , حتى نأتيه بما يناقضها أو يلغيها .
3-السعي إلى تحديث القوانين الصحية لضبط جميع ممارسات الطب البديل من قبل وزارة الصحة , كما في جميع البلدان المتطورة , بحيث يكون أي ممارس للطب البديل مسجل في وزارة الصحة وحاصل على شهادة تؤهله لممارسة عمله , ومسؤول بالتالي عن صحة وأرواح الذين يعالجهم , ومنح وزارة الصحة صلاحية معاقبة أو منع كل التجاوزات .
ولابد من الإشارة هنا أن استحداث نظام التأمين الصحي , الذي هو هدفنا وطموحنا سيساهم مساهمة فعالة في إتاحة الفرصة لكافة أفراد المجتمع لتلقي العلاج بإشراف الدولة , بحيث يمكن حصر التجاوزات الطبية ورفع مستوى المواطنين الصحي .
4- تسخير قوى المجتمع كافة بتشجيع هيئات ومؤسسات المجتمع المدني والتعاون مع الهيئات العالمية للمساهمة في رفع المستوى الصحي لشعوب العالم الثالث حيث تنتشر المجاعات سواء بسبب الطبيعة أو الحروب أو السياسات الاقتصادية الجائرة في ظل النظام العالمي الجديد , وحيث يموت ملايين الأطفال بسبب سوء التغذية أو الحرمان من فرص التلقيح والوقاية من أمراض الطفولة القاتلة أو المعيقة ، وحيث تتعرض شعوب كاملة للإفناء دون رحمة .
أملي كبير أن تتنادى وتتداعى جهود المهتمين والمعنيين وذوي الضمائر الحية لرفع السوية الصحية للبشرية جمعاء , بالاستناد إلى ما توصل إليه العقل البشري من تطور في مجال الطب ، كي لا ندع البشر تحت ضغط البؤس والعوز واليأس والجهل يلجأون إلى أي وسيلة يعتقدون أنها من الممكن أن تخفف من معاناتهم وبؤسهم ، سواء كانت صحيحة أم خاطئة .