يبدو أنه بات ضروريا ايضاح موقفنا من مؤتمر “صانعات السلام” الذي عقد في بيروت 20-21 أيار، حتى لا تختلط الأوراق بال”هوجة” الإعلامية التي اعتاد الملفقون استخدامها لتمرير وتثبيت مواقف ورؤى تخلط الحابل بالنابل.
لقد انسحبنا بعد اليوم الأول من المؤتمر احتجاجا على ما يمارسه المجتمع الدولي اليوم من تسويق لفكرة أن النساء حمامات سلام يردن السلام بأي ثمن، ومهما كان الثمن حتى لو كان تجاهل كل التضحيات التي قدمها شعبنا لنيل حريته وكرامته.
دعينا مؤخرا إلى عدة مؤتمرات وورشات عمل تحاول تسويق هذه الرؤية، تبدأ كلها وتنتهي بحلقات بكائية تكرَّس المرأة فيها كمخلوق عاطفي، دوره فقط هو التفجع على مصير الوطن واستعطاف “الرجال”، والجلوس على أبواب مؤتمراتهم لحثهم على المصالحة. أهذا هو الدور المناط بالمرأة السورية التي شاركت في مقارعة الاستعمار وساهمت في بناء الدولة السورية الحديثة، وفي مناهضة الاستبداد فاعتقلت واضطهدت وحوربت في لقمة عيشها؟ أهذا مصير النساء اللاتي ساهمن في الثورة السورية السلمية التي خرج بها الشعب مطالبا بحريته وكرامته، وكان لها الدور الأبرز في إغاثته، فقُتلت واعتقلت وعُذبت ونُزّحت وهُجّرت ؟
لقد رأينا تجارب شعوب سبقتنا انتهت الصراعات فيها بتثبيت سلام مشوه أبقى على أمراء الحروب في مواقع السلطة، وحولهم إلى أثرياء حروب يتلاعبون بمقدرات البلاد وثرواتها، وهمش غالبية الشعب الذي بذل التضحيات، وأفقره، حتى بات لا حول له ولا قوة، ينظر متحسرًا إلى ماضيه، يتساءل: هل كانت تلك التضحيات مبررة ما دامت هذه هي النتيجة، وما الفائدة من سلام يبقي الجمر مشتعلا تحت الرماد ويحول البلاد إلى قنبلة موقوتة يمكن ان تنفجر في أي لحظة؟
ساهم المجتمع الدولي كله في ذبح الشعب السوري، فقد سكت على كل ممارسات النظام الذي دفع بالعنف المفرط الذي مارسه تجاه المتظاهرين السلميين في تحويل الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، ثم سكت المجتمع الدولي على تدخل جهات اقليمية ودولية كل منها يحاول تكريس مصالحه عن طريق دعم مجموعات مسلحة معينة، انتهاء باجتياح إرهاب داعش نصف مساحة سورية، تحت سمع وأنظار العالم كله. لم يعترض المجتمع الدولي سوى على السلاح الكيمياوي، وكأن قتل السوريين بجميع أنواع الأسلحة الأخرى مباح. خضع المجتمع الدولي للفيتو الروسي الذي لولاه لكان بالإمكان إيقاف مقتلة الشعب السوري في بداياتها. واليوم يقصف المدنيون في المدارس والمشافي والأسواق والأفران ومراكز الدفاع المدني من قبل طيران النظام والطيران الروسي، وتستهدف غارات التحالف المدنيين أكثر بكثير من استهدافها مقرات داعش. وحتى عندما توصل مجلس الأمن إلى إصدار القرار 2254 فقد دعا إلى “حكم ذي مصداقية جامع غير طائفي” في جملة مبهمة يفهم كل منها ما يريده، وتسمح بتمرير أي حل ممكن سواء كان في صالح الشعب السوري أم لا.
كوننا نساء لا يعني بأننا نقبل بأي سلام، نحن داعيات سلام بالتأكيد، وداعيات حل سياسي، ولكن ليس أي سلام، بل هو السلام العادل الشامل المستدام، الذي لن يتحقق إلا بالموازنة بين المسامحة والمحاسبة، مسامحة من اختلف معنا بالرأي وعاضد جهة على حساب أخرى، ومحاسبة من تلوثت يداه بدماء السوريين، السلام الذي سيغير بنية الدولة من دولة الاستبداد إلى الدولة الديمقراطية التعددية الحديثة، دولة الحق والقانون، دولة المواطنة المتساوية التي لا تميز بين مواطنيها لا على أساس العرق ولا الدين ولا الطائفة ولا المنطقة ولا على أي أساس كان، دولة تحقق المساواة بين نسائها ورجالها دون أي تمييز، وتجرم أي عنف ضدهن، وتضمن مشاركتهن الفاعلة في جميع مناحي الحياة.
لن نقبل بتنميط دورنا من أي جهة كانت، وسنناضل من أجل أن نشارك مشاركة فاعلة في جميع مراحل صنع السلام في سورية بدءا من المفاوضات وانتهاء بصياغة دستور دائم للبلاد في نهاية المرحلة الانتقالية ينص على وحدة سورية أرضا وشعبا، وسيادتها واستقلالها، يضمن الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمساواة في الحقوق بين جميع المواطنين والمواطنات، يضمن سيادة القانون وفصل السلطات والعدالة الاجتماعية.
لن نقبل بأن نستخدم من أي جهة كانت لتمرير سلام مشوه وحكومة مرقّعة تعيدنا إلى مرحلة ما قبل الثورة، وتضيع كل التضحيات التي قدمها شعبنا، بل هيئة حكم انتقالي بسلطة تنفيذية وسلطة تشريعية تمثل كل أطياف الشعب السوري، وسلطة قضائية نزيهة مستقلة تراقب وتحاسب، وعدالة انتقالية تخضع كل من أجرم بحق الشعب السوري إلى محاكمة عادلة.
قد ينجح المجتمع الدولي اليوم بتمرير ما يريده خدمة لمصالحه وتوازناته وصفقاته، قد ينجح في تمرير تسويات ظالمة لا تعير أي اهتمام لمصالح الشعب السوري ورغباته، فشعبنا اليوم ضعيف ومقهور ومنهك، ولكن ذلك لن يستمر إلى الأبد، ف “نحن محكومون بالأمل وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ” كما قال المرحوم سعد الله ونوس، ويبدو أن قدرنا أن نناضل عمرنا كله بل نحن والأجيال القادمة إلى أن نصل إلى حريتنا والدولة التي ننشد.
هذه رؤيتنا للسلام، وبغيره لا يمكن بناء الدولة التي حلمنا بها وناضلنا من أجلها وبذلنا التضحيات.
عاشت سورية وعاش شعبها حرا كريما.