النوايا الحسنة لاتكفي

هيأنا الإعلام العربي والغربي جيدا ، في حملة دعائية ، ساهمت فيها الجهات المعادية ، أكثر مما ساهم صناع العمل أنفسهم ، بحيث تشوق الناس على امتداد الوطن العربي ، لمشاهدة عرض مسلسل ” فارس بلا جواد ” ، ربما بإحساس ضمني بأنه نصر صغير في تلك المعركة الممتدة ، التي طالت وتعددت فيها هزائمنا وخيباتنا ، فبتنا نتشبث برمز ، أو بصورة ، أو كلمة ، تعيد إلينا جزءا ولو كان يسيرا من كرامتنا المهدورة .

تجمع ملايين العرب حول شاشاتهم في الأيام الأولى من رمضان ، وأفردوا وقتا ثمينا في زحمة لهاثهم المحموم للإلمام بكل ما يعرض على الفضائيات ، مادامت متابعته بالكامل من سابع المستحيلات ، لتصفعهم خيبة جديدة ، وليوقنوا ، أنهم حتى على مستوى الصورة عاجزون عن دخول المعركة ، فما بالك بنيل النصر .

ولخيبة الأمل أوجه عدة ، كان أولها الاعتماد على أفكار مرتبكة ، ونسج تاريخ وهمي ، سواء فيما يتعلق بأسس معركة العرب ضد أعدائهم ، أو بالشخصية الرئيسية التي اعتمدها الحدث . فمعركتنا ضد العدو الصهيوني معركة حق ، لا تتعلق بما ورد في كتاب ، يشكك الكثيرون بصحته أو مرجعيته، إنما هي معركة مع عدو أشهر بوقائع تاريخية مثبتة إجرامه وعدوانيته ، بدءا من المؤتمرات الصهيونية ، التي لم تخف نواياها ، والوعود التي قطعتها الدول الاستعمارية في بداية القرن الماضي لليهود بمنحهم وطنا قوميا لا تملكه أساسا ، مرورا بهجرات غير شرعية تحت غطاء الدول المستعمرة ، وبجرائم قادتها العصابات الصهيونية ضد السكان العرب الفلسطينيين ، وحروب معتدية واستيلاء على أراض بالقوة ، وطرد السكان الأصليين ، وانتهاء بما يحدث اليوم في فلسطين من مجازر وانتهاكات يومية لأبسط حقوق الإنسان ، وسط صمت عربي وعالمي مخز .

فهل نحن بعد كل هذه الوقائع بحاجة للعودة إلى بروتوكولات حكماء صهيون ؟ أم أن عرض قضيتنا للعالم الغربي ، المسيطر عليه من قبل الإعلام الصهيوني ، يحتاج إلى نهضة إعلامية عربية تشرح تاريخ القضية الفلسطينية الذي يبدأ مع بدايات القرن الماضي ، لا مع بداية حرب ال67 كما يصوره الإعلام الغربي بين دول عربية جارة (معتدية !)، وبين دولة (ديمقراطية مسكينة !).

من جهة أخرى ، أعتقد أن الكثيرين لم يسمعوا سابقا بعاطف نجيب ، الذي تلبس شخصية السوبرمان في المسلسل ، ليكشف لنا الإعلام فيما بعد انه كان صحفيا ، لم يكن همه الأساسي قضايا أمته كما صور لنا المسلسل ، وربما تشوب سيرته أيضا شوائب لا يمكن التغاضي عنها ، فهل عدم تاريخنا أبطالا وطنيين ، يمكن أن يكونوا عماد عمل درامي وطني ، حتى نبحث عن شخصية من هذا النمط كي نلبسها دورا بطوليا ، رغما عن تاريخها الحقيقي ؟

وإلى متى نجيز لأنفسنا أن نتغاضى عن سذاجة الطرح الفني ، مادامت حجة العمل أنه يحمل قضية وطنية ، إلى درجة أن يطالب أحد مقدمي البرامج المصريين ، الذي استضاف أبطال العمل في ندوة تلفزيونية ، ” الجهات المسؤولة ” بإسكات ومنع كل من يريد التفوه بكلمة تنتقد العمل ؟

لقد كان مستوى العمل من الناحية الفنية في بعض المشاهد بمستوى المسرح المدرسي ، الذي نتغاضى عن الأخطاء التي يقوم بها ممثلوه ، لأنهم أبناؤنا الصغار ، أما بالنسبة لعمل محترف يقدم على شاشات التلفزيون ، حاملا لأفكار تتعلق بقضايانا المصيرية ، فلا يجوز أبدا التهاون بقيمته الفنية التي عليها أن تكون على مستوى الأفكار التي يحملها ، فالفنان محمد صبحي لم يستطع الخروج من القالب المسرحي الذي اعتاد عليه كما يبدو ، ونسي أن الكاميرا في السينما والتلفزيون هي التي تتحرك ، و هي ليست عين مشاهد في مسرح يتحرك أبطال المسرحية أمامها على منصة ضيقة ، كما أن الحركات والوقفات المسرحية والتي بالغ فيها الفنان تظهر أمام الكاميرا مصطنعة ضمن مشاهد يفترض فيها أن تعكس أحداثا واقعية ، فأسلوب العمل التلفزيوني يختلف عن المسرحي . ويفترض العمل أن المشاهد لابد أن يكون على درجة عالية من السذاجة والغباء ، كي يقتنع بأن الأقنعة البلاستيكية المضحكة سيئة التنفيذ، التي كان البطل يضعها على وجهه أقنعة لا يلاحظها الشخص الواقف أمامه والذي يحاوره بافتراض أنه لم يلحظ شيئا غير طبيعي ، والغريب أن يستغبى المشاهد ليقتنع أن بطل العمل قادر على تلبس أي شخصية كانت بتلك الأقنعة البلهاء ، واللهجات التي يتحدثها والتي لا تنتمي إلي بلد من البلدان التي زارها البطل وادعى أنه أحد أبنائها ، وعلينا أن نقتنع غصبا أنه استطاع إقناع أبناء البلد نفسه أنه يتحدث لهجتهم بطلاقة !

إن النرجسية التي يتمتع بها بطل العمل وقدراته السوبرمانية ، تمثل ظلما كبيرا للنضال الوطني التي خاضته شعوبنا العربية ، وقام على أكتاف الشعوب مجتمعة ، واجتماعها كان هو القوة التي قادت إلى تحريرها من مستعمريها ، و رموز النضال الوطني كانوا شرارات أطلقت النضال الوطني الذي حمله الشعب كله .

لم يكن ينقصنا مزيدا من الخيبات ، التي حدت بالكثيرين من متابعي المسلسل ، أن ينفضوا عنه ، بحيث لم يعد يسمع كلمة عنه بعد أسبوعين من بداية عرضه في الأحاديث الرمضانية التي تكاد تقتصر على المسلسلات ، ناسين المسلسل اليومي الدامي ، الذي تطالعنا به نشرات الأخبار كل صباح .

إن النوايا الحسنة ، التي حدت بصناع العمل إلى التصدي لقضايانا المصيرية ، والمواقف الوطنية المعروفة للفنان محمد صبحي ، والمشهود له بوطنيته وطرحه هموم وطنه وقضايا أمته في أعماله الفنية ، لم تكن كافية للأسف لحمل لعمل فني على هذا المستوى من الأهمية ، بل إنها لا تشفع لمثل هذه الطروح الساذجة فكريا وفنيا . فالعمل لم يستطع ، كما هو مأمول منه بث الحماس والتفاؤل في قلوب جماهيرنا المحبطة أصلا ، بل كرس إحباطها ويأسها من إمكانية أن تستطيع ولو بالكلمة أن تحقق انتصارا ما ، كما عجز عن إيصال صوتها إلى الخارج وشرح قضاياها العادلة أمام الرأي العام الغربي المخدر بادعاءات الصهاينة ، بل على العكس ، استطاعت الجهات المعادية أن تنفذ من طروحات مرتبكة إلى موضوع معاداة السامية ، بدل أن تُصفع بحقائق دامغة ، والأمر الأخطر بقناعتي أننا نقدم لكل من يريد تشويه صورة العرب في الخارج ، تأكيدا على ما يروجوه بأننا قوم متخلفون سذج ، فالمراقب المحايد أو المعادي لابد أن يتهم شعوبنا بالغباء ، إذا كان مفترضا بها أن تقبل فنا على هذا المستوى من السذاجة ، ولاشك أن أعداءنا سيبشرون بطول سلامة ، أمام غريم يتمثل بشعوب مهمشة مسلوبة الفعل والقول معا.

د. ميّة الرحبي