صحيح أنني وصلت إلى مرحلة من العمر لم يعد فيها للأحلام مكان، في خضم صخب الواقع اليومي المعاش، والانكسارات الروحية التي بددت الأحلام، إلا أن لحظات تمر في حياة المرء توقظ في قلبه الحنين لتلك الأيام التي كان الحلم فيها هواء وخبزا يوميا، لا معنى لحياة دونهما.
تذكرت ذلك الحلم بلقاء نوال السعداوي وأنا في طريقي إلى بيتها برفقة صديقة مشتركة، وفي كل خطوة تنبت ذكرى… عندما وقع في يدي أول كتبها وأنا في بدايات مرحلتي الجامعية، كيف قرأت كتبها الأولى بنهم من يحاول استكشاف جذور ومسببات واقع لم يكن في يوم مرضيا لي، فرغم نشأتي في عائلة متعلمة متنورة، شجعتني وأخوتي على النهل من منابع العلم والمعرفة، إلا أن شيئا ما كنت أحسه ناقصا ولا أدري كنهه، كنت استشعر تمييزا في معاملتي عن أخوتي الذكور، وإن كان تمييزا لا يقارن بالقهر والاضطهاد الذي تعرضت له بنات جيلي، إلا أن الوعي الذي نلته بفضل عائلتي هو نفسه الذي جعلني انقلب على مظاهر التمييز التي شابت علاقتها بي.
ولعل حساسيتي الزائدة للتمييز، كان نابعة من تحسسي للظلم الإنساني بكافة أشكاله، وهنا لا يستطيع أحد أن يحدد بدقة العوامل التي تجعل فردا أكثر تحسسا للظلم من آخرين غيره، إذ بدأت ارتكس للظلم الواقع على المرأة من خلال مشاهداتي في محيطي الذي أعيش فيه، والذي فتح عيني على التمييز الواقع على المرأة بشكل عام، والظلم الذي يطال الإنسان من أخيه الإنسان بشكل اعم.
قرأت آنذاك كتب السعداوي، فأضاءت لي دروبا معتمة كثيرة، وتعرفت منها على جذور المسألة النسوية، تاريخيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وقادني اهتمامي ذلك إلى البحث أكثر فأكثر، إلى أن تحولت قضية المرأة إلى القضية المحورية في حياتي، دون فصلها عن قضية المجتمع، ومعوقات تنميته ونهضته.
في فترة الجامعة ولشدة حماسي لقضية المرأة نظر إلى أحد المثقفين المخضرمين وأشار إلى أمام الجميع قائلا: ستكون هذه الفتاة نوال السعداوي سوريا، وأحسست يومها بالفخر وكأن وساما علق على صدري.
استذكرت ذلك كله في طريقي إلى بيت نوال، في ليل القاهرة الصاخب. قادتني الصديقة إلى حي متوسط، قادنا المصعد في رحلة صعود، إلى حيث هي، فتحت الباب بوجه باش مبتسم ، لفتتني أول لحظة عيناها اللتان تشعان ألقا وحيوية، وجسدا يأبى أن يخضع لوطأة سنين تحاول أن تحنيه، فيتجلد باستقامة مجهدة.
فاجأني الحي المتواضع الذي تعيش فيه والشقة المتواضعة، البسيطة، والأنيقة في نفس الوقت، فقد تخيلت أن نوال السعداوي التي تكتب منذ أكثر من أربعين عاما، والتي أنتجت أكثر من 45 كتابا ترجمت إلى أكثر من 25 لغة، لابد وأنها تعيش في شقة فخمة وفي بحبوحة من العيش تؤمنها لها ايرادات كتبها.
قادتنا بفرح طفولي إلى شرفتها، التي شرحت لنا باعتزاز كبير، أنها تطل على النيل والمقطم والأهرامات، كنوز التاريخ المصري العريق، دخلت إلى المطبخ مع الصديقة، وبقيت وحدي أتأمل مكتبتها العامرة، وأنا أفكر بأن هذا هو الكنز الحقيقي الذي غرفت منه نوال معرفتها ، التي فتحت بها أعيننا على واقعنا، وضاعفت الإضاءة الخافتة والموسيقى الكلاسيكية المرافقة من شعوري بأنني أعيش لحظة من اللحظات الفارقة في العمر، فها أنا أقف مع نوال السعداوي على أرض واحدة، واقعا وفكرا وأملا وحلما.
عادت بسرعة بعد أن أعدت لنا ضيافة بسيطة بساطة المنزل وصاحبته. تحس وأنت في بيتها وكأنك تعرفها منذ زمن غير محدود، ففي اللحظة الأولى تتبادل معك الحديث دون مقدمات، تستقبلك بثيابها البيتية البسيطة وكأنك قضيت معها النهار بطوله، منذ لحظة استيقاظها صباحا، فتجلس مرتاحا وكأنك ببيتك، هل كان شعوري وحدي هكذا، لأنني ألتقي معها في فكرنا وروحنا وآمالنا وطموحاتنا، أم أنها تعطي ذلك الإحساس لكل زائر؟
وبدأ الحديث الحار الدافئ، حكينا عن كل شيء، حياتنا، أولادنا، طموحاتنا، أحلامنا، قضايانا، العوائق التي تعترضنا، وكلما تقدم الحديث أكثر ازددت قربا منها، وكلما قامت من مكانها لتجلب شيئا: ضيافة، صورة، كتابا، ظرفا.. كنت التفت إلى صديقتنا المشتركة وأقول لها دون شعور، امرأة عظيمة دون شك. وهي بحيويتها لا تستطيع الجلوس ساكنة لفترة طويلة، رغم أنها تسند بيدها ظهرها، داعية آلامه للصمت، كي لا تقطع عليها نشوة البوح بأفكارها وأحاسيسها،
حكت لنا بفرح عن جولاتها الأخيرة، وهي تحكي غالبا بفرح، رغم أنها دائما تشير إلى الألم الكبير المخزون داخلها، حكت لنا عن توقيع آخر رواية لها “زينة” في السويد، وعن تكريمها من قبل جامعة مكسيكية هي ونعوم تشومسكي، وبفرح وصفت لنا كيف جلسا معا متقاربين، كما هما فكريا.
وحكت بألم عن أنه في نفس الوقت ظهر المحامي الوحش في التلفزيون المصري، مطالبا ليس فقط بقتلها، بل بتعذيبها قبل ذلك وقطع يديها ورجليها من خلاف!!!
وحكت بألم أكبر عن أن الجمعيات النسائية في مصر، والتي نشأت عضواتها، مثلي على أفكار السعدواي، لم يتفوهن بحرف واحد للدفاع عنها، وأشارت إلى أن أغلب تلك الجمعيات لم يعد لها هم سوى انتظار تمويل خارجي لكي تقوم بنشاطات أغلبها لا تمس بشيء الواقع المصري (وذلك ما لمسته انا شخصيا في زيارات قمت بها لتلك الجمعيات قبل ثلاث سنوات).
وعادت لتحكي بفرح عن ابنها الذي يقف على أبواب الزواج ممن يحب، وابنتها الشاعرة منى حلمي المتمردة على أعراف المجتمع التي تميز ضد المرأة، كانت تحكي عن ولديها بحب أمومي واضح جلي، رغم انها قالت بأن الأمومة الطاغية صفة كرسها المجتمع الذكوري للمرأة!
أخبرتها بأنني أويدها حرفيا في نظرتها النسوية العالمثالثية التي ذكرتها في مقالتها الأخيرة، بان حريتنا وتحررنا لا يتجزءان، فعلينا أن نحرر العقل والجسد والأرض معا، وتلك أحدى نقاط خلافنا مع النسوية الغربية، فلا حرية للمرأة بوجود احتلال، وكما أشارت كيف لنا أن نكون أحرارا، وليس عندنا أرض نثبت عليها أقدامنا.
شعرت بها عندما تحدثت عن إيمانها بقضية المرأة وارتباطها بقضية الشعوب وتحررها بذلك اليقين الذي يحس به المرء عندما يصغي إلى إنسان مؤمن حقا، قولا وفعلا، بكل كلمة يقولها.
كانت عندما أتكلم تصغي إلي باهتمام بالغ، وتشع عيناها بذات البريق الغريب، الذي يجعل المرء يسترسل في عرض أفكاره، وهو يعلم من مرآة العين أن الأذن تصغي، وبذات الابتسامة التي لا تفارق وجهها، شاركتني فرحي بالحديث عن أولادي، وشاركتني ألمي عند الحديث عن النكسات والخيبات في نضالنا النسوي، كانت تصغي بكل جوارحها، وتلك إحدى ميزات نوال السعداوي، التي لم أنفك ألتفت إلى صديقتي كلما قامت وأخبرها كم هي عظيمة تلك المرأة.
هل كانت تلك الحميمية طابع جلستها معنا فقط أم أنها تستقبل كل ضيوفها بذات الصدق والترحاب؟ أعتقد أنها تشعر كل من يجلس معها بتلك الراحة اللامتناهية، رغم أنها أسرت لنا بأن تلك كانت واحدة من الجلسات الجميلة الصادقة التي لم تعشها منذ زمن، وأنها تحس وكأنها تعرفني منذ زمن طويل وتستطيع الكلام أمامي بحرية أكبر مما تفعل مع أشخاص تعرفهم منذ فترة طويلة.
بكل بساطة وعفوية أخبرتنا أنها لا تتعامل جيدا مع الكومبيوتر والانترنيت، وطلبت منا أن نفتح لنا سي دي على الكومبيوتر،استعصى عليها فتحه، قادتنا إلى غرفة نومها، جلسنا إلى طاولة صغيرة، بجانب السرير، وفوق السرير، وطالعنا معنا صور زيارتيها الأخيرتين، وهي تعلق بفرح، بل تصرخ أحيانا بفرح طفولي ( وما أجملها في تلك اللحظات) عندما تكتشف صورة أخذت لها دون أن تنتبه أو إلى جانب صديق أو صديقة تعزهما، ومن ثم طلبت منا أن ننقل لها من على الانترنيت روايتها الأخيرة مترجمة إلى الانكليزية، وفرحت عندما تم نقلها بنجاح إلى كومبيوترها الشخصي.
فهمت أثناء الحديث سر عيشها في تلك الشقة المتواضعة ، فقد فوجئت بعدم إحاطتها بأمورها المالية ، وعدم وجود متخصصين في إدارة مسألة طباعة كتبها ونشرها وترجمتها، والحفاظ على حقوقها الفكرية، كما يتخيل المرء لكاتبة على هذا المستوى من الشهرة وغزارة الإنتاج، بل أننا أخبرناها بضرورة استشارة محام متخصص في هذه القضايا، فكتبت تلك الملاحظة على دفتر مواعيدها، كي لا تنسى الانتباه لأمورها المالية، التي بدا لنا واضحا أنها آخر اهتماماتها، فكل ما يعنيها هو الفكر والنضال من أجل القضية التي تؤمن بها.
تأملت تلك المرأة التي شارفت على الثمانين، وهي تحكي بحيوية لا تضاهى عن الحب والحياة والنضال، فقد كانت زيارتنا لها بعد أيام من عيد ميلادها التاسع والسبعين، وقد حكت لنا بفرح عن النساء اللاتي شاركنها الاحتفال بعيد ميلادها، وبفرح اكبر عن الشابات منهن، فهن أملها في المستقبل. تأملتها وخجلت عندما تذكرت حالات العجز واليأس والإحباط التي نمر بها، عندما نرى كل الأبواب موصدة في وجوهنا.
طلبت صديقتي منها في نهاية الجلسة أن ترينا صورة لها وهي شابة، أحضرت لنا صورة، وقالت أنها لا تحتفظ سوى بهذه لأنها تعبر عنها حقا، نظرت إلى الصورة، فشاهدت وجه امرأة شابة جميلة، لكن عينيها مليئتان بحزن دفين، قالت، هذه هي الصورة التي تعبر عني، فهنا يظهر الحزن الذي يملأ روحي. شعرت تلك اللحظة بأسى طاغ.
ودعتنا نحو الباب، وهي تقول لا بأس، فالحزن هو الذي يشعرنا بطعم الفرح.
وأتممت في سري والهزائم التي نعيشها اليوم هي التي ستجعلنا نتذوق طعم الانتصار، ولو بعد نضال طويل، حين نتحرر جسدا وعقلا وأرضا، كما تقول صديقتي نوال السعداوي.