هل كان مفاجأة إعلان بريجيت بويسلييه عن ولادة أول طفلة مستنسخة ؟
بالطبع لا ، فسواء كان الخبر صحيحا أم كاذبا ، فإن فكرة ولادة طفل بشري مستنسخ لم تعد حلما مستحيل التحقيق منذ يوم إعلان ولادة النعجة دوللي قبل سنوات ، فما دامت التجربة نجحت على نوع من الثدييات ، فتطبيقها على الإنسان كان مسألة وقت فحسب .
لمحة علمية
تتألف كل خلية من خلايا جسم الإنسان من هيولى تحيط بنواة ، تحوي هذه النواة على 46 صبغيا تحمل المورثات ، حاملة الصفات الوراثية ، و يتكون الجنين البشري في الحالة الطبيعية من اندماج الخلية الجنسية الذكرية ( النطفة )الحاوية على 23 صبغيا تحمل المورثات الناقلة للصفات الوراثية من الأب ، مع الخلية الجنسية الأنثوية ( البويضة ) الحاوية على 23 صبغيا تحمل الصفات المورثة من الأم ، لتؤلف البيضة الملقحة الحاوية على 46 صبغيا ، وليأت الجنين البشري حاملا للصفات الوراثية من الأب والأم معا .
إن آلية الإستنساخ البشري الذي أعلنت عنه مديرة شركة كلونيد ، تم بطريقة مشابهة لاستنساخ النعجة دوللي ، ويتم ذلك عن طريق دمج هيولى من خلية جسمية مع نواة من خلية جسمية أخرى ، مأخوذتان هنا من الأم ، وبذا تحوي الخلية الناتجة 46 صبغيا تنفل مورثات من الأم فقط ، ويتم تحريض هذه الخلية كهربائيا على الانقسام ، ثم تزرع في رحم الأم لتنمو وتتكاثر مكونة الجنين البشري .
الاستنساخ و الهندسة الوراثية
لقد مر إعلان الرئيس بيل كلينتون ، أثناء فترته الرئاسية ، عن اكتشاف الخريطة الجينية البشرية ، دون أن يأخذ حقه من الاهتمام من قبل وسائل الإعلام ، ربما لأنه أقل إثارة من موضوع الاستنساخ ، لكن هذا الاكتشاف الهام ، والذي تلاه تعيين مواقع المورثات المسؤولة عن بعض الأمراض أو الصفات البشرية ، قد يقود في المستقبل إلى نتائج أخطر بكثير مما سيقود إليه الاستنساخ ، فهو الذي سيتيح تفصيل ” كائن بشري ” بمقاييس ومواصفات ” حسب الطلب ” .
هل الاستنساخ لصالح البشرية أم ضدها ؟
في كل الأحوال يمكن اعتبار الاستنساخ أو الهندسة الوراثية اكتشافان مثل بقية الاكتشافات العلمية الأخرى يمكن استخدامها لصالح البشرية أو ضدها ، حسب العقل الذي يقف وراء هذه التجارب وهدفه المضمر .
فالاستنساخ يمكن أن يحقق حلم زوجين محرومين من طفل يملأ عليهما حياتهما ، كما يمكن استخدام الاستنساخ والهندسة الوراثية لإنتاج بشر يحملون صفات متميزة خدمة لسلطة أو جهة أو غايات معينة .
لكن التحفظ الذي يقول بإمكانية استنساخ طاغية آخر من خلية طاغية أذاق البشرية الويلات ، هو محض خيال روائي ، فنفس الشخص ستتغير صفاته وطباعه فيما لو وضع في زمان ومكان وظروف مختلفة ، والدليل على ذلك اختلاف صفات توأمين حقيقيين فيما لو عاش كل منهما في ظروف مختلفة ، فما بالك بمكان وزمان مختلفين ، فمن المستحيل أن تطابق النسخة الأصل ، لعدم إمكانية تماثل الشروط .
المعضلات الدينية والأخلاقية
لعل علماء الاجتماع والفلسفة والأخلاق محقون في حيرتهم وتخبطهم ، فالاستنساخ قبل كونه ثورة علمية هو ثورة على كل القوانين الاجتماعية ، و نسف للنظام الذكوري الأبوي الذي ظل قائما ومسيطرا مئات القرون . وهنا يطرح الاستنساخ معضلات خطيرة على هذا المستوى ، ماذا سيحل بالأسرة ، في حال تمكن المرأة من إنجاب طفل لوحدها ودون مساعدة أو وجود الذكر ؟ وهل تعتبر المرأة التي تنجب طفلا دون أن يمسسها بشر ، زانية ؟ وهل يعتبر طفلها شرعيا ؟ والكثير من الأسئلة التي ستحمل رعب تقويض المجتمع الأبوي ونظام الأسرة .
أما من وجهة نظر دينية بحتة فالاستنساخ لا يعتبر خلقا ، مادام الإنسان لم يتوصل بعد إلى تصنيع الصبغيات والمورثات التي تحمل الخصائص البشرية ، بل هو فقط يتعامل معها بشكل مختلف عن المألوف ، ومن ناحية ثانية ، فهل يعني الاستنساخ أن الإنسان يجري تجاربا معارضة للإرادة الإلهية ، أم أن الإرادة الإلهية التي خلقت العقل البشري هي التي مكنته من الوصول إلى هذا الحد من المعرفة ؟
هل تلك الثورة العارمة على الاستنساخ ، سببها الخوف الذكوري من إمكانية الاستغناء عن الذكور كليا في عملية التكاثر ؟ مبدئيا يظهر الأمر كذلك ، ولكن نظريا يمكن القول أن تطور التجارب العلمية قد يؤدي إلى الاستغناء عن الذكر والانثى معا واستبدالهما بمستودعات تحفظ بها الخلايا البشرية ، وربما فقط أحماضها الأمينية الحاملة للصفات المورثية ، وبحاضنات صناعية بدلا عن الأرحام .
إن الرفض الذي قوبل به الاستنساخ ، يعبر عن الخوف من المجهول ، الذي يطبع ردود فعل الإنسان تجاه ما يجهل ، ولا شك أن الاستنساخ سيخلق مشكلات أخلاقية ومعتقدية سيكون من الصعب إيجاد حلول لها ، وليس أسهل من رفض الجديد وتحريمه ، لكن ذلك سيكون كرد فعل النعامة بدفن رأسها في الرمال ، فالاستنساخ البشري قادم لا محالة ، ولعل من الحكمة أكثر التعامل معه كواقع ، سينتشر في المستقبل القريب ، وربما من الأسلم بدل تحريمه تنظيمه ، وبخاصة أنه من غير المنطقي شيوع استخدامه كوسيلة لتناسل البشر ، بوجود وسيلة أسهل وأرخص وأقرب إلى الطبيعة البشرية ، فالاستنساخ كما أعتقد سينحصر استخدامه كطفل الأنبوب في حالات جد خاصة .
إن كل ذلك التطور العلمي سواء استخدم للخير أم للشر لا يمكن أن ينفي حاجة الذكر والانثى لبعضهما روحيا وعاطفيا وجسديا ، كما لا يمكن أن يلغي حقيقة أن انتخاب الطبيعة لهذا الشكل من التكاثر بين البشر هو الأصلح والأمثل والأنسب للإنسان .
د. ميّة الرحبي