لمحة جغرافية تاريخية:
الدول العربية هي الدول التي تشمل شرق البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الخليج العربي وحوض نهر النيل وشمال أفريقيا، وتشترك هذه الدول في عدة خصائص وميزات تجعل من المنطقي، في الدراسات الأكاديمية اجمالها تحت بند عريض باسم الدول العربية أو المنطقة العربية، ويمكن تلخيص هذه الخصائص المشتركة بالنقاط التالية:
أغلبية سكانها هم من العرب مع وجود بعض الأقليات العرقية الأخرى كالأكراد والأمازيغ وغيرهم.
يتكلم أغلب سكان هذه الدول اللغة العربية، وهي اللغة الرسمية في جميع هذه الدول، مع وجود لغات أخرى غير رسمية كالكردية والأمازيغية وغيرها.
يدين معظم سكان هذه الدول بالإسلام، مع وجود ديانات أخرى كالمسيحية وغيرها.
مر على هذه البلدان تاريخ مشترك، فقد كانت مركز الحضارة الإسلامية، وبسبب موقعها الاستراتيجي فقد كانت دائما مطمعا للقوى الاستعمارية العظمى في العصور الوسطى والحديثة، وقد خضعت جميعها للاستعمار العثماني طيلة أربعة قرون، حتى بدايات القرن العشرين،وقد زادت أهميتها إثر اكتشاف منابع النفط فيها مما جعلها مطمعا للاستعمار الحديث، فقد خضعت في النصف الأول من القرن العشرين لاستعمار الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، فقسمت إلى مستعمرات بين فرنسا وانكلترا، وتزامن ذلك مع الفترة التي سميت النهضة العربية، ومع حركات التحرر الوطني، التي قادت إلى استقلال أغلب تلك الدول في منتصف القرن العشرين، وحكمها فيما بعد من قبل أنظمة وطنية، ملكية أو جمهورية، اشتركت جميعها بصفة الاستبداد.
قاد مجموعة من المفكرين العرب، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حركة فكرية نهضوية سميت بحركة النهضة العربية، دعوا فيها إلى ضرورة انتشال دول المنطقة من التخلف الذي تعيشه، والذي زرعه الاستعمار، طيلة قرون عدة سيطر فيها على المنطقة، ومن بين الأفكار التي دعوا إليها، ضرورة تحرير المرأة من الأوضاع المزرية التي كانت تعيشها، وضرورة إعادة الاعتبار لإنسانيتها، التي انتهكت على مدى قرون.
عطل مسيرة النهضة العربية، الأنظمة الاستبدادية التي سيطرت على الدول العربية، والتي كانت على ارتباط مباشر بالدول الاستعمارية الكبرى، التي كما وصف أحد أكبر المفكرين العرب، لم تغادر عمليا مستعمراتها العربية، بل بقيت تستعمرها عن طريق هذه الأنظمة بشكل غير مباشر.
تنضوي جميع هذه الدول العربية في منظمة تسمى جامعة الدول العربية.
إن كل هذه العناصر المشتركة، جعلت آمال الكثير من النهضويين العرب تنصب على أن الطريق الوحيد لخروجنا من حلقة التخلف المفرغة، هي تجاوز واقع التجزئة، والنضال من أجل مشروع وحدوي نهضوي يجمع الدول العربية، ويمكن أن يجعلها قوة تستطيع مجابهة محاولات السيطرة عليها وإبقائها في واقعها المتخلف.
تشكل القضية الفلسطينية إحدى أهم التحديات التي تعيشها المنطقة العربية، والتي وقفت عائقا أمام التطور السلمي الطبيعي لمجتمعاتنا، من جهة إنشغالها بالحروب المتعاقبة، أو تخصيص جزء كبير من ميزانياتها للجيش بدل توظيفها في القطاعات التنموية. تتأسس القضية الفلسطينية على قاعدة حق الفلسطينين في العودة إلى أراضيهم التي هجروا منها،، في حرب 1948، التي قامت بين العرب والصهاينة في فلسطين، والتي طرد على أثرها الفلسطينيون من وطنهم، وصودرت ممتلكاتهم، وشردوا في بقاع الأرض كافة، وبالأخص في الدول العربية المجاورة، وأعطيت ممتلكاتهم للمهاجرين اليهود الذين قدموا إلى فلسطين في بدايات القرن العشرين، بمباركة الاستعمار البريطاني الذي كان يحتل فلسطين آنذاك، والذي شجع الصهاينة على إعلان قيام دولة ” إسرائيل” التي لم يكن لها وجود في المنطقة أصلا.
لقد استنزفت الحروب التي تلت ذلك بين العرب ودولة الكيان الصهيوني، الكثير من مقدرات وامكانات شعوب المنطقة، واحتلت ” إسرائيل” أراض أخرى من دول عربية مجاورة، بدعم من حليفتها الأساسية الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول العظمى، ولا زال الصراع العربي قائما في المنطقة، ولن يهدأ ذلك الصراع إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية، وعودة الحقوق لأصحابها.
رغم كل هذه الظروف الصعبة التي عاشتها شعوبنا في العصر الحديث، فقد خطت المرأة منذ عصر النهضة العربية، بجهود الكثير من الرجال المتنورين والنساء الرائدات، منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم خطوات هامة باتجاه تحررها، منتقلة بذلك من عصر الحريم الذي كان يعتبرها شيئا من ممتلكات الرجل، إلى العصر الحديث الذي بدأ يقر بإنسانيتها، ووجوب اعتبارها مواطنا كامل الحقوق والواجبات، وفردا فعالا من أفراد المجتمع، إلا أن ذلك لا يلغي أن المجتمعات العربية لا تزال مجتمعات تمييزة ضد المرأة بامتياز، ويتجلى ذلك واضحا في جميع مناحي الحياة، ويتطلب جهدا دؤوبا من المرأة ومناصريها للنهوض بواقعها، والوصول بها إلى المكانة التي تليق بها، إنسانا كامل المؤهلات، ومواطنا كامل الحقوق والواجبات .
تتشابه أوضاع المرأة في جميع الدول العربية، مع وجود تباينات طفيفة بين دولة وأخرى، مما يجعل دراستها مجملة ممكنة، بل مفيدة، مع التركيز على المكاسب التي حصلت عليها المرأة في بعض الدول، وأسباب ذلك، تمهيدا للاستفادة من تلك التجارب وتعميمها على الدول العربية الأخرى. يختلف واقع المرأة في الدول العربية في بعض الأمور، ويتفق في الكثير منها، فالمرأة العربية تخضع في أغلب البلدان العربية لقوانين مجحفة بحقها، وعلى الأخص قانون الأحوال الشخصية، الذي يحكم تفاصيل حياتها، مع اختلافات بسيطة بين بلد وآخر، ففي حين تم منذ سنوات تطوير بعض مواد قانون الأحوال الشخصية التونسي لصالح المرأة، بقيت المرأة في بعض الدول العربية كالكويت والسعودية مثلا محرومة من حق الترشيح والانتخاب، بل حتى من حق قيادة سيارتها الخاصة.
وتتراوح مشاركات المرأة في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية من بلد لآخر، إلا أنها تتقارب في النسب العامة، وقد حفلت السنة الماضية بإصلاحات طالت أوضاع المرأة بشكل لم يسبق له نظير تحت تأثير ضغوط داخلية وخارجية.
لايمكن فصل نضال المرأة العربية من أجل نيل حقوقها، عن الظروف السياسية، التي تقع الدول العربية تحت تأثيرها، والتي تعتبر من اهم التحديات التي تواجه حركة تحرر المرأة في هذه الدول.
التحديات السياسية:
العيش تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية:
لقد أحكمت الأنظمة الشمولية المستبدة قبضتها على شعوب المنطقة، و ” التهمت” المجتمع بما فيه، و نصبت نفسها وصية على المجتمع وصادرت دوره، وغيبته عن الفعل السياسي تماما، بل إنها صادرت الأحزاب والنقابات التي كانت قد بدأت تأخذ دورا حقيقيا رياديا فاعلا، في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار، والاستقلال فيما بعد، ولا زالت في ذاكرة شعوبنا العربية ومضات ذهبية من عمر الزمن، عاشت فيها مجتمعاتنا العربية مرحلة ديمقراطية جنينية، لم تلبث أن أجهضت بعد تسلم الأنظمة الاستبدادية الشمولية السلطة في الوطن العربي بانقلابات عسكرية، أو قبضات حديدية خنقت بها الشعوب وصادرت الحريات، ودخلت بعدها الشعوب العربية في مرحلة سبات العاجز، الذي وجد في النوم هروبا من واقع مر من العسف والقهر والاضطهاد.
في ظل تلك الأنظمة تحولت الأحزاب إلى توابع للسلطة، منضوية تحت ردائها في جبهات وهمية واهية، أو ممثلة ببضع نواب في برلمانات شكلية، أما الأحزاب التي عارضت فقد لوحق أفرادها وتعرضوا للقمع والسجن والتعذيب والاضطهاد، حتى انتهى وجود تلك الأحزاب فعليا على أرض الواقع.
كما تحولت النقابات، والمنظمات الشعبية، ومن بينها المنظمات النسائية، إلى منظمات شبه حكومية نفعية مترهلة، لا تخدم مصالح الفئات التي تمثلها، بل تعمل فقط كبوق للسلطة مصفقة مهللة لكل أفعالها، وبؤرة لتجمع الطفيليين الذين لاهم لهم إلا إظهار ولائهم للسلطة والانتفاع من هذا الولاء.
وحصر عمل الجمعيات في الجمعيات الخيرية، وضيق على نشاطها، واشترط فيها أيضا الولاء، والابتعاد عن أي تنظيم مجتمعي فاعل، وحصر منح التراخيص لأي جمعية جديدة بيد الجهات الادارية، التي تحيل الموافقة إلى الأجهزة الأمنية المتحكمة بكل مفاصل المجتمع، وبذلك حظر عمل الجمعيات التنموية التي يمكن أن تسهم في تطوير المجتمع وتقدمه.
لعبت السلطات الحاكمة كذلك دورا في شيوع مقولة أن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني ” دخيلان ” على مجتمعاتنا، ولا تناسبان شعوبنا وآليات تفكيرها، لطول الفترة التي عاملت فيها تلك السلطات شعوبها كقطعان صماء بكماء، معتبرة عقولها ليست بمستوى عقول البشر في كل العالم، وليس من حقها الاستفادة من خبرات وتطور الحضارة الانسانية، والتي كانت الديمقراطية والمجتمع المدني من نتائجها، فمن حق شعوبنا أن تستفيد من نتاج الحضارة التي ساهمت هي نفسها في صنعها في فترة ما من التاريخ. وقد لعبت أقلام بعض المستشرقين دورا في ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ، في حين تكفي نظرة متأنية لتاريخنا الحديث، لتظهر أن مؤسسات المجتمع المدني كانت موجودة في بلادنا في النصف الأول من القرن الماضي، فقد ساهمت الأحزاب الوطنية والتجمعات العمالية والطلابية، والجمعيات النسائية في النضال ضد المستعمر وصولا بالبلاد إلى الاستقلال، ومن ثم في بناء الدولة الوطنية، قبل ان تحكم الأنظمة الشمولية قبضتها عل الشعوب.
من ناحية أخرى أدت أجواء الرعب والخوف التي هيمنت على المواطنين إلى تحجيم العقل العربي , وسيطر الخوف والذل على العباد ويأس البشر من الحل مما قادهم إلى حالة من الاستسلام والإحباط . في هذه الحالة يلجأ العقل الإنساني لأسلوب دفاعي قوامه إعارة العقل للمستبد، وتركه يتحكم بمصائر البشر، ويفكر عوضا عنه، خاصة في حالات الكوارث الكبرى، ” فمن قادنا إلى ذلك الجحيم، ليتفضل ويخرجنا منه “. وغابت مفاهيم الحرية والحق والعدالة, وأصبحت غائمة مغيبة خلف مفاهيم الظلم والفساد والمحسوبيات والانتهازية وبيع الضمائر وسيطرة القوي على الضعيف، ونتيجة حظر الاجتماعات والتجمعات، غاب مفهوم العمل المجتمعي، والعمل التطوعي، وبسبب حاجة كل إنسان إلى الانتماء، تعمقت الاختلافات الطائفية العشائرية، الاثنية، بديلا عن التجمعات المدنية التي تميز المجتمعات الحديثة.
في ظل هذه الظروف تعطل عمل حركات تحرر المرأة، ففي سورية مثلا حظر إنشاء إي مؤسسة مدنية منذ عام 1963، ولا يسمح لأي مؤسسة مدنية أن تمارس نشاطها دون الحصول على موافقة السلطات، التي لاتعطي هذا الترخيص حتى في فترات الانفراج السياسي المحدود إلا للجمعيات الخيرية أو الدينية،التي تضمن ولاءها، وعدم معارضتها للسياسات القائمة، حتى ولو كانت مجحفة، وحصر النشاط النسائي في منظمة الاتحاد النسائي، التي أنشأتها السلطة الحاكمة كمنظمة شعبية، والذي كان يفترض فيه نظريا الدفاع عن حقوق النساء والضغط على الحكومات من أجل تأمين مصالحهن، وتعديل الأنظمة والقوانين لصالحهن، إلا أن تطلعات وأهداف وقررات الاتحاد النسائي منذ إنشائه عام 1967 وحتى اليوم، كانت متطابقة مع القرار السياسي، ولم تشكل يوما ضغطا على الحكومات المتتالية باتجاه سن القوانين أو إصدار القرارات التي تخدم مصلحة المرأة، وفي نفس الوقت صادر الاتحاد النسائي دور الجمعيات النسائية واستقلاليتها في العمل لصالح المرأة .
ومثال على ذلك لم يمنح في سورية في السنوات الأخيرة الترخيص لأي جمعية تعنى بحقوق المرأة، باستثناء ترخيصين أعطيا لجمعيتين، عن طريق علاقات شخصية، مع وجود جمعية ثالثة تحت غطاء احد الأحزاب الشكلية الموجودة في الجبهة الحاكمة، وحتى تقرير الظل الذي قدم إلى الأمم المتحدة بعد مرور سنة على توقيع سورية اتفاقية السيداو، قدمته هذه الجمعيات بمباركة السلطات.
المرأة في موقع القرار السياسي: :
يتشابه واقع المرأة في مركز القرار في جميع الدول العربية ، مع ملاحظة عدم تواجدها نهائيا في بعض الدول التي لم تمنح رعاياها النساء حتى اليوم حق الترشيح والانتخاب كالسعودية وبعض دول الخليج. أما في بقية الدول فيمكن أخذ سورية مثالا على واقع المرأة فيها.
كانت سورية من أوائل البلدان التي منحت المرأة حق الانتخاب عام 1949، وقد تمثلت المرأة للمرة الأولى في مجلس الأمة بنائبتين عام 1960،ويوجد اليوم 20 نائبة في مجلس الشعب أي بنسبة 12% من النواب، إلا أن الاتخابات تتم أصلا بناء على قوائم تحظى مسبقا بموفقة الأجهزة الأمنية، وأعضاؤها هم إما من الحزب الحاكم،أو الأحزاب المنضوية تحت لوائه، أو من المستقلين الموالين، ومن أصل 30 نائبة في البرلمان هنالك 27من الحزب الحاكم. من ناحية أخرى لم تستطع أي من النساء العضوات في مجلس الشعب أن تثير أو تطالب أو تنجح في إقرارأي تغيير في الأنظمة أو القوانين أو الأوضاع السائدة لصالح المرأة.
أما في السلطة التنفيذية، فقد درجت العادة في سورية أن تحتوي أي من الحكومات المتعاقبة على وزيرتين، لمجرد تزيين قالب الحلوى، يشترط فيهن الولاء لا الكفاءة، ولم تتسلم أي امرأة حتى اليوم وزارة سيادية في أي دولة عربية.
أما في مجالس الإدارة المحلية، فهنالك ما يدعو للدهشة فعلا وهي أن نسبة وجود المرأة في تلك المجالس ثابتة على 3% في المجالس المتعاقبة جميعها مما يدل على أن النسبة محددة سلفا، ولا تدل على مشاركة حقيقية للمرأة .
من ناحية أخرى أثبتت المرأة جدارة في الحقل الديبلوماسي حيث تبلغ نسبة العاملات فيه 11% من مجموع العاملين وهنالك ثلاث سفيرات سوريات حاليا في روما وباريس وأثينا، وناطقة باسم وزارة الخارجية السورية .
محاولات السيطرة الخارجية:
كما ذكرنا لم تتخل القوى الاستعمارية الكبرى عن محاولاتها الدائمة بالسيطرة على المنطقة، نظرا لأهميتها الاستراتيجية، واحتوائها على أكبر مخزون من احتياطي النفط في العالم، فبعد مرحلة الاستعمار التقليدي، أتت مرحلة السيطرة من خلال الأنظمة الاستبدادية المرتبطة بالقوى العظمى، والتي ساهمت تلك القوى في استمراريتها وبقاءهان ولم تقف أبدا في وجه قمعها لشعوبها ، ما دامت تؤمن لها دوام السيطرة على مقدرات المور في المنطقة العربية، إلى أن سارت الأمور عكس ما كان مخططا لها، إذ أدى القمع وانعدام الحرية الذي مارسته تلك النظمة على شعوبها إلى توليد ظاهرة افرهاب ، التي لم تكن الدول العظمى منزعجة منها طوال الفترة التي كانت تمارس فيها إرهابها على مجتمعاتها فقط (مصر، الجزائر)، طوال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بل أنها دعمتها في بعض الدول( دعمت أمريكا حركة طالبان وابن لادن في أفغانستان، عندما كانا يحاربان الاتحاد السوفياتي) لكنها شنت حربها الكبرى على الإرهاب عندما طالها في عقر دارها، وخاصة بعد حادثة 11 أيلول.
وتحت ادعاءات وجود أسلحة دمار شامل في العراق، شنت الإدارة الأمريكية حربها على العراق واحتلته، بناء على سياسة نشر الديمقراطية بالقوة ، كما صرحت السيدة رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، مرارا.
لاشك أن شعوبنا تتوق إلى الديمقراطية، لكن أي تغيير يأتي بالقوة من الخارج، ولا ينبع من عمق المجتمعات نفسها، لا يمكن أن يحظى بقبول الشعوب.
لقد اتبعت الإدارة الأمريكية مبدأ الاحتلال العسكري باحتلالها العراق، مدعية أن هدفها من صرف مليارات الدولارات، ونقل مئات الألوف من جنودها عبر البحار، والمجازفة بأرواحهم ، هدفه فقط نشر الديمقراطية فيه، وكانت النتيجة على الأرض، مقتل عشرات الألوف من المدنيين العراقيين، وتشجيع ظاهرة الإرهاب ، وتحول العراق إلى ساحة معركة بين القوى المحتلة والقوى الإرهابية، ضاعت فيما بينها الحدود بين حقوق الشعوب في الحرية والاستقلال والمقاومة. وحتى الانتخابات التي أجريت في العراق ، لم تقم على أساس الانتماء الوطني إلى العراق كدولة حرة مستقلة، بل على أساس الانتماءات العرقية والطائفية ، مما أعاد المجتمع إلى مرحلة انتماءات ما قبل الدولة، وعمق الانقسامات العرقية والطائفية.
تعيش المرأة العراقية اليوم بتأثير الاحتلال، ونمو الحركات المتطرفة، حالة مرعبة من عدم الاستقرار والرعب، فحياتها وحياة أحبتها مهددة دائما، كما ازدادت حوادث القتل والاختطاف والاغتصاب التي تتعرض لها النساء في العراق، ولم تعد تأمن المرأة على نفسها بالخروج وحيدة والتجول بحرية ، والذهاب إلى المدرسة أو العمل ، دون ان تكون معرضة لشتى الأخطار، كما أنها اليوم مهددة، بحكم اعتماد مبدا الطائفية والعرقية في تقسيم المجتمع، أن يطبق عليها قانون أحوال شخصي ، يعتمد المذاهب الدينية كاساس لحكم حياتها، لا قانون عصري حديث يضمن حقوقها.
كما أطلقت الإدارة الأمريكية ” مشروع الشرق الأوسط الكبير” ، الذي ادعت فيه رغبتها في إصلاح أوضاع شعوب المنطقة، ورغم أنه اعتمد على ثالوث المعرفة، والحرية وتمكين المرأة كشعار، إلا أن قراءة متعمقة للمشروع، تظهر بشكل جلي وواضح، أن الهدف منه هو التغيير، وليس الإصلاح، بما يتناسب مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها، إذ يرتكز المشروع اساسا على محو هوية شعوب المنطقة، وإدماجها ضمن كيان هجين، بما يخدم مصلحة واضعيه.
لاترى شعوب المنطقة العربية خلاصها عن طريق الاحتلال العسكري أو مشروع الشرق الوسط الكبير لأسباب متعددة:
لاتثق شعوب المنطقة العربية بالولايات المتحدة الأمريكية، بسبب انحيازها الواضح نحو ” إسرائيل” في الصراع العربي الإسرائيلي.
لاتصدق شعوب المننطقة أن الغرض من احتلال العراق هو نشر الديمقراطية في المنطقة، بل السيطرة عليها وعلى ثرواتها وبخاصة منابع النفط.
التجربة الأمريكية في العراق لم تؤد إلا إلى تقسيم العراق وتفتيته، وعزله عن بقية الدول العربية.
الديمقراطية لا تفرض بالقوة مثلها مثل أي نظام سياسي آخر، بل لابد أن تأتي ثمرة نضال وقناعة الشعوب من داخلها، حتى ولو تاخر ذلك.
لقد استغربت السيدة هيوز، مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية، عند لقاءها بعض النساء والطالبات السعوديات، الآراء التي طرحنها، فقد دافعن عن المجتمع السعودي ، وأكدن لها رضاهن التام عن أوضاعهن، وانتقدن نظرة الإدارة الأمريكية للمرأة السعودية، وباعتقادي فإن ذلك لم يأت نتيجة رضاهن حقيقة بأوضاعهن- ومعروف وضع المرأة السعودية ، التي لا يحق لها الترشيح والانتخاب ، ولا تملك هوية شخصية مستقلة، بل لا يحق لها حتى قيادة السيارة- فقد أتى هذا الموقف معبرا فقط عن رفض المرأة السعودية، ومثلها المرأة العربية عموما لأي تغيير يأتي بالقوة من الخارج.
وحتى لو افترضنا صدق الإدارة الأمريكية ، التي طرحت رغبتها في تغيير أوضاع المرأة في مجتمعاتنا ضمن مشروع الشرق الوسط الكبير، فهي غير قادرة على أن تفهم حقيقة واقع المرأة العربية، وإن تغيير أوضاعها لايمكن أن يتم فقط عن طريق دورات تدريبية ، لتعليمها القيادة- كما طرح في المشروع- بل لابد من تغيير شامل لجميع الظروف السياسية والتشريعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تعيق تطورها.
العلاقة مع المنظمات الخارجية والتمويل:
تنظر المجتمعات العربية بعين الشك والارتياب لأي علاقة بين إحدى الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني مع الخارج لأسباب متعددة تتعلق بالتجارب المؤلمة من محاولات السيطرة الخارجية ، وآخرها ما ذكرناه من سياسة الإدارة الأمريكية في المنطقة، مما خلق معوقات لأي ارتباط بين مؤسسات المجتمع المدني مع الجهات الخارجية ، للأسباب التالية:
– تعاني مؤسسات المجتمع المدني العربية من مشكلة التمويل ، فانعدام التمويل الذي تختاره أو تجبر عليه بعضها ، واعتمادها على التمويل الذاتي ، يلزمها بحركة محدودة وغير قادرة على النهوض بمشاريع أو خطط توعوية أو مجتمعية أو تنموية ، كما أن غياب التمويل الحكومي لتلك المؤسسات – رغم أن ذلك حقها بصفتها مؤسسات ذات نفع عام ، تقوم بدورها في خدمة المجتمع ، ومن حقها أن تحصل على حصتها من أموال دافعي الضرائب الذين تخدمهم- ، وعدم قناعة أصحاب رؤوس الأموال المحلية بجدوى أو قيمة منظمات المجتمع المدني ودورها في تطوير المجتمع يسهم في حرمانها من الدعم الداخلي، الذي يشكل الرافد التمويلي الأساسي لهذه المنظمات عادة.
رغم ذلك فإن الاعتماد على التمويل الخارجي ، قد جعل هذه المنظمات في بعض الحالات أسيرة سياسات الجهات الممولة ، أو متهمة بالعمالة لها من قبل الأطراف الوطنية الأخرى ، وجعل ذلك مسرحا لصراعات تكيل فيه مؤسسات المجتمع المدني نفسها التهم لبعضها بسببها ، عدا عن التهمة الجاهزة التي يمكن أن تستخدمها الأنظمة ضدها بالعمالة للخارج، وهي تهمة جاهزة تستخدمها الأنظمة دوما للنيل من النشطاء المجتمعيين، والتي تصنفهم دائما في صفوف المعارضة لمجرد أنهم غير منضوون تحت جلبابها.
– تفشت في الفترة الأخيرة ظاهرة الفساد والإفساد في عدد من مؤسسات المجتمع المدني الوليدة في بعض الدول العربية، والتي بدأت بتلقي التمويل من الخارج، بحيث أعطت بعض الدراسات نسبة 70% فسادا يطال تلك المنظمات، هذا عدا عن التبعية والولاء الذي بدأت تظهره بعض تلك المنظمات للجهات الممولة، بحيث فاق ذلك ولاؤوها للوطن أحيانا، مع ضرورة التنويه إلى وجود منظمات تعمل حقيقيا على الأرض وتتلقى تمويلها الخارجي بعناية وحرص، موظفة إياه في خدمة أهدافها المجتمعية.
– بدأ التواصل بين الجهات الخارجية الممولة والجمعيات التخصصية يأخذ شكل إغراق هذه الجمعيات في شؤونها التخصصية، وربطها بمثيلاتها في الخارج، وبالتالي عزلها عن مجتمعاتها وعن النضال الديمقراطي العام، وبذلك ظهر توجه يقضي بتسميتها ” المنظمات غير الحكومية” ابتعادا عن إطلاق تسمية مؤسسات المجتمعات المدني عليها، هذه التسمية التي تعبر عن دورها الفعال في ترسيخ المجتمع المدني كحركة مجتمعية تنموية ، تشكل جزءا من مسيرة الديمقراطية التي تطمح إليها شعوب المنطقة. لاشك أن دور الجمعيات التخصصية في وضع الدراسات المتخصصة والدراسات العلمية الممنهجة لتحسين اوضاع الفئات المجتمعية التي تخدمها وتدافع عن حقوقها، دور لا يمكن إغفالها، ولكن بالمقابل لايمكن إغفال خصوصية المجتمعات المدنية العربية الوليدة، والتي تحتاج لتعاضد جهود مؤسساتها جميعا، للوصول إلى الديمقراطية ، حاضنة تلك المؤسسات، ولخلق لحمة وطنية متماسكة، تتجاوز التكتلات العشائرية، الطائفية، المناطقية، أي البنى ما قبل الوطنية، نحو البنى المجتمعية المدنية الأكثر تطورا.
لسنا بالطبع ضد العلاقة مع الجهات والمنظمات الإنسانية التي تدعم حقوق وقضايا شعوبنا ، على أن تكون الشفافية والعلنية، هي الصفة الأساسية لهذه العلاقة، سواء كانت تمويلا أم تدريبا، وشرط التأكد من عدم ارتباط هذه الجهات بأي من القوى التي تهدف السيطرة على منطقتنا وشعوب العالم، ضمن سياسة العولمة الاقتصادية العسكرية، التي يرعاها نظام القطب الواحد.
التحديات الثقافية:
نظرة المرأة لنفسها ونظرة الرجل إليها :
أعتقد أن الانطلاق من هذه النقطة ، هي المحدد الرئيسي لواقع المرأة اليوم ، ويتعلق ذلك بالإرث التاريخي الذي صنف المرأة عبر قرون عديدة في مرتبة إنسانية أدنى من الرجل ، وحولها إلى شيء من ممتلكات الرجل ، وقصر وظيفتها في الحياة على الوظيفة الإنجابية ، ولخص وجودها كرمز للإثارة والمتعة ، مما جعل حجبها في أجنحة الحريم ، واجبا اجتماعيا يحتم على المجتمع ممارسته ، لحمايته من الفوضى والتسيب ، مما ألغى عن المرأة صفتها إنسانا عاقلا مفكرا مبدعا .
ونتيجة استمرارية هذه النظرة للمرأة قرونا عديدة ترسخ في ذهنها واعتقادها هي نفسها ، مرتبتها الدنيا مما جعلها تستسلم لهذا الواقع وتقتنع به ،بل وتسعى لتكريسه ، بحصر اهتمامها في كثير من الأحيان بغواية الرجل ، أو الاهتمام بالسفاسف من الأمور ، أو المباريات الإنجابية ، ومما زاد في ذلك عزلتها وانقطاعها عن أي تأثيرات اجتماعية ثقافية ، وفي هذه الحال ليس من المستغرب اقتناع الرجل ، بمكانته الأعلى إنسانيا ، مادام ذلك الأمر في صالحه .
وهنا لا بد من التأكيد أن تصوير الرجل عدوا للمرأة ، وأن النضال في سبيل تحريرها ، عداء للرجل هو تصوير مشوه ساذج للأمور ، فأول من نادى وناضل في سبيل تحرير المرأة هم النهضويون العرب ، وعلى رأسهم علماء الدين ، الذين توصلوا بعد دراستهم لبؤس الوضع العربي الذي جعلنا في أدنى درجات السلم الحضاري ، أن لا سبيل للنهوض بالمجتمع دون النهوض بالمرأة ، وبداية الطريق تغيير نظرة المرأة لنفسها ، ونظرة الرجل إليها .
وهنا لابد من التأكيد أن الأساس في المطالبة بحقوق المرأة هي المطالبة بحقوق الإنسان ، فالحضارة الإنسانية بلغت حدا من التطور جعلت المقياس لتطور أي مجتمع حصول كل فرد فيه على حقوقه الإنسانية والمواطنية .
من ناحية أخرى يستخدم الدين الإسلامي ، كما استخدم الدين المسيحي في القرون الوسطى، خدمة لأعراض سياسية.
تأتي الأديان كحركات إصلاحية لنشر مفاهيم العدالة والمحبة والسلام، ولكن في العصور التالية لحياة الأنبياء تتعرض للتفسير والتأويل، بما يتناسب مع مفاهيم المجتمع الذي يعيش فيه المفسرون ، بحيث تختلط العادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع وتتداخل مع التفسيرات الدينية، خدمة لأغراض وغايات الطبقات المتسلطة ، المهيمنة على المجتمعات، و ما حدث في الدين الاسلامي ، يتطابق مع ما حدث في الدين المسيحي، عندما سيطرت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى، وباتت الدنيا والآخرة بيد الحكام يوزعون حتى الجنة على من يشاؤون بصكوك الغفران التي يمنحونها للبشر، بحيث تحولوا هم أنفسهم إلى سلطة إلهية لا يجوز أن يطالها أي انتقاد أو معارضة، وهذا ما حصل في الدين افسلامي، حيث أول وفسر الفقهاء النصوص القرآنية بما يتلاءم مع رغبات الحكام وأصحاب القرار، ومنح الفقهاء لنفسهم مكانة فوق مكلنة البشرن عندما منعوا غيرهم من قراءة وتفسير النص الديني بما يتلاءم مع جوهر افسلام الداعي إلى العدالة والمحبة بين البشر، وانحدرت المرأة نتيجة لذلك إلى أسفل السلم الاجتماعي نتيجة التفسير الذي أسبغته العقلية الذكورية المسيطرة، وتحول الإسلام إلى دين معاد للمرأة بعد أن كان نصيرا لها في مطلع الدعوة، لقد كان الإسلام في بداياته ثورة اجتماعية نقلت المرأة نقلة حضارية هائلة، وحولتها من متاع ملك للرجل إلى إنسان كامل الأهلية مساو للرجل في التكليف والثواب والعقاب، مما جعل النساء يكافحن ويضحين بحيواتهن وكل ما يملكن نصرة للدعوة الإسلامية التي راين فيها نصيرا لحقوقهن في تلك الفترة التاريخية.
لقد تحول الإسلام اليوم على يد الحركات المتزمتة، المتطرفة إلى عدو للمرأة ، بل للإنسان بشكل عام، وقد ساهمت الأوضاع السياسية والضغوط الخارجية، وفشل المشروع القومي ، بهزيمة العرب في الصراع العربي الإسرائيلي، وهزيمة التيار الشيوعي بسقوط الاتحاد السوفياتي، إلى بحث الشباب التائه المنكسر المقهور الغاضب في مجتمعاتنا العربية عن خلاصه في الحركات الدينية المتزمتة المتطرفة ، فانتشرت الدعوة إلى الحجاب، وعودة المرأة إلى البيت، مكان نشاطها الرئيسي حسب رأي تلك الجماعات، مما سبب انكفاء في حركة تحرر المرأة ككل ، بعد أن أخذت دورها إلى جانب الرجل في معارك الاستقلال وبناء نواة الدولة الوطنية.
التحديات القانونية:
المرأة والقانون :
تعاني المرأة في مختلف الدول العربية من وطأة قوانين مجحفة بحقها ، وبخاصة قانون الأحوال الشخصية ، الذي تتطابق المواد التي تحمل تمييزا ضد المرأة فيه في أغلب الدول العربية مع اختلافات طفيفة بين دولة وأخرى.
بحيث يمكننا اعتبار المثال السوري نموذجا للوضع القانوني للمرأة العربية عموما.
أقر دستور الجمهورية العربية السورية ، الذي صدر عام 1973 ، للمرأة بكافة حقوقها كمواطنة ، في مواده التالية
المادة 25 :
الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم .
سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة
المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات .
تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين .
المادة 44 :
الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة
تحمي الدولة الزواج وتشجع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية وتحمي الأمومة والطفولة وترعى النشا والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم .
المادة 45 :
تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي .
إلا أن هذه المواد الدستورية التي تتعامل إيجابيا مع حقوق المرأة ، تتناقض تناقضا كليا مع الكثير من مواد قانون الأحوال الشخصية ، وبعض مواد قوانين العقوبات وقانون الجنسية .
( و الأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 والذي يحدد انتقال وسفر الزوجة دون موافقة الزوج ) ،والتي تحمل تمييزا واضحا ضد المرأة .
يستند قانون الأحوال الشخصية في سورية في جلّه على القانون الذي كان مطبقا أيام الدولة العثمانية ، الصادر باسم مجلة الأحكام الشرعية سنة 1293 هجرية ، ثم سنة 1336 هجرية ، أي حوالي م،1876والذي يستمد أغلب أحكامه من المذهب الحنفي، أحد المذاهب الإسلاميةالسنية الأربعة، آخذا بالمذاهب الثلاثة الأخرى في بعض الحالات ، وقد جرت عليه بعض التعديلات الطفيفة ، والتي مسّت السطح لا الجوهر ، تحت ضغط المطالبات التي لم تتوقف ، كان آخرها عام 2003 الذي أقر رفع سن حضانة المرأة لأولادها ل15 سنة للبنت و13 سنة للولد، دون إقرار أي من حقوق الحاضنة التي طالب بها المدافعون عن قضايا المرأة، والتعديل قبل الأخير كان قد سبقه ب 28 سنة !! أي عام 1975 ، تناول أيضا رفع سن حضانة المرأة لأولادها بحيث أصبحت 9 سنوات للولد و11 سنة للبنت وبعض القيود على الزواج الثاني أو زواج الكبير من صغيرة في السن ، وغير ذلك من تعديلات طفيفة ، غير مدعومة بمؤيدات جزائية ، ولم تجد لها ترجمة على أرض الواقع ، لأن القاضي ملزم بتثبيت أي زواج عرفي ، إذا ادعت المرأة أنها حامل ، وهذا ما يحدث عادة .
وخلال السنوات الثلاثين الماضية انحصرت المطالبات في معظمها في رفع سن الحضانة – على أهميته الكبيرة ، لما يحمل القانون المتعلق به من ظلم وإجحاف بحق الأم والأطفال – ، لكن ذلك عنى بصورة غير مباشرة ، أن ليس هناك عشرات المواد التي تحمل تمييزا واضحا ضد المرأة بما يتعلق بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، و حقوق الزواج والطلاق والإرث ، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بحق المرأة في صحيفة مدنية مستقلة ، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل ، ومنح الجنسية لأولادها ، وقوانين العقوبات المجحفة بحق المرأة كالعقوبات المخففة في جرائم الشرف وإسقاط العقوبة عن المغتصب في حال زواجه من المغتصبة ،أو تشريع اغتصاب الزوج لزوجته، وغيرها .
وهنا لابد من الإشارة إلى أن القانون السوري للدولة السورية الحديثة ، وبخاصة القانون المدني وقانون العقوبات ، استقى معظم مواده من القوانين الغربية الحديثة ، في حين احتفظ في قانون الأحوال الشخصية بمواد مستقاة من القانون الذي كان مطبقا في العهد العثماني دون تغييرات هامة .
فقد ألغيت العبودية ، كما استبدلت حدود القتل والسرقة والزنا في القانون السوري ، بأحكام تتناسب مع روح العصر دون اعتراض يذكر . وعوملت المرأة معاملة مساوية للرجل في مواد القانون المدني ، في حين بقي قانون الأحوال الشخصية لا يحمل تلك المساواة ، مما خلق تناقضا مضحكا مبكيا في بعض الحالات ، فشهادة المرأة في القانون المدني مقبولة كشهادة كاملة ، في حين تعتبر شهادة امرأتين في بعض الحالات مساوية لشهادة واحدة في قانون الأحوال الشخصية .
والمرأة تعامل كمواطن كامل الحقوق والواجبات في القانون المدني ، و تبقى مخلوقا ناقص الأهلية ، في بعض مواد قانون الأحوال الشخصية ، التي تفرض عليها الولاية ، وتحرمها من الوصاية على أولادها ، حتى لو كانت هي وحدها المتكفلة برعايتهم وتنشئتهم ،بل إن القاضية ولية من لا ولي له بحكم القانون لكنها ليست ولية على نفسها وأولادها، وزوج الوزيرة يحق له نظريا منعها من السفر إذا رغب في ذلك .
تصطدم المطالب بأي تغيير في قانون الأحوال الشخصية ، بحجة جاهزة ، هي أن هذا التغيير يتعارض مع الشريعة الإسلامية ، رغم أن العديد من الدراسات الإسلامية في العصر الحديث بدءا من فتاوى الشيخ الإمام محمد عبده في نهايات القرن التاسع عشر ، وحتى اليوم أثبتت بما لا يدع مجالا للشك ، أن الشريعة الإسلامية ليست هي العائق أمام هذا التغيير .
إن ما يمنع تعديل القانون ، هو فقط العقلية الذكورية البطريركية ، التي لازالت تسيطر على مجتمعاتنا في جميع مناحيها .
اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة ( السيداو ) :
صادقت معظم الدول العربية، وحتى السعودية التي لايحق للمرأة فيها الترشيح أو الانتخاب أو الحصول على هوية شخصية مستقلة أو حتى قيادة السيارة- على اتفاقية السيداو، ، دون أن تلزم نفسها بأي تغيير في أنظمتها أو تشريعاتها أو قوانينها، لأن الاتفاقية أتاحت للدول الموقعة عليها وضع تحفظات ألغت مضمون الاتفاقية بكامله، ولم تنعكس بأي أثر إيجابي على أوضاع المرأة في الدول الموقعة عليها.
ففي سورية صدر المرسوم التشريعي الذي حمل الرقم 333 بتاريخ 26 / 9 / 2002 ليعلن انضمام سورية إلى هذه الاتفاقية ، إلا أن التحفظات التي وضعتها سورية على الاتفاقية ، والمشابهة في معظمها لتلك التي وضعتها اغلب الدول العربية ألغت أي أمل للنساء في سورية بالاستفادة من هذه الاتفاقية في تحسين أوضاعهن ، خاصة على الصعيد القانوني .
فقد تحفظت سورية على المواد التالية من الاتفاقية :
المادة 2: والتي تتضمن تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين ، وضمان الحماية القانونية لها من أي فعل تمييزي يصدر عن منظمة أو مؤسسة أو شخص ، والعمل على تبديل القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك .
و المادة 9 ، فقرة 2 ، المتعلقة بمنح المرأة حقا مساويا للرجل في منح جنسيتها لأطفالها .
والمادة 15 فقرة 4 : التي تمنح المرأة حقا مساويا للرجل فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم .
ومادة 16 ، بند 1 ، فقرات ج ، د ، و ، ز ، والتي تمنح المرأة حقوقا مساوية للرجل في الزواج والطلاق والولاية والقوامة والوصاية ،كذلك الحق في اختيار اسم الأسرة ، والمهنة ، والوظيفة ، وتحديد سن أدنى للزواج ، وتسجيله إلزاميا .
كما تحفظت سورية على المادة 29 : فقرة 1 المتعلقة بتحكيم أي خلاف ينشأ بين دولتين فيما يتعلق بهذه الاتفاقية .
كمبدأ يعتبر أي تحفظ على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحد ذاته تمييزا ضدها . وقد اعتبرت إحدى المشاركات في أعمال مؤتمر” اتفاقية السيداو: بين التوقيع والتطبيق ” ، والذي عقد في بيروت ، أيلول 2002 ، أن كل دولة عربية أبدت تحفظها على المادة الثانية من الاتفاقية تعتبر دولة غير موقعة على هذه الاتفاقية التي تتجسد روحها ومغزاها في المادة الثانية منها .
تتطابق هذه التحفظات مع كل ما يحمل تمييزا ضد المرأة في القوانين السورية كمواد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات ، ومع الأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 والذي يحدد انتقال وسفر الزوجة ، و التي تتعارض أصلا مع المادة 25 من دستور الجمهورية العربية السورية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ، والمادة 45 التي تكفل للمرأة مساهمتها الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية .
والحقيقة أن جهود المطالبة بالتوقيع على الاتفاقية في السنوات السابقة ، لم تهدأ بل تحولت بعد توقيع الاتفاقية ، إلى المطالبة بإلغاء التحفظات المجحفة عليها .
المرأة والأعراف الاجتماعية :
إن أكثر المظاهر تميزا ضد المرأة هي العادات والتقاليدالمتشابهة في جميع الدول العربية، و التي تجعل من الأسرة أداة قمع للمرأة في كثير من الحالات ، بدل أن تكون حاضنة إنسانية دافئة، وتتعرض الفتيات بالأخص إلى عنف مضاعف ، ناجم عن الاضطهاد الممارس على المرأة وعلى الطفل في مجتمعاتنا ، فبحجة التربية، والحفاظ على الفضيلة، يطبق على الفتيات عنف جسدي ونفسي ، يصعب تصديقه في بعض الحالات ، بدل اتباع أساليب التربية التي تتبنى الموعظة والأسوة الحسنة والرفق والعطف، ففي استبيان على عينة عشوائية( 1100 امرأة ) من نساء سورية تبين أن 31.1% من النساء تعرضن للعنف من قبل الأم في الطفولة ، وتستمر حالة التعرض للعنف من قبل الأب والأخ ، ومن ثم الزوج لتبلغ نسبة النساء اللاتي يضربن من قبل أزواجهن 38.3% ، ولا تختلف النسبة كثيرا للأسف بين الأميات وحاملات الشهادات العليا ( في إحصائية متواضعة أجرتها لجنتنا، مع عدم وجود أي إحصاء رسمي).
قليلا ما نسمع بحوادث العنف الجنسي ضد الأطفال , ولا أدري إن كان ذلك يعود إلى قلتها , أو لأن الأهل يحاولون التستر عليها خوف الفضيحة , وهو الأرجح . وفي نفس الاستبيان السابق أجابت 18,8 % من النساء بالإيجاب على سؤال تعرضهن للتحرش من قبل رجل ناضج في الطفولة ، و5,2% من النساء أنهن تعرضن للتحرش من قبل أحد المحارم .
عدا عن ذلك تتعرض المرأة وبخاصة الفتيات إلى عنف اجتماعي ناجم عن التمييز بينهن وبين الذكور واعتبارهن أقل منزلة منهم ، وليس غريبا مشهد البنت التي تعود من المدرسة مع أخيها الذكر لتبدأ بمساعدة الأم في العمل المنزلي في حين يقضي أخوها الوقت في اللهو واللعب ، ولتنسحب هذه الحالة إلى ما بعد الزواج حيث يعود الزوجان من نفس مكان العمل في بعض الأحيان ، لتبدأ المرأة بالعمل المنزلي الشاق في حين يتحول الرجل إلى سيد ينتظر منها خدمات لا بد أن تصل لعنده ، دون أي شعور منه بضرورة مساعدتها في أداء أعمالها المنزلية ، ولو من باب التعاطف الإنساني .
وتحرم الكثير من الفتيات من التعليم ويزوجن باكرا ، أو تعطى أفضلية فرص التعليم لأخوتهن من الذكور ، ويعود قرار الإستمرار في تعليمهن إلى رغبة ومزاج الأهل ، وينسحب ذلك على عملهن ، من ناحية الرغبة في العمل أو اختيار نوعه أو مكانه أو التصرف بمردوده .
هذا عدا عن عدم المساواة الجندرية.
نظريا المرأة في القانون والشريعة مالكة لأموالها ، حرة التصرف بها ، لكن الواقع يظهر في كثير من الحالات ، عدم حريتها في ذلك ، وخضوعها للضغوط الممارسة عليها من قبل الأهل أو الزوج .
وكما ذكرنا تقوى الأعراف والتقاليد في كثير من الأحيان ، وبخاصة في الريف على القانون ، بل وحتى على الدين ، كما في حالات حرمان المرأة من نصيبها في الإرث ، أو تزويجها دون موافقتها .
وتحرم المرأة في كثير من الأحيان بقرار من الأهل أو الزوج ، من ممارسة النشاطات الاجتماعية أو الرياضية ، أو الاستمتاع بأي نشاط ثقافي أو اجتماعي أو ترفيهي ، بل تحرم حتى من حق المساهمة في النشاطات الاجتماعية أو الخيرية المنظمة .
و ليس من المستغرب كل ما ذكرنا ، إذا كانت تحرم حتى من الخروج من المنزل ، في بعض الأحيان ، بقرار أسري ، وكأن الحياة بالنسبة للمرأة ليست سوى سجنا كبيرا .
وهذا غيض من فيض الضغوط الاجتماعية الممارسة على المرأة .
المرأة والعمل :
تتشابه أوضاع المرأة العاملة في جميع الدول العربية، لكنها تتفق جميعها في مساهمتها الضعيفة ، وانحصار عملها في المستويات الدنيا من سوق العمالة، وتعطي الأرقام التالية – مع ملاحظة- ندرة الاحصائيات- فكرة عن ذلك.
نسبة المساهمة في قوة العمل بين النساء في سورية 21.4% من قوة العمل العامة، ويقدر أن 63% من قوة العمل النسائية تصرف في التدبير المنزلي، رغم أن الاحصائيات في هذا المجال غير دقيقة ، فهنالك نسبة كبيرة من النساء اللاتي يصنفن كربات منازل، في حين يساهمن في العمل لصالح الأسرة مجانا وخاصة في الريف، وتبلغ نسبة البطالة بين النساء في سوق العمل ضعفين ونصف نسبتها عند الذكور، وتعمل 58.1% من النساء العاملات في قطاع الزراعة، 31% في قطاع الخدمات ، والباقي موزعات على جميع القطاعات الأخرى، مما يخلق توزيعا غير عادل للعمل ، فالقطاعات التقليدية المتخلفة( الزراعة والخدمات) للنساءبشكل أساسي، والقطاعات الحديثة المتقدمة ( الصناعة التجارة المصارف وغيرها) للرجال.
نلاحظ أن نسبة أصحاب العمل هي 10.0 % ذكور مقابل 1.3% إناث .
31.5% يعمل لحسابه من الذكور مقابل 10.5% من الإناث .
و10.4 %يعمل دون أجر مع ذويه من الذكور مقابل 41.7% من الإناث .
يقابل ذلك تساوي نسبة الذكور والإناث تقريبا التي تتقاضى أجورا مادون 4000 ل.س .
حتى إذا بلغ الأجر فوق 9000 ليرة سورية تصبح النسبة 8.1% للذكور و2.1% للإناث في القطاع الحكومي .
ونسبة 30.6 % من الذكور يتقاضون رواتب دون 4000 ليرة سورية في القطاع الخاص مقابل نسبة 35.3 % من الإناث .
في حين تصبح النسبة 7,3% للذكور الذين يتقاضون أجرا يفوق 9000 ليرة سورية ، مقابل نسبة 2.4 % للإناث ( جميع الأرقام السابقة مأخوذة من المجموعة الاحصائية السورية 2004).
وهكذا نرى أن أن المرأة التي تعلمت وخرجت إلى سوق العمل بهدف تحقيق الاستقلال الاقتصادي ، الذي يمثل الركيزة الأساسية لتحررها الاجتماعي ، أصيبت بخيبة حادة في سوق العمل حيث بقيت أفضلية المناصب والوظائف ذات الأجور العالية للرجل ، وعانت هي الأمرين من العمل خارج المنزل مثلها مثل الرجل ، مضافا إلى ذلك العمل المنزلي الذي يعتبر مهمتها وحدها حتى ولو كانت عاملة بنفس وظيفة الرجل .
ليست هذه دعوة لعودة المرأة إلى المنزل ففي ذلك خسارة على الصعيد الشخصي ، وعلى الصعيد العام ، وعودة للوراء ، وذلك ما يقف التطور التاريخي ضده أصلا ، لكنها دعوة لتغيير النظرة الاجتماعية وإنصاف المرأة إنسانيا ، بمشاركتها بالعمل المنزلي من قبل الزوج والأولاد، أو من يسكن معها من الأهل ، وإنصافها في سوق العمل أيضا .
المرأة والتعليم :
تبلغ نسبة الأمية بين النساء العربيات أرقاما مرعبة ، وخاصة في الريف، مع اختلافات بسيطة بين دولة وأخرى، إذ تبلغ نسبة الأمية في سورية بين النساء 25.8% ، وترتفع في الريف إلى نسبة 34.8% ، مقابل 17.4% في المدن.
لقد كان قرار رفع سن التعليم الإلزامي حتى نهاية فترة التعليم الأساسي مكسبا كبيرا للمرأة ، فقد حمى ذلك الكثير من الفتيات من حرمانهن من مواصلة تعليمهن وبالتالي زواجهن المبكر ، وإن كان لا يزال تطبيقه الفعلي في كثير من المناطق قاصرا ، إذ تبلغ نسبة التسرب من صفوف التعليم الأساسي من 25-28% من الأعداد التي ينبغي خضوعها للتعليم الإلزامي.
من مجموع 2904569 طالبا في المرحلة الابتدائية ، يبلغ عدد الإناث 1372113 أي بنسبة 47,2% من المجموع العام .
ورغم أن تلك النسبة لا تنخفض كثيرا في المرحلة الإعدادية 45.9% ( 381671 طالبة من أصل831081) إلا أننا نلاحظ تسربا كبيرا من المرحلة الإعدادية حيث تتابع فقط 27.8% تعليمعن الأساسي حتى نهاية المرحلة الإعدادية، وكذلك يتابع فقط 29.3% من الذكور حتى نهاية مرحلة التعليم الأساسي.
وينخفض عدد الإناث في المرحلة الثانوية إلى 114911 من مجموع 233838 طالبا في المرحلة الثانوية أي نصف عدد طلاب هذه المرحلة تقريبا – 49.1% – ، وهنا يلاحظ أن فقط 8,3% ممن دخلن المدرسة تابعن التعليم الثانوي ، مقابل 7.76 % فقط من الذكور الذين دخلوا المدرسة الابتدائية يتابعون تعليمهم الثانوي .
لتصل نسبة من يتابعن تعليمهن الجامعي إلى 6.4% ممن دخلن المدرسة الابتدائية ، وهن يشكلن 88001 طالبة من أصل 190750 طالبا جامعيا بنسبة 46.1% ، وكذلك يتابع فقط 6.7 فقط من الذكور تعليمهم الجامعي.
أي أن نسبة الإناث إلى الذكور في جميع مراحل التعليم متساوية تقريبا مع غلبة بسيطة لعدد الذكور ، ولكن بنسبة تسرب كبيرة جدا من المدارس للطلاب من الجنسين ، فنسبة الإناث اللاتي يتابعن تعليمهن الجامعي لا تتجاوز 6.4% كما ذكرنا ، والحال عند الذكور ليست أفضل بكثير إذ تبلغ نسبتهم 6.7% من الطلاب الذين دخلوا المدارس الابتدائية ْ( المجموعة الإحصائية السورية لعام 2004 – إحصاء الطلاب لعام 2003 ) .
مع ملاحظة اختلاف أسباب تسرب الذكور عن الإناث ، ففي حين يعتبر الزواج المبكر السبب الأساسي لتسرب الإناث، يعتبر خروج الأطفال إلى سوق العمل السبب الرئيس لتسرب الذكور.
كذلك لابد من الإشارة إلى وجود بعض الموضوعات في مناهج التعليم التي تحمل تمييزا ضد المرأة، وتعزز النظرة الدونية لها.
المرأة والصحة:
تتشابه الأوضاع الصحية للمرأة العربية، وتعتبر الأوضاع الصحية للمرأة في سورية من أفضل الأوضاع في الدول العربية.
يبلغ عدد سكان سورية الموجودين داخلها 17340000نسمة برجحان قليل لعدد الذكور بالنسبة لعدد الإناث( 101 ذكور مقابل 100 لإناث).
معدل النمو في سورية 24.5 بالألف، معدل الخصوبة3.4 في المدينة، و4.4 في الريف بمتوسط قدره 3.8 ، ونسبة استخدام المتزوجات لوسائل تنظيم الأسرة 46.6%
وتتم نسبة 86.5% من الولادات على يد عنصر صحي مؤهل مقابل 11.8% على يد داية، والباقي أيضا بأيد غير خبيرة أومؤهلة، ولا تتجاوز نسبة النساء اللاتي يتلقين رعاية بعد الولادة 23% ، رغم أن نسبة الوفيات التي تحدث بعد الولادة تقدر حسب الاحصاءات العالمية ب 61% من الوفيات بسبب الحمل.
انخفضت معدلات وفيات الأمهات حول الولادة في سورية إلى 65 لكل مئة ألف ولادة حية، كما انخفضت وفيات الرضع إلى 18.1 وفاة لكل ألف طفل، والأطفال دون خمس سنوات إلى 20.2 وفاة لكل ألف طفل ( الأرقام السابقة من إحصائيات وزارة الصحة السورية).
وما يزال الزواج المبكر ظاهرة شائعة وبخاصة في الريف السوري وذلك في ظل حماية قانونية لهذه الظاهرة تتجلى في قانون الأحوال الشخصية المادة 18. التي تجيز تزويج الفتاة في الثالثة عشر من عمرها والفتى في الخامسة عشر من عمره.
ما تزال نسبة الولادات المتقاربة مرتفعة وبخاصة بين الأمهات الصغيرات فـ 46.2% من الأمهات في أعمار من 15 ـ 19 سنة لم يفصل بين حملهن الأول والثاني 18 شهراً. وترتفع النسبة إذا كان المولود السابق أنثى (مسح صحة الأسرة).
ما تزال نسبة الزواج بين الأقارب من الدرجة الأولى مرتفعة فهي 25.5% في الحضر و 32.9 في الريف (مسح صحة الأسرة).
ويتعرض من يستخدم وسيلة لتنظيم الأسرة للعقوبة القانونية حسب المواد 523 ـ 530 من قانون العقوبات والقانون رقم 23 لعام 1998 .
المرأة في دليل التنمية البشرية :
تحتل الدول العربية مراتب متأخرة في دليل التنمية البشرية، وقد احتلت سورية المرتبة 79 بين 102 بلدا حسب مقياس التمكين المرتبط بالنوع الاجتماعي مما يدلل على ضعف درجة تمكين المرأة السورية وعدم تساوي الفرص المتاحة لها للمشاركة عمليا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السورية بالمقارنة مع كثير من بلدان العالم، إذ يقيس هذا المؤشر مشاركة المرأة في عملية صنع القرار في المجالات المهنية والاقتصادية والسياسية التي تتأثر بدورها لحد بعيد بالتمييز الذي يمارس ضدها سواء بموجب الأعراف والتقاليد أو القوانين التي تحتاج إلى إعادة نظر مسؤولة وجادة.
آفاق تطور المرأة العربية في المستقبل :
الطريق طويلة وشاقة ، ولكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة ، وإن كنا اليوم نتعثر بخطواتنا ، فالأجيال القادمة ستتقدم بثبات أكبر دون أدنى شك .
ولابد من التأكيد هنا أن إصلاح وضع المرأة العربية يرتبط تحسين الظروف السياسية، التي تكبل المواطن وتمنع إطلاق طاقاته الخلاقة، وذلك يستلزم:
أن يسود نظام عالمي إنساني، تنتفي فيه سيطرة شعوب على أخرى، بحيث تلغى التحديات الخارجية، التي تستنفد طاقات شعوب المنطقة
ولابد أن يسود السلام العادل والشامل المنطقة العربية، مع عودة الحقوق لأصحابها.
الاعتماد على الطاقات المحلية الخلاقة في بناء الأوطان، بما يكفل سيادة الدول واستقلاليتها،وبناء اقتصاد وطني يحميها من التبعية في ظل اقتصاد السوق الحر
4- وأن تستبدل الأنظمة الاستبدادية بأنظمة ديمقراطية تحكم بها الشعوب أنفسها دون تسلط من فئة تسخر الشعوب والأوطان خدمة لمصالحها، دون اعتبار لحق كل مواطن في حياة حرة كريمة، مما يعني :
رفع حالة الطوارىء وإلغاء العمل بقوانين المحاكم الاستثنائية،السائدة في ظل الأنظمة الشمولية، لأن ذلك يقف عائقا أمام تمتع النساء بممارسة الحقوق المنصوص عليها في الدستور وفي الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا، كما أن وجود قانون الطوارئ يلغي العمل بجميع القوانين الأخرى في أغلب الحالات.
تعديل قانون الجمعيات مما يتيح للناشطات والمدافعات عن حقوق النساء وانصارهن من الرجال العمل بشكل منظم لنصرة قضايا المرأة مما يشكل رديفا وداعما لعمل المؤسسات الحكومية كما أنإتاحة الفرصة لعمل جمعيات حقوق الإنسان لتمكينها من رصد أشكال التمييز ضد النساء، والعنف الممارس ضدهن، شأنه في ذلك شأن امتهان حقوق أي مواطن. وهنا لابد أن نشير أن نماء حركة ومؤسسات المجتمع المدني في المغرب أدى إلى تطور مجتمعي حقيقي قاد بشكل منطقي إلى تغيير القوانين لصالح المرأة والذي تبدى واضحا في مدونة الأحوال الشخصية في المغرب التي صدرت العام الفائت
ضمان حرية التعبيرللمواطنين، مما يجعل المجال متاحا أمام المدافعين عن حقوق المرأة لنشر أفكارهم بكل حرية ، مما يفسح في المجال لاستخدام وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة ، لخدمة هذه الأفكار ومن المعروف تأثيرها، وبخاصة التلفزيون الذي يدخل كل بيت.
، وأكبر دليل على تأثير الأوضاع السياسية على أوضاع المرأة العربية، نجاح الحركة المتنامية للمجتمع المدني في المغرب بالحصول عن طريق النضال الديمقراطي، على تغيير مهم لصالح المرأة في مدونة الأحوال الشخصية، في حين لم يؤد الاحتلال الأمريكي للعراق إلا إلى تدهور أوضاع المرأة العراقية.
ولايعني ذلك انتفاء خصوصية النضال من أجل حصول المرأة على حقوقها ، والذي يمكن تلخيصه في النقاط الأساسية التالية:
1- توعية المرأة بنفسها إنسانا كامل الأهلية ، مساو للرجل في جميع الحقوق والواجبات ، وتوعية الرجل بأهمية تحرر المرأة ليس من أجلها ولحقها الإنساني بذلك فقط ، بل أيضا لأن حريته لن يحصل عليها حقا إلا ملازمة لحريتها ، كما أن حرية المجتمع ونهضته ونماءه لا يتم إلا بالنهوض بنصفه المكبل ، وتتم التوعية عن طريق جميع الوسائل الممكنة : جلسات الحوار الخاصة ، محاضرات ، ندوات ، وسائل إعلام ، والتركيز هنا على التلفزيون ، وبخاصة برامجه الدرامية .
2- إلغاء التحفظات على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، بما يلزم الدولة الموقعة تغيير قوانينها وأنظمتها النافذة، بما يتناسب مع إلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة.
3- قانون أسرة عصري بديل :
يحل محل قانون الأحوال الشخصية الحالي ، مع تعديل جميع القوانين الأخرى التي تحمل تمييزا ضد المرأة.
إن مشروعية مطالبتنا بتعديل جميع مواد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات وغيرها التي تحمل تمييزا ضد المرأة ، والمتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، والمساواة في حقوق الزواج والطلاق والإرث ، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بحق المرأة في صحيفة مدنية مستقلة ، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها ، تأتي من قناعتنا بالمسلمات التالية :
أ- المرأة إنسان كامل الأهلية ، مواطن كامل الحقوق والواجبات ، حسب ما يقر بذلك دستور الجمهورية العربية السورية .
حقوق المرأة جزء من حقوق الإنسان ، التي يجب أن تصان ، وفق ما تقر به جميع الشرائع والمواثيق الدولية ، و هي نتاج تطور الحضارات الإنسانية ، التي ساهم العرب أنفسهم بها في بعض الفترات التاريخية .
ج- لا سبيل لحرية مجتمعاتنا وتنميتها وتطورها ، دون تحرير المرأة والتي تمثل عدديا نصفه ، وكتأثير مجتمعي وتربوي أكثر من نصفه بكثير .
وخلاصة الأمر أن ليس هناك ما يمنع وجود قانون أسرة ، يمنح المرأة ، بل جميع أفراد الأسرة حقوقهم كاملة ، ولا يتضمن ذلك إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة فحسب ، بل إلغاء جميع أشكال التمييز ضد أي فرد من الأسرة ، بما يتضمن ذلك من حماية للأطفال من العنف والإهمال اللذين يمكن أن يقعا عليهم من الأم أو الأب ، وحماية الرجل أيضا من التمييز ضده في المصاريف الهائلة التي يتحمل عبأها وحده عند تأسيس الأسرة كالمهور الفاحشة وتأمين المسكن وتأثيثه ، حمايته من الظلم الذي يقع عليه في الكد وراء تأمين لقمة العيش لأسرته دون أن تكون زوجته ملزمة بإعانته ، حتى لو كانت امرأة عاملة .
إن ما يمنع تطبيق مثل هذا القانون هو فقط العقلية الذكورية البطريركية ، التي سبق أن قبلت بإلغاء الرق و بتغيير الحدود في القانون كحد السرقة و الزنا والقتل ، في حين تقوّم الدنيا ولا تقعدها إذا طالب أحدهم برفع سن حضانة المرأة لأطفالها سنة واحدة !
وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن تعديل القوانين لصالح المرأة ، ليس بلسما سحريا يمثل العلاج الناجع لجميع قضايا المرأة ، فكثير من النساء يجهلن حقوقهن المنصوص عليها في القانون ، ولابد من الحرص على تعريف المرأة بحقوقها القانونية ، وتشجيعها على أن تحتمي بها ، كما لابد من الحرص على سلامة تطبيق القانون ، ونزاهة القضاء واستقلاليته ، وتعديل النصوص القانونية بإيجاد مؤيدات جزائية تضمن تطبيق القانون .
4- تشجيع مؤسسات الدولة وإتاحة الفرصة أمام مؤسسات المجتمع المدني للقيام بإحصائيات ومسوح ودراسات ترصد واقع المراة في سورية
5- محاربة العادات والتقاليد و الأعراف التي تحمل تمييزا ضد المرأة والتي تكون في كثير من الأحيان أقوى من القانون نفسه .
6- تمكين المرأة اقتصاديا ، بإتاحة فرص العمل لها ، ولعل مشاريع القروض الإنمائية الصغيرة ، التي خاضتها بنجاح بعض دول العالم الثالث ، لخير مثال على ذلك .
7- ضمان حق المرأة في التعليم ، ومكافحة التسرب من المدارس وعمالة الأطفال غير الإنسانية ، والزواج المبكر والأمية، وتغيير مناهج التعليم بإلغاء كل ما يحمل أفكارا تمييزية ضد المرأة ، وإدخال مفهوم الجندر فيها
8- الدفاع عن حقوق المرأة داخل الأسرة بما يتعلق بالإنجاب والخيارات الحياتية في السفر والتنقل والعمل والنشاطات الاجتماعية والعمل المنزلي ، وتأمين رعاية مناسبة لأطفال العاملات .
9- الدفاع عن حق المرأة في المشاركة السياسية ، بحيث يصبح وجودها حقيقيا وفاعلا .
10- تحسين الوضع الصحي للمرأة والعناية خاصة بالأمومة والطفولة والصحة الإنجابية .
11- مكافحة الاتجار بجسد المرأة .
12- الدفاع عن حق المرأة في ممارسة جميع الأنشطة الاجتماعية والرياضية , ومجالات الترويح عن النفس .
13- إيلاء الطفلة اهتماما خاصة، بالتشديد على منع الزواج المبكر، وتعديل القانون بما يتناسب مع ذلك، وتعديل سن الحضانة، وسحب التحفظات على اتفاقية حقوق الطفل، وحماية الأطفال قانونيا من العنف الأسري.
14- إيلاء قضية المرأة الريفية في بلادنا اهتماما خاصا , بدراسة خصوصية وضعها ,وشروط حياتها اللاإنسانية ، باستخدامها كيد عاملة غير مأجورة ، وأداة إنجابية لمزيد من الأيدي العاملة ، وحرمانها في كثير من الأحوال من أبسط الحقوق الإنسانية .
17