الدستور المتوافق مع منظور الجندر هو دستور ديمقراطي، إذ لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية دون مشاركة المرأة المتساوية في جميع جوانب الحياة العامة، وهو يصحح التغييب التاريخي والاقتصادي للمرأة، و يؤمّن الأساس القانوني لتمكين المرأة، ويتناول مصالح المرأة المختلفة، وهو ذو أهمية خاصة في سياقات ما بعد النزاع.
إن الالتزام بجندرة الدستور هو التزام قانوني ثابت بموجب القانون الدولي ولا يسمح القانون الدولي للدول أن تتهرب من تنفيذ التزاماتها الدولية تحت ذريعة أن قوانينها المحلية القائمة لا تسمح لها بذلك أو أنها متضاربة مع تلك الالتزامات. وأهم هذه المواثيق الدولية التي نصت على الالتزام بالمساواة، وعدم التمييز، وجندرة الدستور ميثاق الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1325.
الدستور المتوافق مع منظور الجندر هو الدستور الذي:
يتبنى منظورًا جندريًا، ويهتم بكيفية معالجة قضايا الجندر، وكيف تؤثر أحكام الدستور في الجندر،
يكفل المساواة الجوهرية بين النساء والرجال، مبدئياً وعملياً،
يحظر التمييز على أساس الجندر أو الإثنية أو الطبقة أو اللون أو الميل الجنسي أو غيرها من الخصائص،
يتبنى لغة متوافقة مع منظور الجندر،
يتضمن القواعد والضمانات الكفيلة بتفعيل هذه المساواة وتمكين النساء من ممارسة كافة حقوقهن، بما في ذلك إمكانية تضمينه بعض تدابير العمل الإيجابي لمواجهة الممارسات التمييزية ضد النساء.
ثمة مبادئ أساسية ينبغي أن تقوم عليها الدساتير، كما أن هناك معايير واضحة لا يمكن لأي دستور ديمقراطي أن يتجاهلها خاصةً إن كان معنياً بأن يكون متوافقاً مع منظور الجندر هي: الحرية، والكرامة، والمساواة إذ ينبغي النص الصريح في الدساتير على حظر التمييز بوصفه أحد المبادئ الأساسية التي لا يجوز إغفالها أو تجاهلها. إن احترام مبدأ فصل السلطات له أيضًا مضامين إيجابية من حيث حقوق المرأة لأنه يحول دون تعاون فروع السلطة المختلفة لتقييد المساواة الجندرية أو تجاهلها. على سبيل المثال، إذا قصرت السلطة التشريعية في إصدار القوانين ذات الصلة بحقوق المرأة، أو أمعنت السلطة التنفيذية في تجاهل تطبيقها فإن السلطة القضائية، المستقلة، ستكون الضامن الحقيقي التي يمكن اللجوء لها.
يجب أن يكون الدستور مبنياً على أساس المواطنة الكاملة المتساوية، والتسليم بأن الشعب هو مصدر السلطات، وأنه لا سيادة لفرد أو قلة عليه.
للعلمانية أهمية كبيرة وتداعيات خطيرة على حقوق المرأة وحريتها، ذلك أن النساء يختلفن في العقيدة والدين، ما يؤدي إلى خضوعهن لأنظمة قانونية مختلفة، وأحياناً متناقضة في البلدان التي تمارس فيها السلطات الدينية أو التقليدية السلطة القانونية والسياسية أيضًا.
فضلاً عن أن رفض مبدأ العلمانية سيؤدّي إلى ارتباك وتنافر (أو تضارب) في صياغة النص الدستوري بين إقرار المساواة من جهة وإخضاع الأشخاص إلى قوانين أحوالهم الشخصية المختلفة بحسب طوائفهم الدينية (الأمر الذي يشكّل في حدّ ذاته تمييزًا بينهم) .
ينبغي أن تنص الوثيقة الدستورية على حق النساء في ممارسة الحريات التي عانت النساء، تقليدياً من الحرمان منها، كالحرمان من حقوقهن الجنسية والإنجابية، والحق في شغل المناصب السياسية والقضائية، أو الإخلال بحقها في المساواة بصدد حقوق أخرى (كالحقوق المرتبطة بالعمل، أو الإرث، أو حرية الزواج، أو حرية اختيار الزوج/الشريك..)، وحق الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي ومنع انتهاك حقوق المرأة بذريعة الدين أو العرف الاجتماعي، وحق النساء في المشاركة في الحياة العامة والسياسية.
وينبغي إنشاء هيئات معنية بضمان تفعيل ممارسة الحقوق الواردة في الدساتير كالحقوق في الصحة الجنسية والإنجابية وفي السلامة الجسدية والاستقلالية.
تنعكس الطبيعة المتوافقة مع منظور الجندر لدستور ما في لغته أيضًا. ذلك أن اختيار الكلمات ليس حياديًا، بل يمكن أن يعكس مواقف جندرية نمطية، يتم من ثمّ تأبيدها في النص الدستوري.
يجب أن تكون عملية إعداد الدستور شاملة للكل:
فيمكن أن تكون نموذجًا للتفاعلات السياسية في المستقبل،
هناك احتمال أكبر أن تعطي عملية إعداد الدستور بطريقة شاملة للكل دستورًا أكثر شمولًا جندريًا،
يرجح أن تكون عملية إعداد الدستور بطريقة شاملة للكل مستدامة،
يجب جندرة عملية إعداد الدستور وخاصة في اتفاقات السلام إذ يجب أن تشارك النساء والمدافعون عن حقوق المرأة في مفاوضات السلام على جميع المستويات، وأن تكون لهم كلمة في استراتيجيات السلام طويلة الأجل.
أيًا يكن الشكل الذي تتخذه الأنظمة القانونية المؤقتة التي تحكم الفترة الانتقالية إلى حين اعتماد دستور جديد، فإنها يجب أن تكون متوافقة مع منظور الجندر. ولابد من وجود جداول زمنية واضحة لعملية إعداد الدستور. تميل عمليات إعداد الدستور الأطول زمنًا إلى السماح بمستويات أعلى من المشاركة، ويرجح بذلك أن تنتج حمايات أقوى للنساء في الدستور. وعند اختيار هيئة الصياغة فإن التمثيل النسبي والحصص الجندرية، يرجح أن تعطي نسبة أعلى من العضوات. سيكون لقواعد من مثل ساعات عمل الهيئة، وطريقة اتخاذ القرار فيها، وتوفر التدريب، والاعتراف باللجان المصغرة، أثر في درجة مشاركة العضوات ونوعيتها. يرجح أن يكون لبعض التسهيلات كرعاية الأطفال، والنقل، والأمن أثر مجندر. ويجب أن تغني الخبرات الفنية المتعلقة بحقوق المرأة والمدافعين عن حقوق المرأة عمل الهيئة.
للتربية المدنية والتوعية المتوافقتان مع منظور الجندر أثر هام في عمليات صياغة الدستور وإقراره. ينبغي أن يسعى مناصرو حقوق المرأة إلى التأثير في جميع فرص المشاورات العامة لتدعم فعلًا أجندة للمساواة الجندرية وعدم التمييز، وأن تمثل مصالح واسعة لشرائح كثيرة.
ينبغي على النساء أن يبقين يقظات بعد إقرار الدستور وأن يدعين إلى وضع قانون يتعلق بالمساواة الجندرية وعدم التمييز وتبنيه وتنفيذه.