الانقسام

بعد انتهاء مرحلة الاستعمار التقليدي، كان لابد من إبقاء المنطقة العربية تحت أنظار وسيطرة القوى العظمى التي آثرت في فترة صعود الحركات الوطنية ووجود القطب الآخر أن تتخلى عن شكل الاستعمار المباشر إلى السيطرة غير المباشرة عن طريق زرع كيان هجين ، كان دائما أداة وحليفا للقوى الاستعمارية الكبرى على اختلافها ( بريطانيا وفرنسا سابقا والولايات المتحدة الأمريكية لاحقا)، وعن طريق تبعية واستزلام الأنظمة القمعية الاستبدادية، التي فاق أداؤها ماكان يؤمل منه من قبل القوى التي وظفتها، فقضت على أي قوة مجتمعية لدى شعوبها ونهبت بلدانها وقتلت وسجنت خيرة مثقفيها ومفكريها، وبذلك تحولت المنطقة إلى بلدانا خاوية من سكانها بمفهوم الارادة والفاعلية والقدرة على التنمية والتطور والتقدم، وبالتالي مقاومة القوى الخارجية المتربصة دائما.

ولم تكتف تلك الأنظمة بالتبعية الخفية للقوى العظمى، رغم تشدقها العلني بكل شعارات الحرية والتحرر وبناء الأوطان، بل استخدمت أبشع وأحط الأساليب التي يمكن أن تكفل لها البقاء في السلطة، وكان من أفظعها تعميق الشروخ الطائفية العرقية المناطقية وتقوية هذه النزعات، وساعدها في ذلك سلبها شعور المواطنة من مواطنيها، الذين لم يجدوا ما ينتمون إليه ويحتمون به سوى انتماءاتهم القبلية والعشائرية والطائفية والاثنية والمناطقية، ورغم ذلك كله، بقيت غريزة البقاء حية تغذي جذوة الاستمرار بمقاومة الأنظمة المستبدة والقوى الخارجية التي تتربص بالمنطقة، وتدعو للمقاومة والحفاظ على الوجود، وبقيت جمرات الحس الوطني متوهجة تحت رماد الزمن الأغبر.

ولا يخفى على أحد النصر الأكبر الذي حققته القوى العظمى أيضا في هذا الاطار، بالمساهمة في العوامل التي قادت إلى تفتيت الاتحاد السوفياتي الذي كان يقف عثرة أمام مد نفوذ الغرب وبسط سيطرته على المنطقة العربية.

لم يكن في حسبان القوى العظمى أن الحركات الاسلامية الأصولية التي دعمتها هي نفسها لمجابهة الاتحاد السوفيتي وامتداداته ستنقلب عليها بعد زواله، وتتبنى الحرب ضدها، مما دعا تلك القوى لاطلاق حملتها الشهيرة ضد الارهاب، والدول التي نشأ فيها أو يتلقى الدعم منها.

وهنا كان لابد من إعادة تقسيم مناطق النفوذ في المنطقة وبنائها بطريقة جديدة تتناسب مع مصالح القوى العظمى، والتي باتت بعد استلام المحافظين الجدد مقاليد الحكم في الادارة الأمريكية أكثر عدوانية ورغبة بالسيطرة على العالم بأسره، وولدت فكرة الشرق الأوسط الكبير من رحم المحافظة الجديدة، الذي تحول فيما بعد إلى الشرق الأوسط الجديد، من أجل للسيطرة على المنطقة سياسيا واقتصاديا بل وحتى ثقافيا، ومحو هوية دول المنطقة وإدخالها في اقتصاد السوق، وإزالة كل حماية وطنية لاقتصادها، وتدجين شعوبها وتغيير عقليتها وطبيعتها كي تنعدم مقاومتها لأي سيطرة خارجية، وتتحول بالتالي إلى شعوب مدجنة تابعة لاهوية لها ولا كيان ولا وجود مستقل.

إذا تحالفت دوما قوى الاستبداد مع القوى العظمى الساعية للسيطرة على المنطقة في قهر الشعوب وقمعها حتى تحولت إلى كتلة صماء عاجزة لاحول لها ولا قوة، لا تملك أكثر من الجلوس أمام شاشات التلفزيون لمراقبة الفواجع المتتالية التي تحيق بالأوطان والتفجع على أحوال البلاد والعباد.

وقد انسحبت حالة اليأس والاحساس باللاجدوى على فئة من النخب السياسية المثقفة، التي فقدت القدرة على الصبر والاحتمال، خاصة أنها هي التي تعرضت أكثر من غيرها للقمع والتنكيل، وبدأت تفقد أملها وقناعتها بقدرتها على قيادة شعوبها للخروج من هذه الهوة التي ليس لها قرار ما دام الاستبداد قائما، فأرجعت كل مآسي وفواجع الوطن إلى النخبة المستبدة الحاكمة، واضعة محاربة الاستبداد في أعلى سلم أولوياتها، مما يترتب عليه مهادنة القوى الخارجية الطامعة أو حتى الاستعانة بها عند اللزوم، هذه النخب ليست وليدة الساعة أو اللحظة الراهنة، بل تعود بجذورها إلى خسارة العرب الأولى فيما سمي ” النكبة” والتي نتج عنها إقامة دولة الكيان الصهيوني، إذ سمعت آنذاك أصوات هامسة تقول أن قيام دولة ” إسرائيل” بدعم القوى العظمى آنذاك قد أصبح أمرا واقعا، ولا حل سوى بالاعتراف بها، ولا خلاص إلا في مهادنة القوى العظمى، وعقد معاهدات سلام مع صنيعتها دولة الكيان الصهيوني في المنطقة، وأن الصراع بعد ذلك سيبقى صراعا حضاريا علينا أن نشحذ قوانا لمواجهته، إلا أن تلك الأصوات كانت خجولة أمام المد الشعبي الذي كان رافضا وجود ذلك الكيان الهجين رفضا قاطعا، ومن ثم أسكتت هذه الأصوات نهائيا بعد استلام الأنظمة الاستبدادية في الوطن العربي مقاليد السلطة اثر النكبة ذاتها، وتشدقها بشعارات الوحدة وتحرير فلسطين، قضية العرب الكبرى بحيث اتهم كل من ينادي عكس ذلك بالخيانة والعمالة، وبالتالي اختفت تلك الأصوات نهائيا، إلى أن أتت هزائم العرب المتتالية أمام دولة الكيان الصهيوني، فبدأت تلك الأصوات تتصاعد هامسة خجولة ثانية وخاصة بعد مبادرة السادات التي قادت إلى كامب ديفيد وما تبعه من معاهدات سلام واستسلام، وبذلك أملت تلك الفئة من النخب المثقفة أن يكون ذلك هو السبيل لخلاصها من الأنظمة الاستبدادية، وبالتالي الوصول إلى أنظمة ديمقراطية يمكن عن طريقها إعادة تفعيل طاقات شعوب المنطقة، وبالتالي الخروج من الأزمة المستعصية.

وبالمقابل بقي القسم الآخر من النخب المثقفة لا تملك أي ثقة بالقوى الخارجية ولا تجد فيها أي خلاص، بل خطرا مضاعفا على حرية واستقلال المنطقة وشعوبها، وبقيت تلك الفئة تضع في حسبانها أولولية الحفاظ على هوية الشعوب وكيانها، وأن الخلاص لن يأتي إلا بتفعيل القوى الداخلية في مواجهة الاستبداد والقوى الخارجية معا، مهما طال الزمن، فستون عاما لاتحتسب في عمر الشعوب.

المشكلة أن الفئة الأولى لا تريد أن تضع في حسابها الشواهد والأمثلة التاريخية والحية، على أن مصالح القوى العظمى لايمكن أن تتطابق مع مصالح الشعوب المستضعفة، والغريب أن تفقد النخب المثقفة صبرها قبل بقية الفئات الشعبية وتبدأ بالبحث عن خلاص قريب، وأن تتعامى عن الأخطار المحتملة، مما يجعل تحليلها السياسي يقع في مطبات غير منطقية بتهويل بعض الأمور والتقليل من أهمية أمور أخرى حسبما يتوافق ذلك مع رؤاها المرحلية.

ومن الغريب أيضا أن تجد تلك الفئة أنها يمكن أن تأمن جانب القوة العظمى المتربصة بالمنطقة بمهادنتها، وأن تصدق ادعاءاتها بأنها قادمة بالاف الجيوش المدججة بالأسلحة بهدف نشر الديمقراطية في المنطقة، متعامية عن النتائج الكارثية لاحتلال العراق، وصفاقة تلك القوى العظمى التي لا يتوانى رئيسها عن التصريح مؤخرا أن دخوله المنطقة كان بهدف الحفاظ على منابع النفط ومصالح حلفاء الولايات المتحدة، بعد أن كان الهدف سابقا القضاء على منابع الارهاب وأسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من الأهداف المتبدلة بين فترة وأخرى، ومتعامية أيضا أن هنالك أصواتا داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدأت تنادي بوقف التدخل الأمريكي في المنطقة الذي لم يجلب سوى الخراب والدمار لشعوبها والخسائر الجسيمة للولايات المتحدة بسبب قصر نظر السياسة الأمريكية الحالية وغبائها حتى في تأمين مصالحها.

والمشكلة أن تلك الفئة بسبب عجزها وقلة حيلتها في مواجه تحديات الداخل، لم تعد تجد تنفسيا لقهرها وعجزها إلا بمهاجمة الفئة الثانية من النخب الثقافية المتمسكة بهويتها، حاشرة إياها في زاوية واحدة مع الأنظمة الاستبدادية والحركات الأصولية، ما دامت تدعو إلى مقاومة سيطرة الإدارة الأمريكية وحليفاتها، ومتهمة إياها بدعم الأنظمة الاستبدادية، ودعم الحركات الأصولية والأحزاب الطائفية والخطر الفارسي القادم لا محالة، وبأنها ذات رؤى ايديولوجية ضيقة محدودة.

في سورية قادت الفترة الوجيزة من الانفراج النسبي، التي بدأت عام 1998، وتوجت بخطاب القسم، إلى نشاط مجتمعي سياسي، تجلى في بياني ال99 وال1000، وبانتشار المنتديات في جميع أنحاء البلاد، حيث تجرأ الناس لأول مرة على طرح هموم البلاد بصوت عال، ونقاش ماكان محظورا مجرد التطرق إليه سابق من قضايا سياسة وفساد وتسلط،فيما أطلق عليه آنذاك اسم ربيع دمشق، وإن كان ربيعا سوريا عاما، إلا أن النظام لم يحتمل للأسف حتى مجرد سماع الرأي الآخر، مما قاد إلى حملة اعتقالات العشرة الفاضل، الذي مازال منهم عارف دليلة قابعا في سجنه بعد حكم جائر امتد سنوات عشر، لتليها حملات اعتقال متكررة فردية وجماعية، وإغلاق جميع المنتديات، ومنع جميع أشكال التجمعات والنشاط المدني والثقافي، في عودة إلى أجواء الثمانينات، وتسليم مقاليد الأمور ثانية للأجهزة الأمنية التي عادت لتتسيد على جميع أشكال الحياة في سوريا.

كان سقوط بغداد تحت سنابك الاحتلال الأمريكي نقطة مفصلية، في تاريخ العرب المعاصر، وبقدر ما كان اجماع الشعوب العربية واضحا جليا برفض المحتل رفضا قاطعا، كانت مواقف النخب السياسية المثقفة متباينة منه، فقال البعض أن لا خلاص من المستبد إلا بمساندة القوى الخارجية مستشهدين بالتاريخ القديم والحديث، و وقف آخرون موقفا متحفظا، في حين انحازت الفئة الثالثة إلى خيار المقاومة، مقاومة الاستعمار والاستبداد معا.

قاد ذلك إلى انقسام عمودي في المعارضة السورية، تجلى في قسمين أساسيين: المهادنون الذين بدأت مواقفهم تتبلور في اعتبار الاستبداد الآفة الوحيدة لمجتمعاتنا، دون أي اعتبار للتحديات الخارجية، بل اعتبر بعضهم في تصريحات علنية واضحة أن الحل الوحيد للوضع القائم هو بالتدخل الخارجي، الذي لا يمكن القضاء على الأنظمة الاستبدادية دون معونته، وهؤلاء هم الليبراليون الجدد، بينما دعى البعض الآخر إلى مجرد مهادنة الغول الأمريكي، ولكنهم أجمعوا جميعا على أن مفهوم المواطنة مرتبط بحرية المواطن ضمن وطنه، وليس لها علاقة بحدود الوطن أو الأمة، وأن من يتمسك بهويته اليوم، هو شخص ذو فكر أيديولوجي متعصب ، أو متخلف لايفهم أننا بتنا في عصر العولمة حيث انفتحت وانهارت الحدود الجغرافية الاقتصادية الثقافية، وأننا سنبقى متخلفين إن لم نقبل بتلك الحقيقة، وأننا سوريون أولا قبل أن نكون عربا، وأن تبني القضايا القومية لم يجلب على رؤوسنا غير الخراب والدمار والخسائر والهزائم..الخ. وبذلك تم بناء منظومة فكرية متكاملة تدعو إلى سلام مع دولة العدو الصهيوني على غرار ما فعله السادات في كامب ديفيد وبذلك يمكن الالتفات آنذاك للشأن الداخلي، بل إن ذلك هو الحل الوحيد لكسب ود الادارة الأمريكية التي ستساعد على القضاء على الأنظمة الاستبدادية كما قضت على حكم صدام في العراق، وبما أن أي مقاومة للوجود الأمريكي الصهيوني، سيستفز القوى العظمى ويثيرها ويؤجج عدوانيتها، فلابد لهم إذا من مهاجمة أي حركة مقاومة أو نهج مقاوم للمخطط الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وكل من يؤيده، وأن جميع أشكال مقاومة السيطرة الأمريكية الصهيونية هي حركات الهدف منها تدعيم التيار الأصولي، أو دعم الأنظمة الاستبدادية، ومن هذه الرؤية بدا حزب الله هو الذي دمر لبنان لا ” إسرائيل” ،عدا عن أنه منفذ لسياسة الغول الايراني الذي يريد الاستيلاء على المنطقة،وتقف هذه القوى موقفا معاديا من حركة حماس كونها حركة دينية، وتهاجم موقفها المقاوم لمجرد معاداتها للأصولية الدينية،متناسية أن هذه الحركة بغض النظر عن موقفنا منها، هي حركة مقاومة للكيان الصهيوني، ووصلت إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية هي نفسها التي تدعو إليها هذه النخب،كما تسوق تلك النخب أن الاحتلال الأمريكي ليس مسؤولا على الإطلاق عن الحرب الطائفية التي بدأت تدور رحاها اليوم في العراق، بل هي فقط مخلفات العهد الاستبدادي البائد، وأن المقاومة العراقية هي مقاومة أصولية أو لأنصار بقايا العهد البائد، وعلى كل حال لسنا هنا في صدد الدخول في المشهد العراقي بالغ التعقيد، إلا بقدر موقف الفئات المثقفة المذكورة من الاحتلال والتعامي عن الكوارث التي سببها في العراق، بحيث باتت تلك الفئات تعتبر أي مقاومة مهما كانت طبيعتها سواء في العراق أو فلسطين أو لبنان جريمة تستوجب المحاسبة والمحاكمة، وأن كل من يفكر بالمقاومة، هو مجنون أصولي متطرف مجرم دموي قاتل محترف. وتدفقت المقالات التي تسوق هذه المنظومة الفكرية، بحيث باتت تدعو بشكل صريح إلى بطلان دعاوى الفكر النهضوي العربي، والتغني بمحاسن الميكيافيللية والليبرالية الجديدة، وتهويل الخطر الايراني القادم مستقبلا دون التطرق إلى الخطر الأمريكي الجاثم على صدر المنطقة، ومن ثم الدعوة إلى إزالة جميع مظاهر العسكرة من مجتمعاتنا حتى الثقافية منها، تحت حجة تفوق الدولة الصهيونية العسكري، ومبدأ الواقعية والقبول بالأمر الواقع.

والحقيقة أن هنالك ثغرات واسعة في تلك المنظومة الفكرية تتجلى في نقاط عدة:

المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، مشروع متكامل لا يقتصر، بحسب اعتراف أصحابه على بلد دون الآخر أو منطقة دون أخرى، بل هو مشروع ” لشرق أوسط جديد”، يشمل المنطقة برمتها، وهو امتداد للمشاريع الاستعمارية السابقة التي هدفت للاستيلاء عليها، منذ الحرب العالمية الأولى، فكيف يمكن عزل سورية عن جاراتها العربيات، بل كيف يمكن مواجهة هذا المشروع الذي يستهدف المنطقة العربية كاملة، إلا بمشروع نهضوي وحدوي عربي، تتعاضد فيه جميع الدول العربية لمواجهة هذا التحدي الخارجي الذي يقبل عليها كل مرة بثوب جديد وشكل جديد وقالب جديد، والهدف دائما هو السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية الحيوية الغنية الهامة؟

التجربة هي المحك الأساسي لفشل نظرية ما أو نجاحها، وأحداث العراق تثبت بما لايدع مجالا للشك أن الإدارة الأمريكية لم تجلب الديمقراطية إلى العراق بل جلبت له الخراب والدمار، حتى أن خبرا ظهر في الآونة الأخيرة عن العثور على مقبرة جماعية من أيام حكم الطاغية تضم رفات 30 شخصا، بات خبرا مضحكا، أمام الأخبار اليومية عن عشرات الجثث التي تلقى في شوارع بغداد وباقي المدن العراقية،وعليها آثار تعذيب، وأن الديمقراطية الأمريكية لم تقد إلا إلى نهب وتدمير ثقافة وتراث وتاريخ بلد عريق وقتل أبنائه والتنكيل بهم وسجنهم وإذلالهم، وزج البلد في حرب طائفية لايعلم إلا الله إلى ما ستنتهي إليه، وبالمناسبة يدعي البعض أن أمريكا لا يد لها في تلك الأحداث وأن تلك الأحداث هي نتيجة فقط للنظام الاستبدادي البائد، رغم أن القوات الأمريكية تحتل العراق منذ أكثر من ثلاث سنوات.

المنطق يقول أن هنالك دائما تضارب في المصالح بين الدول المستعمرة والشعوب المستعمرة، فالدول المستعمرة تأتي دائما وفي نيتها السيطرة واستغلال قدرات وطاقات وثروات البلد الذي تستعمره، واستغلال ضعف بنائه الاقتصادي لتحويله إلى سوق مستباحة، خاصة بوجود منابع النفط في منطقتنا العربية، ووجود دولة الكيان الصهيوني الأقوى في المنطقة عسكريا واقتصاديا.

وصلت حماس إلى السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية الحرة بنفس النموذج الذي يدعو إليه كل طلاب الديمقراطية في العالم، ولمن نسي، فقد أرسلت الادارة الأمريكية والدول الغربية وفودا متعددة إلى الأراضي المحتلة قبيل الانتخابات وقدمت تبرعات من أجل اتمام العملية الانتخابية، وما أن ظهرت نتيجة الانتخابات على عكس توقعاتها – بسبب غباء سياساتها كالعادة وعدم فهمها لطبيعة المنطقة وشعوبها- حتى اعتبرت الحكومة المنتخبة غير شرعية وبدأت تمارس سياسات الحظر والحصار واستخدمت ولا زالت تستخدم جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة لاسقاطها، بدعم سافر للرئيس عباس، ماديا ومعنويا.

نسي الجميع الدور الذي قام به حزب الله في تحرير الجنوب عام 2000 والذي هللت له جميع القوى العربية على اختلاف فصائلها وانتماءاتها، مادام نصرا قد تحقق دون أن تبذل فيه أي جهد، ونسوا جميعا أن حزب الله لم يستغل نصره هذا في محاولة التفرد في السلطة في لبنان، بل بقي يخوض العملية الديمقراطية على الأسس التي تدور عليها في لبنان، وأنه لم تذكر حادثة واحدة تجاوز فيها أي من عناصره العرف أو القانون بعد تحرير الجنوب حتى تجاه من حاربه وكان مرتبطا ارتباطا مباشرا بالعدو الصهيوني أثناء الحرب ، وترك أمر معاقبته للدولة والقضاء اللبناني.

نسي الجميع اليوم كما نست ” إسرائيل” نفسها- تماما كما حدث في العراق- السبب الذي قامت الحرب من أجله ألا وهم الأسرى الاسرائيليون، فمن يذكرهم اليوم؟؟ ورغم ذلك يصر الليبراليون الجدد أن حزب الله هو الذي دمر لبنان بسبب مغامرته المجنونة.

إن الدعم الذي تلقاه حكومة السنيورة من الادارة الأمريكية ، ومواقف قوى 14 آذار، سواء بمنحها جائزة لسفير أمريكا لدى الأمم المتحدة جون بولتون بمواقفه المعروفة والمعادية لقضايا شعوبنا ومناطقنا، وسعد الحريري الذي يمثل رأس المال ومصالحه، والذي دخل الحياة السياسية صدفة، وهو الذي لم يكن يعرف لا لبنان ولا شعب لبنان قبل الجريمة التي أودت بحياة والده، وجعجع ذو التاريخ المشرف المرتبط بالمصالح الاسرائيلية مباشرة، ووليد جنبلاط، الذي تحول من أكبر موال للنظام السوري في فترة تواجده في لبنان إلى أكبر معاد له بعد خروجه، ليست سوى رموزا غير مشرفة لكل ما هو غير ” وطني” مرتبط بالخارج لاهم له سوى الحفاظ على مصالحه وبقائه في السلطة مهما كان الثمن.

إن إصرار الجميع على وصف المعارضة اللبنانية بأنها معارضة شيعية طائفية، يجانب الواقع تماما، ويلغي وجود العماد ميشيل عون المسيحي الوطني الذي يشهد له تاريخه الوطني النظيف المشرف بأنه كان من أكثر الزعماء نزاهة خلال الحرب اللبنانية الأهلية البغيضة، وكذا سليم الحص الزعيم السني ذو التاريخ الوطني المشرف، وغيرهم كثير، بل إن الكنيسة المارونية نفسها وجدت نفسها إلى جانب تلك القوى ما دامت تريد الحفاظ على استقلال لبنان وسيادته، في وجه القوى التي تريد تحويله إلى أدارة بيد الادارة الأمريكية أو العدو الصهيوني، كمدخل للسيطرة على المنطقة ككل.

إن الحديث عن المخطط الايراني الذي يهدف للاستيلاء على المنطقة، والتذكير فجأة برغبة الفرس في إعادة أمجاد امبراطوريتهم، وأن نيتهم استعمار المنطقة ما داموا يحتلون اليوم 3 جزر عربية، وتضخيم هذا الخطر الداهم الذي يبدو لمن يقرأ مقالاتهم وكأن ايران ستهجم غدا لتحتل جميع الدول العربية المجاورة لها، والتعتيم بنفس الوقت على القوى الموجودة الآن على الأرض والتي تحتل فعلا دول المنطقة- العراق فلسطين وأجزاء من لبنان وسورية- هو حديث يمكن وصفه بالساذج إذا افترضنا حسن النوايا، وبالتجدبف والمغالطة، فهل من المعقول الحديث عن عدو وهمي مستقبلي محتمل، في ظل وجود احتلال قائم وموجود يعيث فسادا في المنطقة، إن في ذلك قلب للمفاهيم والحقائق والمنطق.

إلى متى ستبقى النخب العربية منعزلة عن شعوبها متعالية عليها؟ لاتتردد على ألسنة مفكريها إلا صفات ” رعاع” ” جهلة” ” غوغاء” عند الحديث عن الحس الشعبي العام الذي وقف مع المقاومة، ولا يزال يقف ضد أي محاولة لتدخل أو سيطرة خارجية على المنطقة، ومن الذي نصب الليبراليين الجدد الذين لايتجاوز عددهم ألف شخص ناطقين باسم مصاللح البلد وشعبها، بما يخالف توجهاته ورغباته، وآماله.

تشدق الليبراليون الجدد في فترة الانتخابات الفلسطينية، بأن الديمقراطية تجلت في الوطن العربي فقط في المناطق الواقعة تحت الاحتلال، واختفت اليوم هذه المقولة بعد أن آلت نتائج الانتخابات إلى غير ما يريدونه في فلسطين، وتجلت “الديمقراطية العراقية” بأبشع أشكال التعصب الطائفي.

لاشك أن تبسيط المشهد الاقليمي صعب للغاية ففي كل بلد عربي تتداخل مصالح ونفوذ قوى متعددة، وتتصارع، ولكن ما هو أكيد بالنسبة لنا ، نحن الذين نناهض الاستبداد قدر مناهضتنا لأي سيطرة خارجية، وقدر مناهضتنا لأي فتنة أو تقسيم يقوم على أساس الدين أو العرق أو الجنس نعتبر أننا معنيون اليوم أكثر من أي وقت آخر بالاعلان عن أننا ضد المخطط الأمريكي الصهيوني في المنطقة وكل من يدعم أو يعزز وجوده سواء كان نظاما أم جماعات أم أفراد، وأن نهج المقاومة هو الطريق الوحيد للتصدي لهذه القوى الغاشمة التي تريد استباحة أوطاننا وشعوبنا وتحويلها إلى شعوب تابعة مستضعفة لاهوية لها، وأوطاننا إلى دول لا سيادة لها مستباحة سياسيا واقتصاديا وفكريا.

إن قراءتنا للحرب على لبنان تعطينا مثلا واحدا ، هو أن أسطورة اسرائيل لم تكن سوى وهما صنعته الأنظمة العربية التي لم تخض أي حرب حقيقية مع دولة الكيان الصهيوني التي كانت تدخل الحرب دائما من طرف واحد////// فتقصف وتدمر وتحتل كما تشاء دون وجود من يقف أمامها ويواجهها، حتى أتى اليوم الذي وقف فيه 2500 مقاوم فقط – باعتراف العدو- جعلوا دولته ترتجف رعبا، ليرد على لسان قادتها ومسؤوليها، أنها لأول مرة تخوض خحربا حقيقية، في ظل هذه القراءة هل المطلوب مستقبلا مهادنة الخارج، أم بناء جبهة داخلية متينة