أثار المقال الذي نشرته السيدة نهى قاطرجي في صفحتكم ” قضايا النهار “بعنوان
” إسلامية أخرى للخطاب النسوي” الأحد 20 تموز
الكثير من الشجون في النفس ، في زمن لم نعد نحتمل فيه مزيدا منها .
لم يقدم المقال جديدا ، بل كان تكرار ا للخطاب السلفي المتشدد ، الذي نسمعه كل يوم ، والذي يربط التقدم والتطور الإنسانيين بالعهر والتفلت والاستعمار ، دون تمييز بين نتاج الحضارة الإنسانية ، الذي يعتبر حقا وملكا لكل إنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب ، وبين القوى الطاغية التي تريد التحكم بالعالم ومصائر البشر ، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لحشد قوانا كلها لمواجهة قوى معادية ، يقوم بيننا وبينها توازن مرعب مدمر ، تميل الكفة فيه لصالحها تكنولوجيا واقتصاديا وعلميا .
وربما أكثر هذه الأفكار خطورة على مصيرنا ومستقبلنا ، فصل التنمية والتطور الاجتماعيين عن مواجهة العدوان الخارجي ، فعلى مدى التاريخ البشري حملت الشعوب وحدها عبء مقاومة المحتل ، لكن هذه المعادلة لا تستقيم إلا بإطلاق طاقات الشعوب الكامنة ، وتفعيل دور كل فرد فيها لخلق جبهة داخلية متينة ، ولا يمكن هنا استثناء المرأة ، التي تشكل عدديا نصف المجتمع ، وتؤثر عمليا على أكثر من نصفه بكثير ، لذا فإن دعوة الشعب الفلسطيني إلى الالتفات لمقاومة العدو الصهيوني ، والاستخفاف بدعواته المجتمعية المدنية ، ومن بينها الدعوة لاضطلاع المرأة بدورها كاملا في المجتمع ، فيه فهم قاصر لدور المجتمعات الحرة الفاعلة في التصدي لأعدائها .
والغريب صدور هذه الدعوة من أستاذة جامعية ، تذكرنا بالفتوى التي صدرت بعيد قيام أول فلسطينية بعملية استشهادية في الانتفاضة الثانية بعدم جواز قيامها بها ، لأنها سافرت دون محرم !!
والأغرب تكرار الأفكار الجامدة ، التي صادرت منذ بداية عصر النهضة العربية وحتى اليوم كل الأصوات التي دعت إلى تحرير المرأة ، بحجج واهية ، كالتفكك الأسري وتقليد المرأة الغربية ، واتهمت الدعوات التي قادها النهضويون لتغيير قوانين الأحوال الشخصية المجحفة بحق المرأة بأبشع التهم بدعوى مخالفتها الشريعة الإسلامية ، علما بأن نصوص هذه المواد أقرت استنادا إلى آراء فقهية ، تختلف من فقيه لآخر ، لكن قدسيتها بلغت سقفا يفوق حد ما يقره الإسلام نفسه للبشر ، بحيث بات أي اجتهاد يخرج برأي مخالف لهذه النصوص الفقهية البشرية يدعو إلى اتهام صاحبه بالكفر والهرطقة ، ويبيح هدر دمه ، علما أن هنالك الكثير من الأحكام التي تغيرت مرارا في حياة الرسول الكريم تبعا لتغير الأحوال ، وتبعه في ذلك الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب ، الذي لم يكتف بتغيير الأحكام حسب مقتضى الأحوال ، بل غير الحدود أيضا عند الضرورة .
وليس المجال متاحا هنا لذكر تفاصيل قلب المفاهيم الذي تم بعد العصور الأولى للإسلام ، بما يلائم الطبقات الحاكمة ، وتكييف التعاليم بما يلائم ما سمي بالإسلام السياسي ،وهنالك الكثير من الدراسات التي تناولت هذه الموضوعات ، ومن بين ذلك الأحكام الفقهية المتعلقة بالمرأة ، والتي انتهت بحبسها داخل جدران منزلها ، وسلبها حقوقها الإنسانية كاملة ، بما يتناقض مع جوهر الشريعة الإسلامية ومقاصدها العادلة . ولعل العودة إلى كتب الإمام محمد عبده ، التي كتبها قبل قرن من الزمان ، لدليل واضح على الإجحاف الكبير الذي طال المرأة باسم الإسلام وقاد إلى القوانين المجحفة بحق المرأة والمتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، وحقوق الزواج والطلاق والإرث ، وسلبها حقوقها في المشاركة الاجتماعية و العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها .
فليست الشريعة الإسلامية هي العائق أمام قوانين وأعراف تعطي المرأة حقوقها ، بل هي فقط العقلية الذكورية البطريركية ، التي سبق أن قبلت بإلغاء الرق و بتغيير الحدود في القوانين الحالية كحد السرقة و الزنا والقتل ، في حين تقوّم الدنيا ولا تقعدها إذا طالب أحدهم برفع سن حضانة المرأة لأطفالها سنة واحدة !
ولا أدري كيف يمكن أن تكون المطالبة بحقوق المرأة ، دعوة للفساد والانحلال والمثلية ، وغير ذلك من الصور المشوهة التي قدمتها كاتبة المقال ، ملخصة نتائج مؤتمر بكين بأنه دعوة ل ” الزواج المثلي، والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، واختلاط الأنساب، والأولاد غير الشرعيين وغير ذلك من الاشكال الاجتماعية الشاذة التي ساهمت في انهيار المجتمعات الغربية “
فتوصيات المؤتمر متطابقة مع اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( السيداو ) التي تلزم الدول التي تصادق عليها ، ليس فقط بشجب جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، وإنما باتخاذ الإجراءات المختلفة للقضاء على هذا التمييز ، بتجسيد مبدأ المساواة في دساتيرها الوطنية أو قوانينها الأخرى ، وتبني التدابير التشريعية بما في ذلك الجزائية منها ، والامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة ، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام ، واتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة ، والعمل على تغيير الأنظمة والأعراف والممارسات القائمة والتي تشكل تمييزا ضد المرأة ، عدا عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بفتح المجال وتشجيع مشاركة المرأة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومشاركتها الفعالة في مسيرة التنمية ، كما تنص على ذلك مقدمة الاتفاقية .
إن دساتير حقوق الإنسان ، ومن بينها اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، التي تنادي بها كل التجمعات الداعية لخير البشرية اليوم ليست حكرا على الغرب فقط ، بل هي نتيجة تطور الحضارة الإنسانية ، التي ساهم العرب والمسلمون في جزء كبير منها
وإن الربط الساذج بين هذه الحضارة الإنسانية ، والإدارة الأمريكية الغبية ، التي تقود شعبها والعالم أجمع نحو حروب مدمرة بغرض السيطرة الاستعمارية على دول العالم الضعيفة ، وربط مقاومة المشروع الأمريكي الصهيوني للمنطقة ، بضرورة العودة إلى القيم المنسوبة للإسلام بحبس النساء في بيوتهن لتأكيد على عجز العقل العربي ، الذي قاده إحباطه وعجز وصمت وتواطؤ حكوماته مع هذه القوى العاتية ، إلى التخبط والاستسلام لتهويمات سلفية وصفتها فاطمة المرنيسي في كتابها الإسلام والحداثة وصفا دقيقا ، بقراءتها التاريخية التي استنتجت منها حبس المسلمين لنسائهم داخل أسوار البيوت ، متزامنا مع رفع أسوار مدنهم لمقاومة أي عدوان خارجي ، وخير مثال على ذلك ارتفاع أصوات خطباء الجوامع بعد هزيمة ال67 معلنة أن النكسة سببها خروج النساء في الشوارع شبه عاريات !
أستغرب حقا صدور هذه الدعوة من أستاذة جامعية ، لا أدري إن كانت تفضل القيام بدورها فقط كمربية لأولادها ، تاركة كل ما تعلمته وخبرته في مجال اختصاصها حبيس جدران المطبخ . صحيح أننا ، النساء العاملات ، نعاني ، في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ ، أعباء مضاعفة ، في العمل داخل المنزل وخارجه ، وحمل الهم العام إلى جانب الهم الفردي ، لكن ذلك هو الثمن الذي دفعناه كي يعترف بنا بشرا كاملي الأهلية ، وإن كان هذا الاعتراف لا يزال جزئيا وعلى الصعيد الاجتماعي لا القانوني .
ثم من الذي أقر الحجاب بصفته لباسا شرعيا كما هو متداول حاليا بحيث غدا مقياسا ليس لالتزام المرأة بل لإسلامها أو كفرها ، ففي كثير من المجلات النسوية الخليجية ، المنتشرة انتشار النار في الهشيم في المجتمعات العربية كافة ، نسمع آراء وطروحات غريبة عجيبة ، مثل : هل تقبل صلاة المرأة غير المحجبة ، أو هل يجوز الزواج منها ، وهنا أحيل المهتمين إلى المناظرات المتعددة التي جرت بين شيخ الأزهر والمستشار محمد سعيد العشماوي والمنشورة في كتابه ” حقيقة الحجاب وحجية الحديث ” ، وغيره من الكتب الإسلامية المتنورة التي تدل على أن آيات القرآن المتعلقة بالحجاب ، فرضت على نساء النبي فقط الاحتجاب عن سائر الرجال والقرار في البيوت ، لأسباب وأخطار كانت تهدد الدعوة والمجتمع الإسلامي آنذاك ، في حين تدل مئات الأحاديث من السيرة النبوية على أن ذلك لم ينطبق سوى على نساء النبي ، اللاتي وصفهن القرآن الكريم مخاطبا إياهن” يا نساء النبي لستن كأحد من النساء “الأحزاب 32 طالبا منهن ” وقرن في بيوتكن ” الأحزاب 33 ، ومن المؤمنين ” وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ” الأحزاب 53 أما الآياتان من سورة النور : الآية 31 ، أو الأحزاب 59 الموجهة لجميع المسلمات فدعت للاحتشام والتميز باللباس عن الجواري ، إذ كانت نساء المسلمين يضايقن من قبل المنافقين الذين كانوا يتحرشون بهن بدعوى عدم تمييزهن عن الجواري ، اللاتي كن بحكم البضاعة المشاع آنذاك ، في ظرف تاريخي لم يعد موجودا أصلا ، علما بان السيدة عائشة نفسها لم تلتزم بالحجاب والقرار في البيت بعد وفاة الرسول الكريم وقادت بنفسها معركة الجمل ، وأفتت لكثير من الرجال الذين كانوا يقابلونها ويسألونها في قضايا دينهم . وهنا لا بد من الملاحظة أن عدم الالتزام بالحجاب ( الذي سمي خطأ حجابا ) ، لا يعني دعوة للعري ، واستخدام أجساد النساء سلعة تجارية رخيصة سواء في أسواق البغاء السرية ، أو في التجارة والإعلان ، فالمرأة حرة في أن تلبس ما تشاء ما دام قصدها لباسا عمليا يتيح لها حرية الحركة ، وألا يكون الهدف من اللباس استخدام جسدها ونفسها وسيلة للفتنة والإغراء ، فذلك هو ما يقلل من إنسانيتها ، ونضالها في سبيل اعتبارها إنسانا كامل الحقوق كامل الأهلية مساويا للرجل في المواطنية والحقوق والواجبات .
من ناحية أخرى أثار دهشتي وعجبي حقا ، استشهاد كاتبة المقال بآراء طيب الذكر غورباتشوف ، وهو الذي باع بلده رخيصا للغرب ، قبل أن يصبح بوقا للصهاينة مقابل حفنة من الدولارات ، و أن تكون لهذا السيد ” الملحد ” مصداقية عندها .
لا أعتقد أننا بحاجة اليوم في هذا الظرف التاريخي الدقيق إلى خطاب إسلامي نسوي بقدر حاجتنا إلى خطاب عربي نهضوي ، فبعض الدعوات الإسلامية المتشددة اليوم تصل إلى حد إلى إلغاء حس المواطنة لدى المواطن العربي ، بحيث تختصر المقاومة الفلسطينية مثلا ، بالدفاع عن الإسلام والمقدسات الإسلامية ، لا عن الوطن ككل ، وذلك ما بدأ يسم أيضا تجربة المقاومة العراقية الوليدة .
إن الخطوة الأولى نحو إعادة بناء مجتمعاتنا هي في تحريض جميع طاقاته الكامنة ، وذلك بنشر ثقافة بديلة ، تغير نظرة المرأة لذاتها ، ونظرة الرجل إليها ، ليعي كل منهما أهمية وجود الآخر إلى جانبه ، لا ضمن أسوار المنزل ، وإنما في معركة وجود حامية الوطيس ، ضد قوى تستهدف حريته وكرامته ووطنه ، ولن تتحرر الشعوب من المستعمر قبل أن تتحرر من جميع القوى المستبدة بها وبعقولها ، كي تمضي في مسيرة التنمية والتقدم ، ولا خلاص لنا إلا بذلك .