لايمكن إنكار الدور الهام الذي قامت به الفضائيات العربية في فتح النوافذ المغلقة على عقول مواطني البلدان العربية، فقبل عصر الفضائيات مارست الأنظمة الشمولية حصارا قل نظيره في التاريخ على رعاياها- ولا أقول مواطني دولها- بحيث كانت الجرائد الرسمية، والكتب الموافق عليها من الرقابات المتشددة، والتلفزيونات الوطنية ، والتي كانت مجرد بوق للسلطات الحاكمة، مصدر الثقافة الوحيد للإنسان العربي المضطهد المقهور، وكان سعيد الحظ من يتمكن من التقاط برنامج ثقافي هنا أوهناك على إحدى المحطات الإذاعية، أو يتمكن احدهم من تهريب كتاب أو جريدة أو مجلة له عبر الحدود المحروسة بعيون متنبهة يقظة تغمض العين عن أي مادة مهربة عدا أخطرها، الصفحات المطبوعة.
وقد حاولت تلك الأنظمة، في بداية عصر الفضائيات، جاهدة محاصرة صحون الالتقاط من على أسطح المنازل دون جدوى – وربما كان نظام صدام الوحيد الذي تمكن من ذلك – وبدأت الفضائيات تغزو العقول والقلوب والاهتمام.
ثقافيا، هنالك العديد من البرامج التي طرحت موضوعات جادة، وتطرقت إلى أزمات حقيقية في الثقافة العربية المعاصرة، واستضافت مفكرين على قدر كبير من المعرفة والخبرة، كما تولت التعريف بكثير من جوانب الحياة الثقافية ، والحركات الثقافية، والأخبار والمنجزات على صعيد الفكر العربي في العديد من الدول العربية ، إلا أن ما يؤخذ على هذه البرامج نقاط عدة يمكن إجمالها فيما يلي:
1- انتقائية الموضوعات الثقافية المطروحة ، بحيث تتناسب مع الترغيب والتشويق ، الذي تتطلبه صناعة التلفزيون، وإهمال بعض الموضوعات ، التي ربما تكون أكثر أهمية وتأثيرا في عمق المجتمعات العربية.
2- التناول السطحي السريع لبعض القضايا بما يتناسب والوقت الضيق الذي يخصص لكل برنامج، بحيث يحس المتابع أن تناول الكثير من القضايا يتم دون إشباع أي منها مناقشة وتحليلا.
3- تأثر المواد الثقافية المطروحة بسياسات المحطات، التي تلون جميع المواد بلون موحد، يتناسب مع الفكر الذي ترغب هذه المحطة بترويجه، بحيث باتت بعض الفضائيات صورا مستحدثة لأبواق جديدة تخدم جهات مستبدة بديلة عن الأنظمة الشمولية سابقا، ولكن على نفس المبدأ.
4- اعتماد بعض الشخصيات المحددة من قبل بعض المحطات ، والتي تناسب طروحاتها
سياسات هذه المحطة، حتى تحول بعض هذه الشخصيات السياسية أو الثقافية إلى نجوم إعلاميين، يقارعون ممثلي السينما شهرة وظهورا على شاشات التلفزة، مما يعيق سماع آراء شخصيات هامة ، يمكن أن تغني موضوع البحث بآراء ربما اكثر عمقا.
5- ميل بعض المحطات لمحاباة بعض الأنظمة العربية ، بحيث تجافي الموضوعية عند طرحها لبعض الموضوعات في بلد عربي معين، أو وضع المثقفين العرب في هذا البلد، والضغوط التي يتعرضون لها.
6- اعتماد سياسة تقوم على الصدفة والاعتباطية في استضافة بعض الشخصيات العربية، لطرح موضوع ما، لا على معرفة دقيقة بالمفكرين أو الباحثين العرب في بلد عربي معين.
7- استنساخ أساليب بعض البرامج الغربية، ولكن دون وجود مقدم أو محاور، يمكن أن يدير النقاش الثقافي بكفاءة تعادل كفاءة مقدم البرنامج الأصلي، ولا يعني ذلك عدم وجود كفاءات عربية، ولكن ربما اعتماد موازين تعيين معدي ومقدمي البرامج لاتعتمد على الكفاءة، وإنما المعرفة الشخصية،كما في كل المجالات الأخرى.
إن هذه الملاحظات لا تلغي بالتأكيد الدور الإيجابي الذي لعبته وتلعبه الفضائيات العربية، في طرح قضايا ثقافية هامة ، والتعريف بالكثير من الأبحاث والأنشطة والفعاليات الثقافية، والتلاقح بين الأوساط الثقافية المتعددة في البلدان العربية.