الدساتير والقوانين العربية المميزة ضد النساء

تقدم الأبحاث الأنثروبولوجية التي اوضحت تطور التاريخ البشري من العصر المومي الذي سادت فيه مشاعية العلاقات الإنسانية والملكية، إلى العصر الذكوري الذي نشأ مترافقا مع الملكية الخاصة، ماقاد إلى نزعات التملك والسيطرة بالقوة والتي أدت إلى النزاعات والحروب. وربما تفيدنا هذه الأبحاث في فهم السياق الذي أدى إلى البطركية وتقسيم الأدوار الاجتماعية على أساس الجندر.

ووفقاً لإنجلز بدأ تشكيل الدولة في هذا السياق إذ كان على أصحاب السلطة والقوة تعيين محاربين أشداء تحت أمرتهم للدفاع عن ملكياتهم ضد الغزو الخارجي، ودفع المهمشين لأصحاب السلطة أتاوة تقتطع من لقمتهم ولقمة أطفالهم مقابل حمايتهم.

في ظل هذه التركيبة الاقتصادية السياسية الاجتماعية كان لابد من وضع قوانين تتناسب معها تضع حدوداً للعلاقات بين البشر.

عكست تلك القوانين في صلبها الرؤية الذكورية لتلك العلاقات في المجالين العام والخاص, وحتى عندما كان الحديث عن ضرورة تحقيق القونين للعدالة، فتلك كانت تعني العدالة بين الرجال الأحرار، ولم يعتبر العبيد والنساء والأطفال بشراً يستحقون أن تشملهم هذه العدالة.

ولأن البشر بشراً، يمتلكون عقولاً، تميز بين الحق والباطل، وبين الظلم والعدالة، لم يصمت المقهورون على ظلمهم، وتكررت الثورات في التاريخ البشري من المقهورين على ظالميهم، ما أجبر المستبدين على تعديل القوانين التي تحكم مجتمعاتهم بما يعطي رغما عن إراداتهم بعض الحقوق للمقهورين، وليس كلها، ولا زال الصرع مستمرا إلى حين تحقيق العدالة في الأرض لكل مظلوم وكل مقهور.

لماذا تأخرت الثورة النسوية عن ثورات العبيد والثورات الفلاحية والثورات العمالية وثورات الشعوب المظلومة؟ فطالما شعلرت النساء بالقهر والظلم ولاشك أنهن يمتلكن عقولاً قادرة على التمييز بين الظلم والعدالة والحق والباطل. هنالك أسباب عدة يمكن أن تفسر ذلك أولها أن النساء معزولات عن بعضهن في البيوت والثورات بحاجة دائما لتجمع قوى المقهورين مع بعضها، وظالمي المرأة أحياناً هم الأقرب لها في العلاقات السائدة: الأب والأخ والزوج والإبن، كما أن عزل النساء عن المجال العام جعلهن أقل معرفة وإطلاعاً وأقل قدرة على الإطلاع على تجارب الآخرين، لذا كانت ثورات النساء فردية وتم قمعها ببساطة باتهام أي متمردة بالسحر أو الشعوذة أو الخروج على تقاليد المجتمع، أو تلويت شرف العائلة، وكان الحكم الصادر دائما هو الموت.

في البدء كانت الأديان دعوات لنشر الحق والعدل بشر بها أنبياء هالهم الظلم المنتشر في الأرض، لكن السلطات البطريركية استطاعت استيعابها وتحويلها إلى أداة من أدوات السيطرة وتعميق استبدادها للضعفاء والمهمشين.

وحتى مفكرو عصر النوار الذين دعوا إلى الحرية والأخاء والمساواة كانوا يعنون في أدبياتهم الرجال فقط، وعلى رأسهم، ومفكر الثورة الفرنسية جان جاك روسو أبرز مثال على ذلك.

بعد عصر الأنوار وابتداع العقل البشري للنظام الديمقراطي، بدا وكان العدالة في طريق التحقق، فالشعب، كل الشعب ممثلاً بكل أطيافه وفئاته سينتخب من يحكمه، لكن تحكم رأس المال والقوة استطاعا أن يتكيفا مع النظام الديمقراطي ويسخرا أدواته لصالحهما.

لازال الظلم والاستبداد وتحكم راسمال سائدا في كل بقاع الأرض، ولا زالت من يمتلك القوة هو المسيطر، ولازال أغلب البشر محكومون بشكل أو عدة أشكال من الاستبداد، ولا زال نصف هؤلاء البشر، النساء يحكمن بأشكال متقاطعة من التمييز والاستغلال وانتهاك جميع حقوقهن، وكل ذلك نجده مشرعناً ينعكس واضحا في الدساتير والقوانين، التي ويا للغرابة تضع الحق والعدل عنواناً لها، وتستخدم الأديان والأعراف والتقاليد الذكورية السائدة وسيلة لشرعنة التمييز والعنف المتغلغل في ثناياها.

ارتكزت القوانين الدساتير والقوانين الأديان وأعراف المجتمع لوضع تحفظاتها على جميع المواثيق والاتفاقات الدولية المختصة بحقوق الإنسان، إإذ تجلت تلك التحفظات بجمل تشترط عدم تعارض تلك المواثيق مع الشرائع السماوية أو أعراف وتقاليد المجتمع، ما حرم الكثير من الفئات المهمشة المستضعفة من حقوقها، وعلى رأس تلك الفئات، النساء، نصف المجتمع.

ورغم أن جميع الدساتير العربية تشير في غحدى موادها إلى أن جميع الموامنين متساوون في الحقوق والواجبات، إلا أنها تشير في نفس الوقت تشير جميع الدستاتير العربية سواء في ديباجتها أو موادها إلى أن الأديان هي مصدر التشريع وأن الأحوال الشخصية للمواطنين محكومة بشرائع الطوائف الدينية، ما يفتح الباب أمام وضع قوانين أحوال شخصية متناسبة مع أحكام دينية مميزة ضد المرأة صيغت من قبل فقهاء مشبعين بالعقلية الذكورية قبل مئات السنين، ما جعل التشريعات التي يفترض بها تنظيم العلاقات بين البشر غير متناسبة إطلاقا مع شكال العلاقات المعهاصرة، وما يجعل التمييز بين الرجال والنساء وبين النساء في البلد الواحد، بل حتى العنف ضدهن مشرعنا.

أمثلة

تطغى على الدساتير والقوانين العربية اللغة الذكورية ما يستبطن في أغلب الحالات أن الشخاص الذين سيكونون في مراكز صنع القرار ذكورا

أمثلة

وحتى الصيغ التجميلية التي تحاول الدساتير الغعربية أن تظهر بها مواكبة للعصلر توضع بصيغ عامة مبهمة، كتشجيع مشاركة النساء في الحياة العامة دون الإشارة إلى أي إجراء يمكن اتخاذه في سبيل ذلك ، تعويضاً للنساء عن الظلم التاريخي الذي وقع عليهن.كإقرار الكوتا النسائية

تنتج هذه الدساتير قوانين أحوال شخصية مميزة ضد النساء ومشرعنة للعنف ضدهن، فجميع قوانين الأحوال الشخصية العربية تستبطن قوامة الرجل على المراة في الحيز الخاص، إلزامه بالنفقة وإلزامها بالطاعة، بل أنها تشرعن المهر كثمن للمرأة ولا تسمح للرجل بالدخول بها إى بعد دفع المهر، ويحق للمرأة الامتناع عن العلاقة الجنسية إذا لم يدفع كامل المهر، غذن المفهوم الذي تقوم عليه قوانين الأحوال الشخصية هي أن الرجل يشتري المرأة بغرض التعة وإنجاب الأطفال، هو ملزم بالنفقة، وهي ملزمة بالطاعة ما دام مهرها قد دفع، ملزمة بتقديم المتعة ولا يحاسب الزوج على اغتصاب زوجته في قانون العقوبات، هي تحمل أبنائه، وهو يعطيها أجرة حضانتهم وإرضاعهم، وتستخدم قانونا أجرة، لأنهم ليسوا أولادها بل أولاده وذلك ما يقره قانون الجنسية في أغلب الدول العربية، والعصبة من الذكور من أهل الزوج هم الأوصياء على الولد في حال غياب الأب، حتى عندما يكون جنينا في بطن الأم، فالمرأة بهذا المفهوم هي وعاء لحمل الطفل وإرضاعه ورعايته بأجر ريثما تحل السن القانونية لإعادته لأبيه، مالكه الأصلي، والقانون لايزال يحتفظ بإشارات تعود إلى العصر الذي نشأت فيه السرة الشرقية من رجل يمتلك زوجاته وأطفاله وعبيده. الزوجة ملزمة بالسفر ممع زوجها إلى المكان الذي يحدده هو.

أغلب القوانين العربية لاتنظم أثناء العلاقة الزوجية سوى مسألة الإنفاق والطاعة، بل تمنح سلطة التأديب للرجل وتعطيه حق التصرف في مستقبل أولاده ورغباتهم وميولهم، ولا توجد قوانين ضد العنف السري أو ضد المرأة أو قوانين تحمي حقوق الأطفال في أغلب الدول العربية، ما يجعل العنف ضد النساء والأطفال مشرعنا ومسكوتا عنه قانونيا واجتماعيا، إلا إذا بلغ حد ارتكاب الجريمة حينها تطبق قوانين العقوبات العامة المطبقة في أي جرائم أخرى.

كلمة الطلاق كلمة تحمل الرعب وتيث الخوف في قلوب أشجع النساء في المجتمعات العربية، فعواقبها القانونية والاجتماعية كارثية، فالرجل يستولي على جميع أموال الأسرة، ولايحكم للمرأة بالنفقة إلا في حال العوز والفاقة وغالبا ما يحكم لها بنفقة شهرية لاتكفيها يوما واحدا، قوانين الحضانة مجحفة بحق الأم والأطفال، وغالبا ما تضطر الأمهات إلى التخلي عن حضانة أولادهن لعدم إنصافهن قانونيا بما يمكنهن تحمل هذه النفقة، وأغلب الدول العربية التي عدلت قوانين الحضانة برفع سن حضانة الأم لأولادها جون تحسين الشروط التي تطالب بها المنظمات النسوية كأن يكون مسكن الزوجية من حق الحاضن، أو ان يلزم الب بنفقة كافية لأطفاله، أو حق المرأة بحضانة اولادها في حال زواجها من رجل آخر.

ظاهريا يبدو القانون غير ممانع لتعليم المرأة أو عملها أو استقلالها في حياتها أو التحكم بأموالها إذ لا توجد نصوصا صريحة تعبر عن ذلك ، لكن التزويج المبكر مشرعنا قانونيا، قانون التعليم الالزامي غير مطبق على أرض الواقع، وسيف الطلاق بإرادة منفردة مسلط على رقاب الزوجات في أي لحظة تتجرأ بها الزوجهة على عصيان اوامر الزوج,

تنعكس العقلية الذكورية بأوضح صورها في قوانين الجنسية التي تحرم الأم من منح جنسيتها لأطفالها، إذ تعكس فلسفة انتماء الطفل لأبية فقط، وما الأم سوى حدث عارض في حياة الطفل استخدمت لحمله ورعايته في سنواته الأولى.

اقتصاديا، تبدأ المرأة حياتها العملية مالكة قانونيا لنصف حصة أخيها الذكر، وفي ألغلب الأحيان تسلب بحكم العادات والأعراف تلك الحصة المجتزأة، وحتى المرأة المتزوجة التي يسمح لها القانون بالحفاظ على ممتلكتلكاتها الخاصة والتصرف بها، إلا أنها عمليا بحكم إلزامها بطاعة الزوج وأحقيته بالطلاق بإراددة منفردة لاتجرؤ في الكثير من الأحيان على التصرف بتلك الممتلكات دون موافقة الزوج، بل تجبر أحياناً أخرى على التصرف بها لصالح الزوج، ومن الشائع أن الكثير من الزوجات الموظفات يسلمن رواتبهن لأزواجهن في بداية كل شهر.

في أغلب الدول العربية لاتميز قوانين العمل بين الرجال والنساء كثيراً لكن القوانين التي تحكم الحياة الخاصة تنعكس على حرية المرأة في التعلم والعمل، لكن هنالك بعض المواد القانونية المميزة ضد المرأة، والتي تطال العاملات لدى الأسرة مالفلاحات والعاملات في معامل الأسرة إذ تحرم هؤلاء النساء من أي تعويضات أو تأمينات أو أجور، كما لا تسجل اغلب العاملات في القطاع الرسمي الخاص في سجل العاملين نتيجة ضعفهن ونفوذ أصحاي العمل فيطردن متى شاء صاعب العمل خاصة في حالات الحمل والولادة، أو رفضهن للتحرش الجنسي الشائع في بيئات العمل الخاصة، ويحرمن من اي تعويضات. أما العاملات في القطاع غير الرسمي فهن محرومات من حقوقهن أصلا ةويتعرضن لكل أشكال العنف والاتهاكات.