ما سر الشعبية الكبيرة التي حظي بها برنامج “سوبر ستار ” ؟
لقد شكل الحماس الشعبي في كافة أرجاء الوطن العربي لهذا البرنامج ، ظاهرة جديرة بالتوقف عندها ، إذ تجاوز إطار الاهتمام ببرنامج تلفزيوني ناجح ، ليغدو ظاهرة شعبية مجتمعية امتدت لتشمل كامل الوطن العربي ، ولتعطي الكثير من الدلالات والمؤشرات .
يعتبر الفرح الجماعي الذي يعيشه مواطنو أي بلد في العالم ، في المناسبات الوطنية والمهرجانات الشعبية والمباريات ، سواء في مجال الرياضة أو الفن أو الزراعة أو الطبخ أو غيرها ، والتي توقظ حسا اجتماعيا يمتزج بالفرح والمتعة ، حق من ابسط الحقوق التي تعيشها الشعوب في كافة بقاع الأرض ، والتي حرمت منها شعوبنا العربية لأسباب كثيرة .
ولعل الاحتفالات بالمولد النبوي في مصر – والآخذة اليوم بالتراجع –من تلك المواسم الشعبية النادرة التي تعيشها الشعوب العربية، إن لم تكن استثناء ، فحتى المهرجانات الوطنية التي كانت تقام في بعض الدول العربية بعيد استقلالها في ذكراه ، والتي كانت تشارك بها الفرق الفنية والرياضية وطلاب المدارس باتت من ذكريات الماضي ، وبات الاستقلال نفسه ، وكأنه ذكرى نخجل بها أو نحاول نسيانها بعد الانكسارات المتعاقبة التي تلته ، وربما ذلك ما فسر جزئيا جلد الذات على صفحات الانترنيت من قبل المثقفين العرب الذين عابوا على أنفسهم وشعوبهم التي ينتمون إليها ، الاهتمام غير المشروع ببرنامج ” سوبر ستار ” في ظل الأوضاع السياسية المتردية ، والأخبار اليومية لضحايا العدوان الخارجي على بلداننا العربية .
لاشك أن الدول العربية لا تخلو من المهرجانات أو المباريات ، والتي حاولت دولنا الحديثة إقامتها اقتداء بالدول الأكثر تقدما ، دون أي استلهام لتراثنا وتقاليدنا ، أو مراعاة لظروفنا ومواسمنا ومناسباتنا .
وفي حين ترعى الدول ذات الأنظمة الديمقراطية تلك المهرجانات محولة إياها مناسبة للتعاضد الاجتماعي والعزة الوطنية ، مستفيدة من مردودها الاقتصادي لدعم المزيد من المواهب ، تغدو هذه التظاهرات في الأنظمة الشمولية مناسبات للتزلف والنفاق وتمجيد الحكام الذين يمنحون بركاتهم وإعطياتهم خلالها ، وتصبح تلك المهرجانات والمباريات مناسبات للسرقة ونهب المخصصات والاستفادة وإفادة الأصحاب والمقربين ، في الوقت الذي يعاني فيه المشاركون في تلك الفعاليات من الحرمان ويعيشون أسوأ الظروف النفسية والمادية والمعنوية في فترات التهيئة والتحضير ، مما يجعل المتباري في أدنى مستوى ممكن من الجاهزية ، حتى لو كان يمتلك إمكانيات فطرية خارقة ، هذا إذا لم يتم استبداله في آخر لحظة بآخر ” لديه واسطة ” خاصة إذا كانت المباراة تستدعي السفر. ولعل الشكاوى التي نسمعها من اللاعبين الرياضيين في الوطن العربي ، وضغط الأحوال المعيشية عليهم ، وعدم تمكنهم من إعالة أسرهم ، وسوء الملاعب ، وضعف المدربين لخير مثال على ذلك ، ناهيك عن القمع والقهر الذي يمكن أن يتعرضوا لهم ، كما في الفظائع التي رشحت عن تعذيب اللاعبين عند خسارتهم لمباراة ما ، في أقبية الزنازين على أيدي جلادي النظام العراقي في عهد صدام .
هذه العوامل وغيرها ، أفقدت هذه المهرجانات والمباريات ألقها الشعبي ، فغدت مناسبات باهتة معزولة ، يقتصر جمهورها على فئات العاطلين والمتسكعين ، في حين يحجم المواطنون عن متابعتها والتفاعل معها لعدم قناعتهم التامة بحقيقيتها ونزاهتها .
وربما ذلك هو ما قاد إلى سيطرة نظرية المؤامرة ، والتي ترددت على ألسنة الكثيرين بعد خسارة نجومهم في برنامج ” سوبر ستار “، تلك النظرية التي انجر لها للأسف العديد من الأسماء الصحفية والموسيقية ، التي نكن لها الكثير من التقدير والاحترام ، والتي كان يجدر بها أن تكون اكثر إنصافا وموضوعية .
إن سيطرة تلك النظرية تعود ، إلى أن ذاكرتنا لا تختزن التجارب النزيهة في هذا المضمار ، لذا كان من السهل عند خسارة المطرب المفضل ، أو مواطن أي بلد ، أن يستعيد مناصروه التجارب المريرة السابقة ، ليتهموا جزافا ودون روية القناة التلفزيزنية المنظمة ، أو حتى شخص بمكانة و أهمية الموسيقار الياس رحباني بالمشاركة في تلك المؤامرة ، وهو الذي حاول جاهدا ، متحاملا على مرضه إقناع الجميع بالتخلي عن الإقليمية المتعصبة ، والعقلية الضيقة ، ووضع تاريخه وسمعته ومكانته في خدمة الموضوعية والنزاهة ، التي لا زالت مسابقاتنا تفتقر إليهما .
كما طالت نظرية المؤامرة تقنيات الانترنيت ، والتي للعلم ، كانت معطلة في أغلب البلدان العربية عشية التصويت لأي حلقة ، لأنها بشكل طبيعي غالبا ما تكون معطلة ، أو بطيئة .
بل وصلت نظرية المؤامرة إلى حد الحديث عن وقوف أمريكا والعدو الصهيوني وراء هذه الظاهرة ، لأن توقيتها جاء لإلهاء الشعوب العربية عن متابعة المجازر اليومية في فلسطين والعراق .
إن مناسبات الأفراح الجماعية تلك ، بقدر ما هي حق للشعوب الأخرى ، بقدر ما هي محرمة على الشعوب العربية ، تحرمها على نفسها ، بالتشكيك والتخوين وجلد الذات ،و تحرمها إياها أنظمتها ، التي منعت أي أشكال الاجتماع والتعاضد الاجتماعي ، وألغت مبرراته وأسبابه وإمكانياته وصدقيته ، فغدت الشعوب العربية شعوبا موعودة دوما بالانكسارات والهزائم والأحزان ، يعيشها كل مواطن بمفرده ، يبكي ويشهق وينوح أمام شاشات التلفزيون الصماء ، أو بصمت في غرفة نومه بعد تعرضه للسرقة والنهب والاعتقال وكم الفم ، محروما من التعاضد مع الآخرين ، حتى فقد ، تحت سيف القمع المسلط فوق رأسه ، ذاكرة الاجتماع على الحزن ، فما بالك على الفرح الذي نسي طعمه منذ زمن لم يعد يدرك مداه .