رغم كل الهجوم الذي جوبه به مسلسل الحاج متولي بعد عرضه في رمضان الماضي من قبل الكثير من المثقفين ، وكل من يعتبر المرأة كائنا بشريا كامل الأهلية ، مواطنا متساويا في الحقوق والواجبات مع الرجل ، يأتي مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون مكرسا الصفة التي لازمته في توزيع جوائزه على من هب ودب دون اعتبار للقيمة الفنية التي يجب أن يكرم من أجلها أي عمل رفعا لسوية الدراما التلفزيونية العربية وبالتالي الذوق العام ، ويمنح مسلسل الحاج متولي جائزة ، ربما على تفاهته وتخلفه . ولا أعتقد أن المشاهد العربي بحاجة لتذكيره بهذا المسلسل الذي بات اشهر من نار على علم
هذاالمسلسلالذي ظهر واضحاكتسويق للحلم الأمريكي بمنكهات عربية . الحلم الأمريكي المتجسد في الثلاثية الشهيرة : السعادة والمال والنجاح , أما المنكهات العربية فتتضمن مجموعة من النساء يحطن بالرجل السعيد الثري الناجح , نساء من كل صنف ولون , غايتهن في الحياة كسب رضائه والمحافظة عليه بشتى الوسائل .
الحاج متولي الذي يرقى فوق الطبيعة البشرية الموصوفة في الآية الكريمة ” ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ” فهو يستطيع العدل بين نسائه , بل انه يرقى فوق مستوى الأنبياء . فالنبي ( ص ) كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك , إنما يعني به الحب والمودة حسب تفسير أهل العلم , فالحاج متولي يستطيع العدل حتى بقلبه .
هذا الحلم الأمريكي الذي أسبغ عليه غطاء ديني فصله كاتب النص كما يشاء , ليعطي للحاج متولي مشروعية كل ما يفعله , فالحاج متولي الذي يظهر في النص تقيا ورعا , ولا باس من كونه محتكرا , يدخل في منافسات رهيبة مع غيره من التجار قد تودي بهم إلى الإفلاس بل حتى الموت , ولا بأس من كونه زير نساء , يغازل كل من تدخل محله , مادام ذلك الغزل لا يصل إلى الحرام , الذي يقتصر على العلاقة الجسدية غير المشروعة من وجهة نظره , ولا باس أن يعدد زوجاته دون مسوغ , سوى طمعه في ثروتهن , أو لمصلحة مادية , يعلنها واضحة صريحة , ولا بأس أن يحرم ابنه البكر من تعليمه في حين يسمحلأولاده الآخرين بمتابعة تعليمهم الجامعي ( أين العدل في ذلك ؟ ) بل حتى يحرمه من الزواج بمن أحب واختار , لمجرد أنه أرادها لنفسه , ولا بأس أن يقابل رفعة أخلاق الزوجة الوفية المخلصة التي رعت ابنه اليتيم وعاملته كابنها تماما , بتذكيرها دوما بكل قسوة ولا إنسانية أنها ليست أمه , ولا ضير أن يكذب ويتلاعب عندما يحس بأن إحدى نسائه طامعة في ماله , فيهديها مجوهرات مزيفة , هو الذي لا يغلط أبدا و ولا يغرر به أبدا , فهو القديس السوبرمان , والنساء , الطيبة منهن والشريرة , الجاهلة منهن والأمية , كلهن في الأمر سواء , لا هم لهن سوى استخدام جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة , كما في قصص ألف ليلة وليلة للفوز بقلب الرجل , خلال عشرين سنة عرضها المسلسل , دون أن يصاب أحد أفراد المسلسل برشح أو مغص كما علق أحدهم , ودون أن تمر على بلادنا العربية السعيدة ألف نكبة ونكبة , تعكس آثارها على الهواء الذي نتنشقه .
ولحسن الحظ أنه عدا العديد من المسلسلات الشبيهة بمسلسل الحاج متولي ، التي تعج بها التلفزيونات العربية , وبخاصة في شهر الصيام وتطهير النفس محولة إياه إلى شهر الأحلام والفرفشة ، يمكن استثناء بعض المسلسلات التي نشهد لها حقا بالجدية في طرح الأمور وإحياء ما بدأ يذبل ويشيخ من العزة العربية الغابرة , كمسلسل صلاح الدين الذي أعاد إلى الأذهان فترة مشرقة من التاريخ العربي استطاع فيه بعض المخلصين , رغم تشتت العرب وتشرذمهم , الذود عن حياض الوطن ضد غزو الفرنجة , وتحرير الأراضي التي اغتصبوها ومكثوا فيها قرونا .
مسلسل الحاج متولي وغيره من المسلسلات التي أتخم بها المشاهد العربي خلال شهر رمضان المبارك , والتي ندر أن تحمل قيما إنسانية أو أخلاقية أو ثقافية , نحتاج إليها في هذا الزمن الصعب , زمن العولمة حيث يخيم غول الطغيان الغاشم المتمثل بأمريكا وغزوها العسكري الاقتصادي الثقافي المباشر وغير المباشر , بأسلحة الجيوش أو بالتقنية , وحيث العدو الصهيوني الشرس مطلق اليد في ذبح شعبنا في الأراضي المحتلة , والاستمرار في احتلاله الوقح لأراضينا مخالفا بذلك كل القوانين والتشريعات الدولية . في هذا الزمن الصعب , ألا يطالب الفن بمهمة أكبر من مهمة الفرفشة وتقديم مسلسل خفيف الدم مهمته إضحاك المشاهد , حتى ولو حمل قيما تافهة أو مغلوطة أو أفكارا لا تمس واقعنا المعاش , أو أحلاما مشروعة أو غير مشروعة , أو آراء أكل عليها الدهر وشرب .
إن هذا المسلسل وغيره من الأعمال الدرامية تطرح تساؤلات عدة :
ـ هل من حق الفنان أن يطرح ما شاء من الأفكار دون رقيب أو حسيب ؟
ـ هل التزام الأعمال بالقيمة الفكرية المناسبة للمجتمع مسؤولية الأجهزة الرقابية أم الفنان نفسه ؟
ـ ما أهمية طرح واقع اجتماعي متخلف عن سياق العصر , كتعدد الزوجات الذي لم تعد تتعدى نسبته 7 بالأف في مجتمعاتنا العربية ؟
ـ في ظل الحملة الشرسة التي يقودها الغرب ضد الإسلام والمسلمين , من المستفيد من طرح قضية إشكالية كقضية تعدد الزوجات , علما بان محطة ال ب . ب . سي وقناة التلفزيون الألماني عرضا مقاطع من هذا المسلسل كدعاية مضادة للعرب والمسلمين , وعلما أن مسالة تعدد الزوجات مسالة أفتى كثير من علماء الدين باستثنائيتها على أساس الآيتين القرآنيتين المتعلقتين بهذا الحكم , كالإمام محمد عبدو الذي افتى بذلك عام 1881 أي قبل اكثر من 120 عاما , وغيره كثيرون , وهو ما استند إليه القانون التونسي في منع تعدد الزوجات ؟
ـ إلى متى ستبقى صورة المرأة في الأعمال الدرامية العربية وكأنها خارجة للتو من بين صفحات ألف ليلة وليلة ؟ كائنا غير كامل الأهلية , لا يرقى أحيانا حتى إلى مرتبة الإنسان صحيح العقل ؟