وسيلتا الخروج من الأزمة

صاعقة سقوط بغداد لم تحرك الشارع العربي الذي انكفأ على قهره ونحيبه ودموعه ، بقدر ما حركت أقلام النخبة المثقفة التي سارعت للكتابة والتحليل ومحاولة المزاحمة على إيجاد موطأ قدم في ملعب فكري يتبارى الجميع لتسجيل هدف سباق به ، ويأتي على رأس قائمة اللاعبين ، الأقلام التي طالما كتبت مسخرة أو مدافعة عن الأنظمة العربية المهترئة ، التي تخوض الآن مرحلة من أصعب مراحل تاريخها الممتد إلى عمق تاريخ الاستبداد والأنظمة القمعية ، فهي مهددة بأن تصبح في كل لحظة العروس غير المناسبة للعريس الأمريكي القادم بكل خيلائه ، بشروط تبدأ من تغيير لون بشرتها وعينيها إلى مفرداتها و تعابيرها وطريقة تفكيرها ، العروس اليوم تحاول جاهدة أن تغير ما بنفسها خوفا من أن يطير العريس “اللقطة” ويستقر به المقام عند جارتها التي لا تتميز عنها بالكثير سوى أنها أكثر مطاوعة وأكثر استجابة لشروط العريس المتبجح السخي ، مانح الخيرات و الليرات .

فالأنظمة العربية تتخبط اليوم مهددة محرجة ، وقد غدت مضطرة إلى تغيير جلدها ولونها ومناهج مدارسها وعقائدها الفكرية والدينية وثوابتها التي تشكل في بعض الأحيان إحدى دعامات وجودها نفسه ، خوفا من المصير الذي لاقاه النظام العراقي ،ذلك النظام الذي خدم أمريكا ومصالحها خدمة جليلة ، بالحروب المتتالية التي استنزف بها شعبه ، وبالقمع الأسطوري الذي أسكت به كل صوت مطالب بالحرية والديمقراطية ، وبالنهب المنهجي الذي قام به هو وأزلامه لخيرات البلاد ، حتى تحول شعب واحد من أغنى البلاد العربية وأعرقها ، إلى مجموعة من الشحاذين الصم البكم العمي .

في هذه المرحلة من التخبط نسمع بعض الأصوات التي تقرأ ما حدث في العراق من وجهة نظر عرجاء عوجاء متسائلة بدهشة واستنكار لماذا لم يدافع العراقيون عن وطنهم ، أين اختفى الجيش العراقي ، محيلة النكبة الصاعقة التي حلت بأمتنا العربية إلى الخيانة وقلة الوطنية ، متسائلة أين الأحزاب العراقية العريقة ،أين المتعلمين والمثقفين العراقيين ، أين الشعب العراقي الراقي الذي لم نر منه على شاشات التلفزيون غير اللصوص والنهابين ، كيف اختفى أي انتماء في العراق ولم يبق سوى الانتماء للمسجد والعشيرة . لماذا يقف المواطن العربي اليوم لا مباليا تجاه ما يحدث في العراق ، لماذا لم تتجاوز مظاهرات الاحتجاج على غزو العراق بضع مئات في كل عاصمة عربية ، في حين تجاوزت مئات الألوف في العواصم والمدن الغربية ، بل وصل الأمر ببعضهم إلى ترداد بعض النظريات الاستشراقية المهينة ، مرجعين إحباط الشارع العربية وانخفاض مؤشر مواطنيته إلى أدنى درجة ، وسلبيته ولا مبالاته بما يجري ، إلى طبيعة تكوين الإنسان العربي ، والعقل العربي المتعود تاريخيا على القمع والقهر .

في محاولة الإجابة عن السؤال الجوهري الأول كيف وصلنا إلى هنا ؟لابد أن نستند إلى حقيقة علمية تجزم أن كل خلق الله بشر متساوون في الإمكانيات العقلية ، ولا يوجد أي امتياز جيني لشعب على آخر ، أو لعرق على آخر ، وكل إنسان مفطور على الانتماء للجماعة ، وجزء من هذا الانتماء هو الإخلاص والدفاع عن هذه الجماعة ، والمكان الذي تترعرع فيه هذه الجماعة وتبني فيه حضارتها ، ربما يكمن الاختلاف في السمات الاجتماعية التي يتميز بها شعب عن آخر بحكم تراثه وتاريخه ، لكنها لا يمكن أن تصل إلى حدود إلغاء انتمائه لجماعته ، وتفكيره واهتمامه بمصيرها ومستقبلها .

إن الانتماء الذي كان للقبيلة والعشيرة والأرض التي تعيش عليها ، والدين الذي تدين به ، يفترض تحوله في عصر الدولة الوطنية إلى الانتماء إلى الوطن الذي يتمثل بالشعب ، والأرض التي يعيش عليها ، والقائمين على أموره المنتخبين من قبله ، والذين تنحصر مهمتهم الأساسية في خدمة مصالحه ، تحت رقابة مؤسساته المدنية .

في ظل هذه الشروط يخلق الانتماء و يتنامى الإخلاص للوطن ، هذا الإخلاص المتمثل في العلاقة المتبادلة بين الوطن والمواطن ، التي تتجلى في تأمين احتياجات المواطن في العيش ، والحرص على حريته وكرامته مقابل مساهمة المواطن في نماء وطنه وتقدمه ، ودفاعه عنه ضد أي خطر خارجي .

إن إي خلل في تلك العلاقة ، كما أثبتت التجربة العراقية المريرة ، تلغي انتماء المواطن وإخلاصه ، ومساهمته في الدفاع عن وطنه وتحيله إلى انتماءات ما قبل الدولة الوطنية ، إي انتماءاته الدينية و الطائفية والعشائرية والعرقية والمناطقية .

من ناحية أخرى تضع الأنظمة القمعية مقاييس جديدة للمواطنة والإخلاص للوطن قوامها الولاء المطلق للسلطة الحاكمة الممثلة بأشخاص ، وتغدو الانتهازية و الوصولية والتمسح بأذيال الحكام وسيلة للحصول على شهادة المواطنية الحقة من قبل الحاكم ، الذي نصب نفسه حاكما بأمر الله ، يملك وحده سلطة العطاء والمنح والعقوبة والمنع ، مصادرا عقول المواطنين مالكا وحده حق التفكير واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالوطن والشعب ، وتنتفي سلطة القانون لتحل محلها مشيئة الحاكم عن طريق محاكم استثنائية صورية وزبانية ينفذون صنوفا من القتل والتعذيب والنفي والتشريد لا تبتدعها إلا عقول إجرامية مرعبة ، ويصبح أي تجمع يزيد عن ثلاثة جريمة في نظر القوانين الطارئة , بل تستدعي حتى حفلات الأفراح موافقات أمنية , ويضيق الخناق حتى على عمل الجمعيات الخيرية. ويتحول الحزب الحاكم إلى تجمع صوري لملايين الانتهازيين والوصوليين ، وتصطنع تشكيلات ورقية لبرلمانات ونقابات وتحالفات جبهوية لا عمل لها سوى التهليل ومباركة كل خطوة جديدة للحاكم .

ويصير الهم الوحيد لتلك الأنظمة الحفاظ على السلطة مهما كان الثمن ، ونهب اللقمة من فم المواطن وتحويلها أرصدة شخصية في الخارج .

في هذه الأجواء الممتدة عقودا وربما قبلها قرونا ، تطرأ تبدلات شخصية واجتماعية على المواطن الذي عاش تلك العقود من القمع والقهر وتغييب العقل ، هذا إن كان سلم على حياته أو حريته أو أعضاء جسده التي يمكن أن تبتر عقوبة على ذنوب أتفه من تافهة، والأهم بتر لسانه وقدرته على الكلام والتعبير والاحتجاج والاعتراض ، وتحويله آلة تلهث وراء مستلزمات العيش ،فموظف الدولة لا يستطيع أن يلبس سوى مخلفات ما تجود به عليه الدول الأوربية من ملابس مستعملة ، راتبه لا يكفيه أكثر من الأسبوع الأول من الشهر ، بل ربما اليوم الأول الذي يجري فيه من مكان إلى آخر لتسديد فواتير الكهرباء والهاتف والأقساط والديون المتراكمة ، ليقضي بقية الشهر لاهثا بعد الدوام الرسمي ، يمارس أعمالا إضافية مشروعة وغير مشروعة ، تبدأ من البسطات على قارعة الطريق وسياقة التكسي وتنتهي بالسمسرة والسرقة والرشاوي ، ليعود إلى بيته منهكا بعد أكثر من اثنتي أو أربع عشرة ساعة من العمل المتواصل ، لا يؤمن منه أكثر من طعام مزر لعياله ، لأن اللصوص الكبار لم يتركوا له حتى من الأعمال اللامشروعة إلا الفتات ، ويصبح الطعام الصحي والطبابة والتعليم ، والتدفئة في الشتاء أو التبريد في الصيف ، والمواصلات أو وسائل الاتصالات ، والملابس غير المهترئة ، ترفا لا يقدر عليه إلا اللصوص الكبار . فمعيشة الفرد العربي في أكثر الدول العربية تستلزم عشرة أضعاف راتبه الذي يتقاضاه من الدولة كي يعيش كما يعيش أي إنسان عصري ، متمتعا بمستلزمات العيش الأساسية دون تقتير أو شد أحزمة تقطع البطون .

من ناحية أخرى أدت أجواء الرعب والخوف التي هيمنت على المواطنين إلى تحجيم العقل العربي , وسيطر الخوف والذل على العباد، ويأس البشر من الحل مما قادهم إلى حالة من الاستسلام والإحباط ، فلجأ العقل الإنساني لأسلوب دفاعي قوامه إعارة العقل للمستبد ، وتركه يتحكم بمصائر البشر ، ويفكر عوضا عنهم ،خاصة في حالات الكوارث الكبرى ، ” فمن قادنا إلى ذلك الجحيم ، ليتفضل ويخرجنا منه ” .

وانتشرت ثقافة ” الإيد اللي مافيك تكسرها بوسها وادعي عليها بالكسر ” و ” اللي بيتجوز أمك بيصير عمك ” و ” امشي الحيط الحيط وقول يا ربي السترة ” وغير ذلك من الأمثال التي عبرت عن مفاهيم طارئة سيطرت على الشعوب العربية المقهورة , وغابت مفاهيم الحرية والحق والعدالة , وأصبحت غائمة مغيبة خلف مفاهيم الظلم والفساد والمحسوبيات والانتهازية وبيع الضمائر ، وغدت الطاعة العمياء للحاكم , ومحاباته , وغض البصر عن عيوبه ومظالمه السبيل الوحيد للعيش , و مجرد الكلام وانتقاد المظالم جريمة عقابها السجن والقتل والنفي والتشريد , و همس الشكوى في أذن الصديق جرأة ترتجف لها القلوب فرقا , لأن ضمان الصداقة في تلك الأزمنة الرديئة مرادفا لمستحيلات العرب , الغول والعنقاء , ففقد الحوار , وتقوقع كل في شرنقته كافيا خيره شره , طامعا في الحياة وهو ليس بحي , يخال نفس طليقا ناجيا من زنازين السجن الرهيبة , وهو يعيش سجنا أشد وأرهب دون أن يدري , بفقدانه التواصل مع أخيه الإنسان .

هكذا توارثت شعوبنا ثقافة الخوف والرعب والقمع , وبات الإنسان العربي يبحث عن شكل من أشكال الأمان النفسي أو الروحي في حضن طائفته أو مجموعته العرقية أو المناطقية ، وأصبح الدفاع عن الأوطان لا يفهم إلا بحدود الجهاد الديني ، وتميعت حدود الأوطان في دعوات إلى أمم حديدة تقوم على أساس ديني طائفي ، وتحول كل مقموع من قبل الأقوى إلى قامع للأضعف ، وكل مواطن نسخة عن الطاغية الكبير في أي مكان يمكن أن يمارس فيه طغيانه ، كمدير دائرة عل مرؤوسيه ، أو معلم عل تلاميذه ، أو موظف على المراجعين ، بل حتى مرافق سائق الباص في رحلة بين المحافظات على الركاب ، وأخيرا الرجل المقموع خارج المنزل إلى طاغية متجبر قامع لزوجته وأولاده ، وكان الأكثر تضررا من هذا الوضع الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا وبخاصة النساء والأطفال والمهمشين اجتماعيا .

إن إعادة تفعيل المجتمعات العربية التي عانت هذا التاريخ الطويل من القمع والقهر , , يتطلب لاشك سنوات طويلة من العمل على إعادة بناء الفرد والمجتمع بتعليم الإنسان العربي أبجدية الحوار , تعليمه التخلي عن فردانيته وخوفه ورعبه ورهبته والبدء بالاندماج فردا حرا فعالا مسؤولا في المجتمع ،و إعادة ثقته بنفسه ومجتمعه , بإمكاناته وقدراته ، ونشر قيم بديلة, وإعادة تواصل الإنسان مع أخيه الإنسان ضمن تجمعات مدنية لا عشائرية قبلية ، طائفية أو عرقية , وذلك بإطلاق الدعوة للحوار على كافة الأصعدة ، في ظل عملية إصلاح شاملة ، تعيد للمواطن حريته وكرامته ومشاركته ، ولن يتم ذلك دون خطوات ملموسة تعيد الطمأنينة إلى نفسه وتبعد شبح الخوف المهيمن عليه كي يساهم مطمئنا في إعادة بناء الوطن من الداخل ، وعلى رأس هذه الخطوات إلغاء قوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية وإطلاق سراح معتقلي الرأي ، ومكافحة الظلم والفساد ، وسيادة القانون ، وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني برفع هيمنة الدولة على النقابات وتحويلها إلى مؤسسات فعالة مهمتها الرئيسة الدفاع عن حقوق أعضائها ، وإلغاء الحظر على إنشاء الأحزاب والجمعيات ، وإجراء انتخابات حرة نزيهة ، عندئذ فقط يمكن أن يحس المواطن بالانتماء حقا لوطنه ، ويساهم في الدفاع عنه والحفاظ عليه ورفعته ونمائه .

ميّة الرحبي