ورشة عمل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل

كتبت الصحفية ميس يوسف مقالا في صحيفة النور بتاريخ 16/2/2005 بعنوان تطوير العمل الأهلي أم التفاف عليه؟! تتحدث فيه عن ورشة العمل التي نظمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع سفارة الاتحاد الأوربي في دمشق، والتي عنونت بـ”تطوير العمل الأهلي”وتساءلت إن كانت هذه الورشة محاولة للالتفاف، وأنا أشاركها التساؤل ، وأستند إلى مؤشرات ترجح عندي مقولة الالتفاف.

قامت الهيئة السورية لشؤون الأسرة مشكورة بدعوة اللجان الأهلية غير المرخصة المهتمة بشؤون المرأة، عدة مرات ، في بادرة وجدنا فيها – خاصة أن الهيئة تمثل جهة حكومية – خطوة على الطريق الصحيح نحو اعتبار هذه اللجان نويات عمل لجمعيات داعمة لقضايا المرأة، يمكن أن تكون رديفا ومشاركا في أي جهد حكومي يمكن أن يقوم في هذا المجال ، كما يحدث في كل أصقاع الأرض ، وقد دعت الدكتورة منى غانم رئيسة الهيئة في اللقاء الأول إلى التشبيك مع المنظمات غير الحكومية، مما أثار تساؤلا أساسيا ، أين هي هذه المنظمات مادامت الدولة تحجب الترخيص عن الجمعيات، ولا تعطيه إلا للقلة القليلة، التي لها قنواتها الخاصة، التي تستطيع أن تصل بها إلى مراكز صنع القرار، وكان نتيجة الاحتجاج أن طالبت الدكتورة غانم، تلك اللجان غير الحكومية وغير المرخصة بوضع تصورها الخاص عن التغيير المطلوب في قانون الجمعيات، بحيث يلبي احتياجات الجمعيات، ويؤسس لعلاقة قانونية جديدة بين الجهات المدنية والحكومية، تهدف إولا وأخيرا إلىخدمة الوطن، وبناء على ذلك قامت ورشة عمل من اللجان الأهلية المهتمة بقضايا المرأة،اجتمعت مرات عدة وهي بصدد إصدار مشروع تصورها عن قانون الجمعيات

فوجئنا بورشة عمل الوزارة، التي لم تدع إليها أي من اللجان الأهلية، وكان من الواضح أن العقلية التي حكمت هذا النشاط هي نفسها تلك العقلية التي حكمت علاقة الرسمي بالشعبي على مدى عقود في سورية، فالأساس في التعامل هو الولاء، وكان من الواضح أن اغلب الأسماء التي دعيت هي تلك المنسجمة تماما مع تصورات الحكومة بحيث استبعد أي اسم يمكن أن يعترض أو ينتقد

إصرار الجهات الرسمية على تسمية التجمعات المدنية بالتجمعات ” الأهلية” رغم أن جميع الدراسات السياسية والاجتماعية، قد ميزت بين التجمعات الأهلية والتي تأخذ شكل تجمعات ما قبل الدولة من تجمعات فبلية وعشائرية وأسرية ومناطقية ودينية وطائفية، في حين حددت تلك الدراسات توصيف التجمعات المجتمعية الحديثة ، والتي تشكل جزءا من بناء الدولة الحديثة، باسم التجمعات المدنية، وأطلقت على مؤسساتها اسم ” مؤسسات المجتمع المدني” ولا أجد أي مبرر لهذا اللبس في التسمية، سوى أن الجهات الحكومية ترفض اعتماد التسمية الدقيقة الصحيحة، فقط لأن من نادى بها أولا جهات غير حكومية، خارج عباءة السلطة.

من الواضح تماما الإصرار على الإبقاء على شكل العلاقة المرضية بين الحكومة والمواطنين، تعتبر فيها الحكومة المواطنين ، قصرا ، غير كاملي الأهلية، ليسوا موضع ثقة، مجرمون مدانون حتى يثبت العكس ، ولعل كلمات السيدة الوزيرة أكبر دليل على بقاء هذا الشكل من العلاقة وإن كان بشكل غير صريح، إذ تقول في معرض ردها على الخبير الاسباني في قانون الجمعيات، عن السبب في عرقلة منح التراخيص للجمعيات”كل الدول تدقق. ونحن بوصفنا دولاً نامية علينا التدقيق أكثر حتى نحمي أنفسنا من الداخل ونحميكم في الخارج!! ويجب علينا أن نتأكد أن المؤسسين لا يريدون التشويش على غيرهم حتى لا يجري استغلال تأسيس الجمعية بأعمال إرهابية”! إذا فكل من يفكر بإنشاء جمعية ، يحتمل أن يكون إرهابيا ، وكأن من يريد القيام بأعمال إرهابية، بحاجة لأن ينشئ جمعية ويطالب الدولة بترخيصها له ، في حين تنتشر خلايا الأعمال الإرهابية في العالم كله بشكل سري.

إن العلاقة المرضية القائمة بين الحكومة والشعب، تقر ضمنا بعدم استقلالية القضاء ، أو عدم الاعتراف بوجوده أصلا ، مما يحتم على الجهات الحكومية القيام بخطوات استباقية ، ” تحمي ” حسب زعمها الدولة من أي شخص يمكن أن تتكهن مسبقا بأنه يمكن أن يقدم عن طريق النشاط المجتمعي إلى إي ممارسة، ربما تؤدي إلى الإضرار بأحد، فأي منطق هذا يمكن أن يحكم العلاقة بين المواطن وحكومته، المواطن في كل أنحاء الدنيا هو شخص نزيه شريف محب لوطنه يعمل على خدمته ، خاصة إذا نذر نفسه للشأن العام ، والشاذ عن هذه القاعدة بعض الأفراد الذين يمكن أن يسيئوا ، وعقوبة إساءتهم لمجتمعاتهم يحددها القضاء النزيه العادل، ولكن كم يكون وطنا بائسا ذلك الذي تكون القاعدة فيه أن المواطنين مسيئون، و لابد من اتخاذ احتياطات مسبقة للحيلولة دون إساءتهم، يا لبؤسه وبئس أبنائه

في حين يحيلنا رد السيد محمد العمادي على موضوع آخر في رده على الخبير الإسباني عن أسباب عرقلة الترخيص للجمعيات “ربما التقى العيّنة غير المناسبة التي أخبرته عن عراقيل في تأسيس الجمعيات عندنا”!. وكأن ذلك غير موجود ، ماذا يسمي السيد العمادي مئات التراخيص الموضوعة في دروج الوزارة ، ماذا يسمي منع الترخيص للجمعيات خلال أكثر من أربعة عقود، أين يمكن إخفاء حقيقة أن الجمعيات الموجودة على أرض الواقع جمعيات كانت أصلا قائمة قبل آذار 1963، وأغلبها جمعيات خيرية، وعدم تجاوز عدد الجمعيات في سورية كلها 700 بكل أشكالها وألوانها ، في حين يبلغ ذلك العدد الالآف ، ليس بعيدا بل في الدول العربية المجاورة

وهنا لابد من إيضاح بعض النقاط الأساسية من وجهة نظرنا، “العمل الأهلي ” موضوع الورشة، والمقصود به كما ذكرنا “العمل المدني” ، لايشمل الجمعيات فقط ، بل تعريفا الأحزاب والنقابات والاتحادات، أي كل المنظمات غير الحكومية ، والتي أطلق عليها في كل الدراسات السياسية المجتمعية العربية “مؤسسات المجتمع المدني” ، التي تشكل منظومة مجتمعية مكملة لبنية الدولة الوطنية الحديثة ، فمؤسسات المجتمع المدني هي تجمعات لمواطنين تجمعهم مصالح وآمال مشتركة ، لا تتغير بتغير الحكومات المتعاقبة ، فهي الثابت والحكومة هي المتغير في بنية الدولة ، وتكمن أهمية هذه التجمعات فيما يلي :

1- هي شكل متقدم على التجمعات الطائفية والاثنية ، والعشائرية والمناطقية ، وبالتالي هي عامل مساعد في تطوير المجتمعات وتقدمها

2- تكرس هذه التجمعات مبدأ المواطنة ، وتزيد من عرى الوحدة الوطنية

3- تشكل هذه التجمعات جزءا هاما من النظام الديمقراطي ، بوصفه أرقى شكل من أشكال الحكم ، توصلت إليه الحضارة الإنسانية.

وتتميز الجمعيات بكونها مؤسسات مجتمع مدني لا تعمل في السياسة بشكل مباشر ، ولا تهدف للمشاركة في الحكم ، ومن هنا تأتي أهميتها المجتمعية.

ـ لابد أن تؤمن الدولة بأهمية مؤسسات المجتمع المدني، وتعتبرها شريكا ورديفا لعمل المؤسسات الحكومية، فعلا، لا قولا فقط، ولا تقف منها موقفا عدائيا مسبقا، ولا بد من نبذ عقلية الوصاية التي طبعت الأنظمة العربية ، وصادرت أي عمل مجتمعي .

وفي حين يمتد دور الأحزاب والنقابات لرسم أبعاد سياسية لنشاطها ، والمشاركة في

يتلخص دور الجمعيات في :

ـ نشر الوعي في المجتمع بحقوق الفئة الاجتماعية التي تدافع عنها

ـ تشكيل جماعات ضغط على الحكومات المتعاقبة لسن أو تغيير قوانين أو أنظمة لصالح الفئة التي تدافع عنها

ـ إنشاء مراكز أبحاث أو خدمات للفئة التي ترعى مصالحها

ـ لا تتألف الجمعيات بالضرورة من أشخاص ، من الفئة التي يرعون مصالحها بالضرورة ، بل يمكن أن يكونوا أيضا من ـ

الأشخاص المؤمنين بحقوق هذه الفئة ، وأهمية الدفاع عنها .

ـ لابد أن تؤمن الدولة بأهمية مؤسسات المجتمع المدني، وتعتبرها شريكا ورديفا لعمل المؤسسات الحكومية، فعلا، لا قولا فقط، ولا تقف منها موقفا عدائيا مسبقا، ولا بد من نبذ عقلية الوصاية التي طبعت الأنظمة العربية ، وصادرت أي عمل مجتمعي .