” و هي كلمات حق وصيحة في واد ، إن ذهبت
اليوم مع الريح ، لقد تذهب غدا بالأوتاد “
الكواكبي
ينفرج جفناي عن خيط نور يتسلل إلى عالم الحلم ، والروح مازالت ترفرف عصفورا طليقا في فضاء الحرية ، تنسل من تخوم الحلم ، من فضاء فسيح لا حدود له ،يمتليء بها وتمتليء به ، لتتقدم رويدا رويدا في النفق الفاصل بين الحلم والواقع ، يضيق النفق ويضيق ، وفي نهايته تبدأ مسيرة يوم جديد ، مع فنجان القهوة وأخبار الصباح وصفعة أولى .. طفل فلسطيني محمول لا إلى مقعد الدرس ، بل على محفة إلى مثواه وقد اغتاله موت ظالم مبكر ، وخيط دم لا زال حارا يسيل من طرف أنفه الصغير ، ليصطبغ النهار بلون الدم ، ويعبق الهواء برائحة الموت .
رائحة الموت تملأ المكان ، والمكان سرداب معتم ، تتلمس الروح فيه الطريق ، كما فعل قبلها أجيال متلاحقة من الآباء والأجداد ، في تلك المسيرة اللانهائية في السراديب المعتمة ، التي حكى لنا عنها سعد الله ونوس ، في الذاكرة والموت ، لكنه نسي أن يخبرنا أن في نهاية كل سرداب مفترق يقود إلى خيارين دائما أحلاهما مر ، جيل بعد جيل ودائما نفس الخيارات المرة ،التي لم يسلم جيلنا منها مذ وعيت على الدنيا .
مفارق نصل إليها في مسيرة القهر والعذاب ، نقف أمامها دائما والحيرة تعصف بعقولنا ، ومشاعلنا تخبو ، وتخبو معها إراداتنا ، فنستسلم ، ونترك قيادنا للأقدار ، تجرجرنا في أحد الدربين ، ولا شيء غير المرارة .
خيارات مرة ، نعيشها شعوبا وأفرادا ، والضوء كاب والعتمة تطبق أكثر فأكثر ، و سؤال يطرق رؤوسنا كلما تخبطت في جدران المتاهة :
ماهي خياراتنا اليوم ؟
السلام وخسارة الحقوق ، أم المقاومة ونحن العاجزون ، المقعدون ، ممسوخو الأحلام والآمال .
كيف يمكن لنا أن نختار السلام وما يتلوه من تطبيع وسيطرة أراها بعيني للدولة العنصرية الصهيونية على اقتصاد المنطقة ، وهي القوة الاقتصادية الكبر ى ، ونحن المنهوبون المسلوبون ، من لا نملك سوى قيودنا ، وأيدينا المغلولة إلى أعناقنا ، وخيباتنا ، وحسراتنا ونحيبنا ؟
أم نختار المقاومة ، ونحن لا نملك من أسلحتها سوى مؤتمراتنا وتوصياتنا وقراراتنا ، في مواجهة نظام عنصري مجرم سفاح ، لا زال يتابع مجازره منذ ثلاثينات القرن الماضي، غير آبه بالاستنكارات والتنديدات .
ليس مصادفة أن كانت أول قصة كتبتها في حياتي ، وكنت في العاشرة ، تحكي عن معاناة طفلين في مخيم فلسطيني . منذ ذلك الوقت والقضية تسكنني ، تحتل مكانها في زوايا العقل والوجدان ، مكانا لم تتمكن الأيام والرزايا من زحزحته قيد أنملة . لعل حدسي وأنا في تلك السن المبكرة ، أو الخيبة العامة ، هي التي جعلت من نهاية قصتي آنذاك مأساوية ، استشرافا ربما للسنوات القادمة التي لم تحمل في ثناياها سوى مزيد من النكبات والنكسات والخيبات ، وأشكال من الخسران حارت اللغة في ابتداع مفرداتها .
والخيار الثالث الذي ملأ قلبي إيمانا ، دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني ، من أراد أن يعيش فيها بسلام فأهلاً به ، ومن أراد أن يعتدي فلينصرف ، خيار لا مساحة له اليوم إلا في الحلم .
لم علينا الاختيار بين مناصرة المارد الأمريكي الخارج من بطون أساطير الشر وعقلية الكاوبوي مفصلا محاور للشر وللخير ، باطشا بمن يقف في وجه سطوته من شعوب الأرض ، وبين نظام شمولي مستبد في العراق نجح في قتل جميع معارضيه أو إجبارهم على الهرب ، أو تكميم أفواه من بقي منهم ، ويعلن بفخر ، ربما صادقا ، أن ليس لديه معتقل سياسي واحد في سجونه ، لأنه يجز الرؤؤس ولا يعتقل ، نظام لا زال شعبه يدفع ثمن حماقاته وعنجهيته ، يموت جوعا ، ورموز النظام تدخن علنا ودون خجل السيجار الكوبي في المؤتمرات التي تقرر بها مصير الأمة .
لم لا أستطيع إلا في الحلم اختيار الوقوف مع الشعب العراقي ، ضد جميع قوى الشر المتربصة به ، ذلك الشعب الذي عشت طفولتي بين ظهرانيه ، وأبكي شوقا كلما سمعت من يتغزل بفراته ودجلاه ، وقارب يمخر عبابهما ، وسمك يشوى على ضفافهما ، وأتمنى أن لا أموت قبل أن أجلس على تلك الضفاف ، وقد حلفت أن لا أدوسها بقدمي ، قبل أن يحل السلام في تلك الربوع الغالية ، ويعبق هواءها بعبير الحرية .
لم علي الاختيار بين أن أكون شهيدة مصلوبة على صليب قوانين وأعراف المجتمع ، وبين الانفصال عنه ونبذه وانعدام اللغة المشتركة بيني وبينه ، ولا مجال إلا في الحلم كي أعيش كما يحق لي متمتعة بكل حقوقي في الحياة والحب والحرية .
لم علي الاختيار بين أن اكتب نصف الحقيقة أو أن أصمت ، خيار مر : بين أن أكتب ، ورقيب يقف في مقدمة دماغي ، يمسك بممحاة هائلة ، استعارها من كل أجهزة الأمن والرقابة ، أكتب ، يمحو ، أكتب ، يمحو ، أتحايل عليه ، يضبطني ، أتلاعب بالكلمات يمسكني ، يقرأ ما بين السطور ويقولني ما لم أرغب بقوله ، وفي النهاية لا يخرج على الورق سوى مسوخ أنظر إليها وأشك في أنني من كتبها ، أمحوها ، وأختار الصمت : خيار مر آخر تحتبس فيه الكلمات في جوفي ، تكويني ، تحرقني ، تمزقني ، وتكاد تفجرني شظايا تحرق الأخضر واليابس .
ما الشهادة التي يمكن أن أقدمها وأنا شاهدة على الخيبة والمرارة . إن كنت أخجل من عيون أولادي المتسائلة المستنكرة ، تحمل في نظراتها اتهاما لجيلنا الخاسر دائما ، وسؤالا أهرب من إجابته : كيف وصلنا إلى هنا ، فكيف ستكون لي الجرأة لأخط سطرا يكون شهادة على أني كنت حاضرة في هذا الزمن الرديء ولم اتشظ قهرا ، شهادة يمكن أن أتخيل عيون أجيال قادمة تقرؤها يوما ، ولا تحمل التساؤل فقط بل الاتهام والاحتقار لمن استطاع أن يكمل حياته شاهدا على كل الجرائم التي ارتكبت في عصره ، وأنا أتذكر التساؤلات المغلفة بالاتهام التي حملتها بعيني لأبوي : كيف أمكنكما أن تعيشا نكبة الثماني وأربعين دون أن تنفجرا قهرا ، لأعيش بعدها ألف نكسة ونكبة ، دون أن أنفجر ، بل ازداد انسحاقا وانمحاقا ، أتوارى خلف خيبتي هربا من العيون المتسائلة .
يقترب اليوم من نهايته ، والقمع حبس الروح في قمقم ، ختمه بشمع القهر ، إجرام صهيوني ، غطرسة أمريكية ، رهاب أمني ، رقابة على النوايا ، قيود اجتماعية ، قمع يتراكم عليّ إنسانة وامرأة ومواطنة ، قوى تتحالف علي لتسلبني ما تبقى لي : إنسانيتي .
وتنتهي مسيرة اليوم والروح منهكة من المسير في السرداب اللانهائي ، تلمح في نهايته بصيص ضوء تتخيله النهاية المشتهاة فرارا إلى فسحة الحلم ، تحثني ملحاحة على الانسلال إليه ، لكن شيئا ما في العقل والقلب ينتشلني من غمرة الظلام ، إلى دلالة البصيص ، لا.. ليس الحلم ، أقفز من الفراش ، أمسك القلم ، وتنساب كلمات ، بل صيحات ، يطالعني الفجر وأنا لا أزال أكتب ، أكتب الكثير الذي ربما لا ينشر إلا القليل منه ، لكن ذلك القليل ، يحمل إيماني وثوابتي وأحلامي ، أحلام أعيش وأناضل من أجلها ، كلمات ستكون عذري لفتى من جيل قادم ربما تقع كلماتي صدفة بين يديه ، في أنني لم أختر الصمت ، ولا الكذب ، قلت جزءا من الحقيقة ؟ حسن .. ولكنه جزء لم يمالي ، ولم يماري ، بل حمل ثوابت الحق والعدالة والحرية بكلمات حية ، قد تكون شفيعا لي ، كلمات قد يراها البعض صيحات ستذهب اليوم مع الريح ، لكنها ربما تذهب غدا بالأوتاد .
ففي البدء كانت الكلمة وإليها المنتهى .
د.ميّة الرحبي