في ندوة عن القصة في سوريا أقيمت في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق مطلع الشهر الحالي ، قدمت أبحاث ودراسات نقدية متعددة عن أصالة القصة وتقنياتها السردية ، الإبداع والايديولوجيا ، تجربة السبعينات ، عناصر تمهيدية لشعرية القة القصيرة جدا ، النقد القصصي ، اشكالية النظرية ، بين القصة والرواية ،شعرية السرد في القصة السورية المعاصرة ، توظيف الأغنية ، تنويعات على مقام واحد ، القصة القصيرة وفضاؤها الأدبي الاجتماعي ، بالإضافة على دراسات محصورة في أدب زكريا تامر ، المكرم مع الدكتور عبد السلام العجيلي في هذه الندوة .
في هذه الندوة التي كان نصف حضورها من النساء المهتمات ، اقتصرت مشاركة المرأة فيها ، على تطعيم الشهادات بشهادة ثلاثة قاصات ، وزعت على ثلاث جلسات لشهادات قصاصين ، توزيعا عادلا ن عدل المجتمعات والبرلمانات العربية ، واحد لخمسة . في حين اقتصر البحث الأكاديمي على مداخلة واحدة لباحثة فرنسية من أصل خمسة عشر مداخلة .
وقد اثار سؤال طرحته ، ككاتبة لي تجارب قصصية وروائية متواضعة ، استنكارا من قبل الدارسين والنقاد ، والذين ( باستثناء الباحثة المذكورة ) كانوا كلهم من الذكور . وقد تركز سؤالي على خلو الأبحاث النقدية ، وعدم تطرقها إطلاقا إلى التجارب القصصية لأي كاتبة سورية ، حتى وإن حفل البحث بعشرات الاستشهادات ، وكأن ما تكتبه المرأة لايرقى حتى إلى التطرق إليه ، فإذا تحدث الباحث عن الشعرية ن أو الغنائية ..الخ، أو صنف الأدب إلى ساخر او تاريخي … الخ استشهد بما يكتبه الرجال فقط ن وأغفل عن عمد أو بغير قصد ما تكتبه المرأة ، بل أنني أتخيل الدارس منهم ، يبحث عن مجموعات قصصية “رجالية” يجري عليها بحثه ، فإذا وقعت بيده صدفة مجموعة قصصية كتبتها امرأة ألقى بها إلى زاوية مهملة ، إلى يوم قد يخطر بباله فيه الكتابة عن ” الأدب النسوي ” فيعود إلى تلك المجموعات ويكتب عنها مجتمعة بصفتها جنسا أو نوعا أدبيا واحدا .
وقد كانت ردود السادة الباحثين يومها مخيبة ، إذ تستر كل منهم على تأثره ، رغم ثقافته العالية ، بعادات وممارسات المجتمع الذكوري ن التي يبدو أنها تنسحب على كافة تفاصيل الحياة ، بهجوم صارخ على ما تكتبه المرأة في سوريا واعتباره بشكل غير مباشر ليس أهلا للتصنيف ن فقد أجاب أحدهم بأن زكريا تامر ، كان قد حظي بنفس الاهتمام لو أن اسمه كان منتهيا بالتاء المربوطة ن ناسيا أنه لم يستشهد في بحثه فقط بقصص زكريا تامر ، بل بقصص قصاصين ، آخرين ، يتراوح نتاجهم ، ككثير من القاصات السوريات بين الجيد والمتوسط ، وآخر ادعى أنه لم يطلع على نتاج هام لما تكتبه المرأة وإلا لكان أورده ، ولا أعتقد أن القصص التي درست في ابحاث أولئك السادة أهم بكثير مما كتبته أنيسة عبود أو كوليت بهنا أو رباب هلال ، أو ابتسام شاكوش أو سلوى الرفاعي ، وغيرهن كثيرات ، ممن لا أدعي بأنهن كتبن الروائع فقط ن ولكنهن قدمن أدبا حيا صادقا ن له سمات تميز أي منهن ، ولا تقل أبدا في نبضها الحي عن الكثير من القصص التي كتبها من مجابيليهم من الرجال ، الذين كان أدبهم موضع دراسة وبحث ، فلماذا يجب على المرأة أن تكون بقامة زكريا تامر كي يستحق نتاجها مجرد التصنيف في الأجناس أو الأنواع الأدبية المختلفة .
إن تلك الردود المخيبة التي سمعناها ، والتي تناولت الأدب الذي تكتبه المرأة ، ليست سوى دلالة على نظرة ذكورية لم يستطع الباحثون رغم ثقافتهم المتميزة ، التخلص منها ، بل إن أحدهم عندما أخبرته بأنني أنوي كتابة مقال عن الموضوع أجابني بكلمة واحدة : لا أنصحك !!! وكأنني مقبلة على معركة خاسرة سلفا ، لأنني تجرأت فقط على المطالبة بأن نصنف بشرا كاملي الأهلية ن لا نساء ناقصات عقل يصنف نتاجهن في حقل واحد ، أدنى بدرجة من التصنيفات ” الرجالية ” المتعددة ، وتجرأت فقط على اتهام السادة الباحثين بأنهم لا يقرأون أصلا ما تكتبه المرأة ن ويلقون أحكامهم جزافا ، بحكم العادة في مجتمعنا الذكوري .
أيها السادة ن أنا جاهزة للمعركة ، ولن أبدأ بالدفاع والحديث عن الظروف التاريخية التي كبلت المرأة قرونا في حين كنتم أنتم تسرحون وتمرحون في حياض الدب والعلم والفن ، ورغم ذلك تنهض المرأة اليوم في العالم كالعنقاء من تحت الرماد لتزاحكم وتنافسكم ، طاوية فروقا زمنية بلغت آلاف السنين بين مكتسباتكم ، وماضاع عليها ، بل غنني أتحداكم بقصة مما كتبت ابتسام شاكوش ، في أنها من أفضل القصص الساخرة في سوريا ، وما كتبته سلوى الرفاعي في قمة شاعريته ن وما كتبته كوليت بهنا في أنه قمة الرمزية وغيرهن كثير كثير ، أما إن أردتم أن تصموا آذانكم وتغمضوا عيونكم ، فانا التي أحذركم ، المستقبل للجيد ، ولمجتمع إنساني يتساوى فيه البشر ، وعندئذ لن تستطيعوا بدراساتكم أن تغفلوا وتتنتقوا كما يحلو لكم ، بل سيتهاوى كل منحاز ويبقى النصر للحقيقة ن والحكم للتاريخ .
د. ميّة الرحبي