مشكلات المجتمعات المدنية العربية

دخل المفهوم الحديث للمجتمع المدني إلى مجتمعاتنا العربـية، كـــرد على السلطات الشمولية التي ” التهمت” المجتمع بما فيه، فقد نصبت تلك السلطات نفسها وصية على المجتمع وصادرت دوره ، وغيبته عن الفعل السياسي تماما، بل إنها صادرت الأحزاب والنقابات التي كانت قد بدأت تأخذ دورا حقيقيا رياديا فاعلا، في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار ، والاستقلال فيما بعد، ولا زالت في ذاكرة شعوبنا العربية ومضات ذهبية من عمر الزمن، عاشت فيها مجتمعاتنا العربية مرحلة ديمقراطية جنينية ، لم تلبث أن أجهضت بعد تسلم الأنظمة الاستبدادية الشمولية السلطة في الوطن العربي بانقلابات عسكرية، أو قبضات حديدية خنقت بها الشعوب وصادرت الحريات، ودخلت بعدها الشعوب العربية في مرحلة سبات العاجز، الذي وجد في النوم هروبا من واقع مر من العسف والقهر والاضطهاد.

في ظل تلك الأنظمة تحولت الأحزاب إلى أذناب للسلطة الطاغية، منضوية تحت ردائها في جبهات وهمية واهية، أو ممثلة ببضع نواب في برلمانات شكلية، أما الأحزاب التي عارضت فقد لوحق أفرادها وتعرضوا للقمع والسجن والتعذيب والاضطهاد، حتى انتهى وجود تلك الأحزاب فعليا على أرض الواقع.

كما تحولت النقابات إلى منظمات شبه حكومية نفعية مترهلة، لا تخدم مصالح الفئات التي تمثلها، بل تعمل فقط كبوق للسلطة مصفقة مهللة لكل أفعالها، وبؤرة لتجمع الطفيليين الذين لاهم لهم إلا إظهار ولائهم للسلطة والانتفاع من هذا الولاء.

وحصر عمل الجمعيات في الجمعيات الخيرية، وضيق على نشاطها، واشترط فيها أيضا الولاء، والابتعاد عن أي تنظيم مجتمعي فاعل، وحصر منح التراخيص لأي جمعية جديدة بيد الجهات الادارية، التي تحيل الموافقة إلى الأجهزة الأمنية المتحكمة بكل مفاصل المجتمع، وبذلك حظر عمل الجمعيات التنموية التي يمكن أن تسهم في تطوير المجتمع وتقدمه.

جاءت تجربة سقوط الأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية في التسعينات، والتي ترافقت مع صعود حركات المجتمع المدني التي قادتها النقابات في بولندا، والمثقفون في تشيكوسلوفاكيا، لتعطي بصيص الأمل لمثقفي المجتمعات العربية، في محاولة الخروج من النفق المظلم الذي حبست فيه الأنظمة البغيضة شعوبها، بحكم التشابه بين ظروف الدول العربية ، وتلك في دول أوربا الشرقية، التي جمع بينها القهر والانسحاق تحت ضغط الاستبداد.

وربما كانت الظروف التي هيأت دخول المفهوم الحديث للمجتمع المدني، كرد فعل على الاستبداد، هو الذي يفسر الكثير من الاشكالات التي وسمت حركة انبعاث المجتمع المدني في الدول العربية.

– فرد الفعل هذا أعطى هذه الحركة صفة المعارضة السياسية البحتة في معظم الحالات، على حساب دورها في خلق حركة مجتمعية ، تشمل كل مناحي المجتمع وأطيافه، بحيث أصبحت المطالبة بالديمقراطية، دون الالتفات إلى المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يرزح المواطن تحت وطأتها، هي الهم الأساسي لهذه الحركة، وقد لعبت السلطات الشمولية دورا أساسيا في ذلك، بمعاملتها الناشطين على أنهم معارضة سياسية بتكميم أفواهم والتضييق عليهم ، وزجهم في المعتقلات.

– ولعل هذا الظرف نفسه هو الذي وسم حركات المجتمع المدني أيضا بردود الفعل الآنية، وعدم تمكينها من وضع تصورات منهجية لكيفية تنشيط حركة المجتمع المدني ، وقيام مؤسساته بدورها، فحشر هذه الحركات في خانة السياسة من قبل السلطات الحاكمة، جعل همها الأول ، المطالبة فقط بشرعنة وجودها وإطلاق يدها في العمل، دون أن يتاح لها الوقت أو الظرف المناسبين للعمل الممنهج الذي يستند إلى دراسات مجتمعية معمقة.

– من ناحية أخرى، أدى قيادة هذه الحركات من قبل النخبة المثقفة المسيسة والملاحقة سابقا،إلى عدة مشكلات، تجلى أولها في انعزالها عن المجتمع ، الذي لا زال يعيش رهاب مجرد التفكير أو التعبير ، وذاكرته مليئة بأقسى صور القهر والاضطهاد والتعذيب الذي مورس على من جرؤ على ذلك لعقود خلت ، فالسلامة التي آثرها الكثيرون، خوفا على أرواحهم وأرواح أحبتهم، جعل الخوف المتأصل في النفوس صفة ملازمة للمواطن “الصالح” الذي لا يعرف في حياته سوى الخنوع والطاعة، بحيث أصبحت إعادة السياسة إلى المجتمع، بل حتى تفعيل مواطنية المواطن، وإعادة إشراكه في الهم العام، هدفا لايحلم به أكثر المتفائلين قبل سنوات طويلة.

كما أن عقود القمع وانعدام تجربة العمل المدني المجتمعي، أدى إلى انعدام ثقافة الديمقراطية والقبول بالآخر داخل هذه التجمعات، التي من المفترض أن تحمل على عاتقها نشر هذه الثقافة، كما شاع في هذه التجمعات مفاهيم العشائرية والعصبية القبلية أو المناطقية أو الطائفية، أو الاستزلام، بحيث بدت هذه الروابط أقوى من الروابط المدنية ، ضمن هذه التجمعات المدنية ، أو التي تدعو لتفعيل المجتمع المدني!!! لقد قاد افتقار مؤسسات المجتمع المدني داخلها ، في كثير من الأحوال للممارسات الديمقراطية والشفافية بين أفرادها ، إلى شخصنة العمل ، وشق الصفوف نتيجة لخلافات الأفراد .

– لقد كان للفترات الطويلة التي قبعت فيها مجتمعاتنا تحت وطأة القهر والاضطهاد، وثقافة التغييرات الثورية التي ملأت تاريخنا الحديث، دورا في قصر أنفاس الشعوب، التي لم يعد بمقدورها الصبر على حركات مجتمعية، تعمل تراكميا لنشر ثقافة الديمقراطية والقبول بالآخر، ونبذ التفرقة والطائفية والعنصرية، والقبول بمبدأ المساواة وتداول السلطة، بدل العنف والاقصاء والإلغاء.

– يلعب كذلك ضعف مفهوم العمل التطوعي دورا في تعثر مسيرة مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا، إذ لا ينطوي مفهوم التطوع على التزام بالعمل، مما يجعل المتطوع ، يعمل في المؤسسة التي ينتمي لها متى شاء ذلك، وربما تشغله أتفه توافه الحياة عن حضور اجتماع هام ، أو القيام بعمل موكل إليه، ما دام تقاعسه عن أدائه لايعرضه لأي شكل من اشكال المساءلة، مما يلقي بعبء العمل كله، على كاهل عدد محدود من الأعضاء النشيطين ، والذي يثقلون بأعباء العمل حتى الانهاك في بعض الأحيان.

– لعبت السلطات الحاكمة كذلك دورا في شيوع مقولة أن مفهومي الديمقراطية والمجتمع المدني ” دخيلان ” على مجتمعاتنا ، ولا تناسبان شعوبنا وآليات تفكيرها، لطول الفترة التي عاملت فيها تلك السلطات شعوبها كقطعان صماء بكماء، معتبرة عقولها ليست بمستوى عقول البشر في كل العالم، وليس من حقها الاستفادة من خبرات وتطور الحضارة الانسانية، والتي كانت الديمقراطية والمجتمع المدني من نتائجها، فمن حق شعوبنا أن تستفيد من نتاج الحضارة التي ساهمت هي نفسها في صنعها في فترة ما من التاريخ. وقد لعبت أقلام بعض المستشرقين دورا في ترسيخ هذا المفهوم الخاطئ، في حين تكفي نظرة متأنية لتاريخنا الحديث، لتظهر أن مؤسسات المجتمع المدني كانت موجودة في بلادنا في النصف الأول من القرن الماضي ، فقد ساهمت الأحزاب الوطنية والتجمعات العمالية والطلابية ، والجمعيات النسائية في النضال ضد المستعمر وصولا بالبلاد إلى الاستقلال ، ومن ثم في بناء الدولة الوطنية، قبل ان تحكم الأنظمة الشمولية قبضتها عل الشعوب.

– مشكلة التمويل الذي تتلقاه تلك المنظمات ، فانعدام التمويل الذي تختاره أو تجبر عليه بعضها ، واعتمادها على التمويل الذاتي ، يلزمها بحركة محدودة وغير قادرة على النهوض بمشاريع أو خطط توعوية أو مجتمعية أو تنموية ، كما أن غياب التمويل الحكومي لتلك المؤسسات – رغم أن ذلك حقها بصفتها مؤسسات ذات نفع عام ، تقوم بدورها في خدمة المجتمع ، ومن حقها أن تحصل على حصتها من أموال دافعي الضرائب الذين تخدمهم- ، وعدم قناعة أصحاب رؤوس الأموال المحلية بجدوى أو قيمة منظمات المجتمع المدني ودورها في تطوير المجتمع يسهم في حرمانها من الدعم الداخلي، الذي يشكل الرافد التمويلي الأساسي لهذه المنظمات عادة.

– أما الاعتماد على التمويل الخارجي ، فقد جعل هذه المنظمات في بعض الحالات أسيرة سياسات الجهات الممولة ، أو متهمة بالعمالة لها من قبل الأطراف الوطنية الأخرى ، وجعل ذلك مسرحا لصراعات تكيل فيه مؤسسات المجتمع المدني نفسها التهم لبعضها بسببها ، عدا عن التهمة الجاهزة التي يمكن أن تستخدمها الأنظمة ضدها بالعمالة للخارج ، وهي تهمة موجودة أصلا . هذا عدا عن ظاهرة الفساد والإفساد التي طالت عددا من مؤسسات المجتمع المدني الوليدة في بعض الدول العربية بحيث أعطت بعض الدراسات نسبة 70% فسادا يطال تلك المنظمات، هذا عدا عن التبعية والولاء الذي بدأت تظهره بعض تلك المنظمات للجهات الممولة، بحيث فاق ذلك ولاؤوها للوطن أحيانا، مع ضرورة التنويه إلى وجود منظمات تعمل حقيقيا على الأرض وتتلقى تمويلها الخارجي بعناية وحرص، موظفة إياه في خدمة أهدافها المجتمعية.

– يندرج موضوع التمويل الخارجي تحت بند عريض عنوانه العلاقة الاشكالية بالخارج ، وخاصة بوجود مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية وتبنته دول الثماني، والذي وإن دعا إلى الإصلاح في دول المنطقة، إلا أن الدارس المتعمق للمشروع، لا يجد فيه إصلاحا ، بل تغييرا يطال مجتمعاتنا، ماحياَ هويتها، مؤمنا مصالح القوى الكبرى في العالم، دون الالتفات إلى مصالح ورغبات شعوب المنطقة . إن الاحتلال الأمريكي للعراق والدعم الأمريكي غير المحدود للكيان الصهيوني ، الذي مارس أبشع انواع الاحتلال والقمع والتنكيل تجاه الشعب الفلسطيني، يجعلنا نفكر مليا في صدق مناداة مشروع الشرق الوسط الكبير بالإصلاح والديمقراطية التي يحملها لشعوبنا، وهل مانراه في العراق وفلسطينن هو الديمقراطية الحقة المرجوة؟

– بدأ التواصل بين الجهات الخارجية الممولة والجمعيات التخصصية يأخذ شكل إغراق هذه الجمعيات في شؤونها التخصصية، وربطها بمثيلاتها في الخارج، وبالتالي عزلها عن مجتمعاتها وعن النضال الديمقراطي العام ، وبذلك ظهر توجه يقضي بتسميتها ” المنظمات غير الحكومية” ابتعادا عن إطلاق تسمية مؤسسات المجتمعات المدني عليها، هذه التسمية التي تعبر عن دورها الفعال في ترسيخ المجتمع المدني كحركة مجتمعية تنموية ، تشكل جزءا من مسيرة الديمقراطية التي تطمح إليها شعوب المنطقة. لاشك أن دور الجمعيات التخصصية في وضع الدراسات المتخصصة والدراسات العلمية الممنهجة لتحسين اوضاع الفئات المجتمعية التي تخدمها وتدافع عن حقوقها، دور لا يمكن إغفالها، ولكن بالمقابل لايمكن إغفال خصوصية المجتمعات المدنية العربية الوليدة، والتي تحتاج لتعاضد جهود مؤسساتها جميعا، للوصول إلى الديمقراطية ، حاضنة تلك المؤسسات، ولخلق لحمة وطنية متماسكة، تتجاوز التكتلات العشائرية، الطائفية ، المناطقية، أي البنى ما قبل الوطنية ، نحو البنى المجتمعية المدنية الأكثر تطورا.

– لسنا بالطبع ضد العلاقة مع الجهات والمنظمات الإنسانية التي تدعم حقوق وقضايا شعوبنا ، على أن تكون الشفافية والعلنية ، هي الصفة الأساسية لهذه العلاقة، سواء كانت تمويلا أم تدريبا، وشرط التأكد من عدم ارتباط هذه الجهات بأي من القوى التي تهدف السيطرة على منطقتنا وشعوب العالم، ضمن سياسة العولمة الاقتصادية العسكرية، التي يرعاها نظام القطب الواحد.

إن آفاق تطوير مؤسسات المجتمع المدني كي تقوم بالدور المنوط بها في تطوير وتنمية مجتمعاتنا ، يتضمن التركيز على النقاط الآتية:

– الانخراط في النضال الديمقراطي العام ، الذي يرى الإصلاح من الداخل بما يتطابق مع واقع الشعوب وحاجاتها ، لإجراء التحول الداخلي السلمي باتجاه الديمقراطية وسيادة دولة الحق والقانون ، ضمن خطة إصلاح شاملة، يأتي الإصلاح السياسي في مقدمتها بإلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وإصدار قوانين حديثة تضمن حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات ، وفصل السلطات، وإجراء انتخابات حرة ، وإلغاء تسيد الأجهزة الأمنية لصالح القضاء العادل المستقل ، وحرية الرأي والتعبير .

– السعي لوضع رؤية إصلاحية تنموية شاملة بديلة من وجهة نظر المجتمع المدني العربي ، تنطلق من الواقع وتتلمس المشكلات الحقيقية ، وسبل حلها ، وذلك بإجراء دراسات معمقة من قبل مختصين ، والسعي كي يأخذ المجتمع المدني العربي دوره كطرف ثالث في تحديد مصير البلاد إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص .

– البعد عن النخبوية في مؤسسات المجتمع المدني ، والعمل على الامتداد الأفقي نحو إطار مجتمعي واسع ، ولن يحصل ذلك دون إعادة تفعيل مواطنية المواطن العربي المنكفئ ، وإعادة اهتمامه بالشأن العام ، وإعادة السياسة إلى المجتمع ، ونزع الخوف والرعب الذي عشش في قلبه تحت وطأة عقود من القمع والإرهاب الذي مارسته الدول الأمنية ، وذلك يندرج في إطار النضال الديمقراطي العام ، بالتوازي مع مكافحة النهب والفساد والنهوض بمشاريع اقتصادية تنموية ، تحد من الفقر والبطالة ، ولهاث الفرد العربي وراء لقمة عيشه .

– السعي إلى سد الثغرات التي استطاعت سياسات العولمة اختراق المنطقة عبرها لتنفيذ سياساتها في المنطقة ، فكما دخلت عسكرة العولمة من بوابة الاستبداد ، يحاول مشروع الشرق الأوسط الكبير الدخول من بوابة الجوع إلى الحريات ، ومشاكل مجتمعاتنا من فقر وبطالة وانتهاكات حقوق الإنسان والتمييز على أساس الجنس والعرق والدين .

– الخروج بمؤسسات أو حركات المجتمع المدني العربي من مفهوم الإطار المطلبي الضيق إلى إطار أوسع يهد ف إلى الانخراط في القضايا الوطنية وتبني ثقافة المقاومة ، والحرص على لحمة وطنية متماسكة هي السبيل الوحيد للتصدي للنظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد ، الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى السيطرة على العالم .

– تشجيع التمويل الداخلي لمؤسسات المجتمع المدني ، بنشر ثقافته في المجتمع، واقناع أصحاب رؤوس الأموال الوطنية بفوائده على المجتمع ككل ، ومطالبة الحكومات ، بإعفاء المتبرعين ضريبيا ، ودعم مؤسسات المجتمع المدني بحصتها المشروعة من اموال دافعي الضرائب، التي تخدم شرائح واسعة منهم، واعتماد مبدأ العلنية والشفافية في العلاقة بالخارج تمويلا وتدريبا.

– خلق لحمة عضوية بين مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي ، والتعاون مع المنظمات العالمية الإنسانية .

5