ذهب أيلول وسواده

فتحت عيني , على نفس الشعور بالذنب والآهات الحارقة التي سبحت بها روحي , قبل أن ينسحب العقل مجهدا من أحداث وأحاسيس ومشاعر البارحة , أغفيت ألوم معدتي على امتلائها , وجسدي على رفاهية النوم على سرير مريح , في حين كان الشباب ينامون خاوي البطون لليوم السابع , على بلاط شرفة مكتب الأمم المتحدة , الذي اعتصموا أمامه , مصممين , بصدق مدهش , على الإضراب عن الطعام حتى الموت , إذا لم تلب الأمم المتحدة مطالبهم في الإفراج عن المساعدات التي احتجزها العدو , ومنع وصولها إلى المحاصرين , و مطالبهم بمنح أطفال فلسطين حقوقهم , ليست الحقوق التي تتضمنها لائحة حقوق الطفـــل العالمية و التي تتبناها الأمم المتحدة نفسها , بل أبسط منها بكثير , حقهم بالحياة أولا .

لا تزال صور البارحة تتداخل في رأسي متراكبة مشوشة , يقطع تحليلاتي المنطقية لها زخم من الألم الحارق الذي يجتاز القلب , أليس لهذا الجحيم من نهاية , تتنازعني مشاعر شتى , أمومتي التي تملؤني رعبا على هؤلاء الشباب الذين رأيت بعيني أجسادهم تذوي , هكذا ببساطة و أمام أنظارنا وقلوبنا العاجزة , وبقية باقية من حماس الشباب لدي و لابد من الصمود , وإيصال كلمتنا إلى العالم , عله يستفيق من تعاميه عن الحقيقة الناصعة , وغبنه لحق واضح وضوح الشمس .

سبعة عشر شابا , قابلتهم وجها لوجه لدقيقتين , عجزت فيها عن الكلام , فدفعت بابنتي إيناس , تلكأت قليلا أمام هيبة لحظة المواجهة , ولكنني كنت أعرف أن صباها سيمنحها قدرة الكلام , فقد شلت لساني آلام القلب التي راكمتها الأيام , راقبتها باعتزاز تقول لهم :

ـ نحن معكم .. وتتابعت الكلمات جميلة معبرة كما تنطلق منها دائما , وغص حلقي بعذابات ذلك الشعب المناضل منذ أن فتحت عيني على الدنيا , قسرت شفتي ولساني على قول جملة واحدة , كي لا أبدو كالبلهاء , ولم تسعفني سوى كلمتين فقط :

ـ شدوا حيلكم .

وانسحبت , أحفظ في الذاكرة صورة تلك الوجوه الشاحبة والأجساد المنهكة , والتي لم يعد يدل على صمودها سوى تلك النظرات التي تشي بإصرار لا مجال لزحزحته , لم تستطع الذاكرة أن تحتفظ بتفاصيل الوجوه كلها , فقط لمحات لوجه طفل يقتحم عالم الرجولة , وكأنه يلعب لعبة أكبر منه .. وعينان تحملان نظرة هازئة ربما بالعالم كله .. وعينان محمرتان ذكرتاني فجأة بمهنتي , وأن علي أن أنبه اللجنة المسؤولة ، باحتمال أن صاحبهما يعاني من نقص البوتاسيوم , وأن على اللجنة الطبية الانتباه إلى نقص الشوارد عند الشباب .

ما أقسى أن يكون المرء طبيبا , وله قلب ينبض , استعرضت في ذهني كل احتمالات الأضرار الصحية التي ستصيب الشباب , واستبعدت من ذهني نهائيا فكرة الموت ,استعرض في ذاكرتي صور المضربين عن الطعام في تركيا , دون أن يسمع بهم العالم أو يلتفت إلى مطالبهم و فتاة في عمر الزهور , بقي منها عينان غائرتان وشبح ابتسامة , مستلقية في فراشها و حولها ذووها , وتحت الصورة كلمات تصفع القارئ ” صورة للمضربة عن الطعام قبل وفاتها بأيام ” . جن جنوني عندما علمت أنهم قرروا الإضراب عن الماء أيضا , لن أدعهم يموتون حتى لو قيل لي أن لا علاقة لي بالأمر , سأفتح أفواههم كما كنت أفعل مع أطفالي عندما كانوا صغارا ويرفضون تناول الدواء , سأسقيهم الماء غصبا , يكفينا موتا .

ما الــذي حدث لي , أين حسي النضالي , أين إيماني بالقضية وضرورة بذل الغالي والرخيص في سبيلها ؟ كيف صمدت أمهات الشهداء اللاتي يسقط أولادهن بالجملة أمام أعينهن , كيف استطاعت أم الشهداء الثلاثة التي حضرت لتشد أزر المضربين , كيف استطاعت أن تودع بقبلة وضمة في الحضن وأطنان من الفجيعة ثلاثة أبناء , وتعود إلى الوقوف على قدميها لتبارك من يتابع السير على طريق فلذات كبدها المفتت قهرا , رأسي يتقلب على الوسادة أفكار تكاد تأخذني إلى الهذيان , أحاول إقناع نفسي , ربما هناك يموت الشهداء وهم ينفذون عملية ضد العدو , ولكن أن يموتوا هنا مجانا ؟ مهما كان تأثير مثل هذه الإضرابات إعلاميا , فهل تساوي حياة هؤلاء الشباب ؟ .. ما الذي حدث لي ؟ متى كنت متخاذلة إلى هذا الحد ؟

غالبت دموعي وأنا أنسحب من أمام العيون المليئة بالتحدي , نزلت الدرجات القليلة , وكانت هناك نعمة , شدت على يدي :

ـ مية , ما بك ؟

ـ يبدو أنني كبرت ,تعب القلب يا نعمة.

ـ ما الذي تقولينه ؟ ليست مية من تقول ذلك .

ولكنني سأكتشف في اليوم التالي أن قلبها هي الأخرى أنهك .

يئست من العودة إلى النوم , قمت من الفراش وكأن نفسي تعاقب نفسي على هذه الرفاهية , حسنا من الأفضل أن أنهي أعمال البيت باكرا , لأذهب مع الأولاد إلى هناك , فليس من حل سوى أن نعاضد الشباب في جنونهم , ونستغل هذا الإضراب إعلاميا قدر الإمكان , لملمت البيت بقدر ما أتاحت لي يداي المتراخيتان وذهني متلاطم الأفكار ذلك , أجريت بعض المكالمات مع بعض الأصدقاء وخصوصا المشاهير منهم , فوقع تواجدهم الإعلامي أكبر , كما أن ذلك يساهم في رفع الروح المعنوية لدى المضربين , عندما يرون الدعم من أشخاص لهم شهرتهم ووزنهم إعلاميا .

أيقظت إيناس , كانت متحمسة جدا , قفزت من السرير , كما لم تفعل إلا نادرا , كانت تجربة الأمس من التجارب الهامة في حياتها , لقد لمست بيديها معنى أن يناضل الإنسان في سبيل قضيته حتى الموت , رأت بعينيها ما كانت تسمعه مجردا , بعيدا كقصيدة من كتاب موغل في الشاعرية , كانت تجربة الأمس جديدة مثيرة حافلة , منذ أن تحدثت بعينيها وقلبها إلى المعتصمين , عرفت أنها قد ارتبطت معهم برباط سري لن يكون من السهل فصم عراه أبدا . بحماس شبابها وحيويتها المتدفقة , لم تكن لترتضي بمجرد الوقوف إلى جانبي على الرصيف فراحت تبحث عما تفعله , وعندما افتقدتها وبحثت عنها بعيني بين الجموع التي كانت تزداد أعدادها , رأيتها تقف على الجزيرة المنصفة للشارع تحمل بيدها علم فلسطين وتلوح بيدها بإصرار بشارة النصر للسيارات المارة , مصرة على أن يبادلها الركاب إشارتها , لا تخفي غيظا واضحا على قسمات وجهها عندما لا يرد لها أحد سائقي السيارات إشارتها ,متهمة إياه بالجبن والخيانة , وإلى جانبها يقف أخاها الأصغر سعد مقلدا إياها بكل ما تفعل مبتسما بل مقهقها في بعض الأحيان , كنت أتخيله فرحا بلعبة جديدة لم يجربها بعد , ولم أعرف مدى قلقه وتأثره إلاّ عندما عدنا إلى البيت , وبدأ يلاحقني من غرفة إلي غرفة بأسئلته القلقة الملحاحة , وبينها سؤال واحد يتكرر كل خمس دقائق , هل من الممكن أن يموتوا ؟ جلس إلى الكومبيوتر , حسنا , قلت في نفسي , لعله سينشغل بألعابه عن قلقه قليلا , بعد ساعة شاهدته يلملم أوراقا طبعها , يحملها إلى , ما هذا ؟

ـ طبعت لافتة , سألصقها على خشبة وأحملها بيدي غدا .

اغرورقت عيناي بدموع حملت فرحا وحبا واعتزازا , وأنا أقلب أوراقا كتب على كل واحدة منها كلمة بحجم كبير , جمعت تلك الكلمات :

كل .. ليمونة .. ستنجب .. طفلا

ومحال .. أن .. ينتهي .. الليمون

ضممته إلى صدري وقبلته متحاشية أن يرى الدموع التي كادت تنبجس .

لم يستطع النوم يومها إلا بعد أن جلست بجانبه في السرير وأكدت له مرارا بأن الشباب سيكونون بخير , وأن عليه ألا يقلق . لم ينم مطمئنا , وربما لم ينم أحد منا تلك الليلة نوما هانئا , فقد كنت أسمع بين النوم واليقظة , حركة أحدهما , وهو يدور عدة دورات في البيت ثم يتقلب برهة محاولا العودة إلى النوم .

أشفقت على سعد من نومه القلق البارحة , تركته نائما , يمكنه أن يذهب معنا بعد الظهر , انطلقنا إيناس وأنا إلى أبو رمانة , عندما وصلنا , كان عدد المتجمعين أمام مقر الأمم المتحدة أكبر من البارحة و شعرت بالراحة , فالحملة الإعلامية قد بدأت تؤتي ثمارها . سلمت على الأصدقاء واطمأنيت على وضع الشباب , أحدهم كما قالوا أنهك وسينقل إلى المستشفى .

من بعيد لمحت السيدة هدى حنا , غصة تعتصر قلبي , وأنا استذكر أحزان آل حنا النبيلة , سيماء وجوههم المشربة بعراقة التاريخ الفلسطيني , حضارة موغلة في القدم و بهاء مستمد من قدسية الأرض , علم راسخ , وثقافة موسوعية , وفن يضخ إبداعه في العروق , جورج حنا الذي فضل في أواخر عمره أن يمحو ذاكرته كلها , كي يتمكن من العيش دون نزيفها الذي استنزف حياته قطرة قطرة , وهو ينتظر العودة إلى الرامة , حيث الشجر الباسق , ومنزل العائلة باقيا إلى اليوم شامخا متحديا الزمن والاحتـــلال , أخوه نقولا الذي عاش عمره قلقا وقد اختار منفى اختياريا عن الواقع بكل أبعاده , كانا يحفظان من القرآن ربما أكثر من فقيه متمرس , هذا تراثنا وحضارتنا , كانا يرددان , يملكان ناصية لغة متينة أورثاها أولادهما , ولغة إنكليزية طليقة , ورقي يليق بأبناء عائلة فلسطينية مثقفة , يوسف الممثل الشهير والمثقف الموسوعي , الذي شرخ قلوبنا برحيله المفاجئ عنا , كما شرخت قلوبنا عائلته ,و هي تودع فردا إثر آخر , وفي القلب حسرة ألا يدفن في تراب الرامة الطاهر . أمل حبيبة قلب الجميع , والتي اختارتها غربة أبعد , وبقي قلبها مشظى بين الرامة التي لم تعد تذكرها إلا من الصور التي يصر آل حنا على استرجاعها دائما , حتى باتت تعتقد أنها تتذكرها قبل أن تولد , وبين وطن ثان وجدت في حضنه أمانا , ووطن ثالث لم يربطها به سوى أسرتها الصغيرة .

آل حنا , تلك العائلة التي عرفت بين أحضانها ألفة وودا , وأنا طالبة جامعية وحيدة في دمشق , عائلة عرفت كيف تعجن الإيمان بالقضايا الكبرى بخبزها اليومي , وكيف تتعاطى الثقافة لحظة بلحظة كهواء تتنفسه . أحزان نبيلة , وأفراح نادرة تجسدت في شخص العمة هدى عندما أقبلت تتهادى بسواد قلبها وثيابها وسنواتها التي تجاوزت السبــعين , مصــرة , بطريقـــة أخجلــت شباب الكثير من الواقفين الذين بدأووا يراوحون أقدامهم تعبا , أن تقف معتصمة معاضدة الشباب المضربين , عندما لمحتني لم تكن قادرة على أكثر من عناق ودموع فاضت من العينين كنهر ضاق بأحزانه المكبوتة فأطلقتها دون رادع , ولم يعد القلب يتحمل أكثر , ضغط يكاد يخلعه من مكانه , وأنا أحاول كبت دموع تقاوم كي تفلت من عقالها .

مقاومتي انهارت كلها , لحظة لمحتهم يحملون أحد الشباب إلى سيارة الإسعاف , الدموع التي طاوعتني من قبل , و انحبست تحت سطوة رغبتي بالظهور متماسكة , أفلت زمامها مني , فانطلقت هادرة . أشهق ببكاء ربما كان محبوسا في الصدر منذ سنوات .

لملمت بصعوبة شتات شجاعتي , وقهرت دموعي , سددت طريقها إلى وجهي , ففتحت لها ممرا خفيا في القلب , كي تستمر في التدفق ما شاء لها العمر ذلك . عرّفت السيدة حنا على بعض أصدقاء , وعلى مأثرة كتابها النادر الذي كتبته عام ال48 واصفة فيه وصفا حيا وصادقا , المعاناة اليومية لآلاف اللاجئين الفلسطينيين .

أرغمت إيناس على العودة ظهرا إلى المنزل , واعدة إياها بالعودة , حالما نتغدى , ونأخذ قسطا من الراحة . استقبلنا سعد بعتاب لا هوادة فيه لأننا تركناه نائما وحرمناه من الذهاب صباحا , وعدته ألا أفعل ذلك ثانية . رفعت الطعام عن الطاولة واكتشفت أننا بالكاد تناولنا شيئا منه .

لم أكد أغفو في قيلولة , كنت أعرف أنها قصيرة , لكنها كانت أقصر مما توقعت , فقد اندفع سعد إلى الغرفة منفعلا :

ـ ماما , استيقظي , طائرة تحطمت على برج التجارة العالمي في نيويورك .

ـ سأشاهد ذلك فيما بعد , أرجوك , اتركني أنام قليلا .

أغلق الباب , لكنني لم أعد أستطيع النوم , صحا عقلي تماما من غفوته , استرجعت كلماته , تنبهت إلى القلق الذي يشوبها , قفزت من السرير , جلست إلى جانبه أمام التلفزيون , أمامي البرج يحترق , أفكر كيف بالإمكان إطفاء الحريق على قمة ناطحة سحاب , شخص يلوح بقماشة بيضاء من إحدى النوافذ , لا أدري لماذا تخيلته امرأة , ينهصر قلبي ألما , آخرون يلوحون من النوافذ , رباه إنهم محاصرون في ذلك العلو الشاهق بالنيران , مطارق تدق الرأس , أخبار مهولة متتابعة , طائرة تقصف البيت الأبيض , البنتاغون , وزارة الخارجية , أهب واقفة و فجأة أدرك أن الأمر لا يعدو حادثة , ما الذي يجري , رباه , خلال دقائق , أمريكا , ذلك الغول المهيمن على مقدرات العالم تتهاوى أمام عيني , أنظر إلى ابني , تساؤل في عينيه , لأول مرة لا يجد أية إجابة , ولا حتى تخمينا , على تساؤلاته في عيني الذاهلتين المصدومتين , أمريكا تتهاوى , هل ذلك معقول ؟ تنهال المكالمات الهاتفية , وكالعادة و كما في كل الأحداث الكبيرة يتبادل السوريون جملة وحيدة على الهاتف دون أي تعليق :

ـ هل تشاهدون التلفزيون .

ـ ما الذي يحدث ؟

ـ لا أدري .

السماعة في يد , وعيناي معلقتان بالتلفزيون , فجأة , أشاهد طائرة تخترق المبنى الآخر , أصرخ برعب يا إلهي و أغلق السماعة , وألصق وجهي بالتلفزيون , هل ما شاهدته حقيقة ؟ ينهار المبنى كله فجأة أمام عيني , يا إلهي , أمسك رأسي بيدي , وكأنني أخشى عليه من الانفجار , ماذا , فيلم رعب أمريكي ؟ كابوس ؟ هل حقيقة ما أرى ؟ وحش مرعب من الركام والغبار يكاد يلتهم الناس المتراكضين في الشارع , يا إلهي , فيلم رعب , لا يمكن أن يكون ما يجري حقيقيا , في قمة ذهولي وذهول العالم كله ينهار البرج الثاني أمام أنظارنا , كلعبة دومينو , أكتم صرخة رعب , عيناي تدوران في محجريهما , تلتقط عيني سعد المتسائلتين الحائرتين , أرد على السؤال المعلق بكلمات هائمة , لاادري , غير معقول ما يحدث .

تتالى الأنباء مشوشة متضاربة , طائرة تخترق البنتاغون , طائرة تخترق البيت الأبيض , أتخيل العالم واقفا على رؤوس أصابعه , حابسا أنفاسه يراقب نيزكا ضخما قادما باتجاه الأرض , سينفجر , بل لقد انفجر العالم كله , أمريكا تتهاوى بكل عظمتها وغطرستها أمام مجهول , غزاة من العالم الخارجي ؟ وإلا من يتجرأ على لمس طرف أعتى قوة في العالم , يفيق العالم من هول الصدمة , وتبدأ الأسئلة , من ؟ كيف ؟ من الذي يجرؤ ؟ كيف اخترق أمن ودفاع أمريكا التي تدعي أنها تعرف تحركات كل نملة تدب على الأرض , تعرف ما يدور برؤوسنا , ما تصطرع به أفئدتنا , ما تخفق له قلوبنا , تحاسبنا على نوايانا قبل أفعالنا , تحصي علينا أنفاسنا , وتقرر وهي سيدة العالم من هو الولد المطيع ومن المارق , لتعاقب أو تكافئ كلا حسب رضاها عنه , قلبي ممزق أوصالا شتى , لا زال منظر الناس الذين لوحوا من النوافذ , يجرحه , تنجلي الأمور أكثر فاكثر , طائرات ركاب مخطوفة هي التي انفجرت , يا إلهي , أتخيل منظر الركاب في الطائرة وهم يرون بأم أعينهم الموت , يا إلهي من القادر على القيام بذلك , كم يحمل بقلبه من الإحباط والحقد والإحساس بالظلم حتى يضحي بروحه وأرواح الآخرين , صرخة في عالم لا يسمع الصرخات إلا إذا بلغت من الهول حدا تمزق به آذان الرؤوس المنيعة على سماع أصوات شعوب مقهورة , ذبحها الاستعباد والهوان .

أبرياء راحوا ضحية سياسة حكوماتهم المتعجرفة , الظالمة الصماء , رباه إلى متى هذا العنف ؟ تسربلت بيأس جلل روحي وقد أدركت للحظة أنني بالتأكيد سأموت قبل أن تنتهي دوامة العنف هذه , قبل أن أرى يوما تمنح فيه الحقوق للشعوب والأفراد , حتى لا يضطر المظلوم والمقهور , الذي خسر أهلا وأحباء ووطنا , أن ينفجر بقهره فيفجر العالم من حوله .

أخبار متتابعة , لا نكاد نلتقط أنفاسنا حتى يداهمنا خبر جديد , مكالمات لا تنقطع , الجميع في حالة من عدم التوازن , تخلقها دائما الأحداث الاستثنائية , التي تحرك ركود الحياة الذي يلفنا , حوادث محزنة كانت أم مفرحة , كلها تهز توازننا وجمودنا , حتى الضحك إن تجاوز حده , نمسح على صدورنا خائفين , والله يعطينا خير هالضحك .

أوقظ ابنتي من قيلولتها التي طالت :

ـ استيقظي , لقد انقلب العالم وأنت نائمة ,

تستدير عيناها دهشة وذهولا , تتخشب معنا أمام شاشة التلفزيون , غير مستوعبة لما يجري , أحاول البحث عن كلمات أصف لها فيها ما حدث , تستعصي على الكلمات , ما حدث كان مهولا , مهولا .

فجأة , نعي وجودنا , حياتنا , أين نحن , ما الذي جرى ؟ نستيقظ , نفكر , ما الذي سيحدث مع الشباب , لابد أن العالم نسيهم و التقط سماعة الهاتف , أسأل من أتخيلهم سيعرفون , إجابة واحدة :

ـ لا أدري .

نتباحث أنا والأولاد , لا يمكن أن يستمروا بإضرابهم , ما الفائدة , من سيصغي إليهم بعد . العالم ذاهل , متخبط . نقرر أن نذهب بأنفسنا لنرى ما حصل , ننتزع أنفسنا من أمام شاشة التلفزيون وننزل .

عندما وضعت قدمي في الشارع , لم أتخيل أن الحياة سائرة بشكل عادي , كنت أحسّني خارجة من حرب نووية , والغبار النووي عالق بي ويغطي كل ما حولي , لكن الحياة مستمرة , نستقل التاكسي إلى هناك , أرقب بعيني وقلبي الشارع قبل أن نصل , هل هنالك أحد ؟

ننزل , كثيرون مجتمعون على الرصيف , لكن عدد أفراد الشرطة أكبر من عدد الناس , هرج ومرج , لغط , أبحث في الوجوه عمن أعرفه كي أسأل , ما الذي حدث ؟ قلبي يدق بعنف , أحاول عبور الشارع إلى بوابة المقر , تمنعني الشرطة , أرى من البعيد نعمة مضطربة تصرخ بكلمات متقطعة , تحادث أحد الشباب المضربين الذي يتخبط بين أيدي اثنين يحاولون جره إلى الخارج , تسترضيه وتصرخ : عندي , عندي, والله عندي , وهو يقاوم , ينتفض كالذبيح , صرخته : لا , تخترق شغاف القلب وتنكأ الجرح الغافي .

أدرك ما يجري رغم ذهول عقلي , إنهم يجبرونهم على إنهاء الإضراب وهم يرفضون , يصرخون , يلبطون , يركلون بأرجلهم , , الشرطة توقف باصات صغيرة , وتدفع بالشباب إلى داخلها , المتعقلون يحاولون إقناعهم بالصعود , وقلــبي ينــــــزف و كم من أرواح , عذاب , نضال استنــزفت دون جـــدوى , و … ليست أول مرة .

يتجمع الشباب و يبدأون بالهتاف , بالروح بالدم نفديك يا فلسطين , ولا أحد يدعهم يفدونها بأرواحهم ودمائهم , نحاول الاقتراب , نصطدم بحاجز الشرطة , ادفع الشرطي و أحاول الاندفاع إليهم , تمسكني أيدي ولديّ , أنظر في عيونهما , يهزان رأسيهما بنظرات معاتبة تدعوني للتعقل :

ـ ماما .

لاشيء يقهر روحي كالعجز , يقتلني , يمز قني , يطعن روحي , يشظيها و يبعثرها , أكره نفسي والساعة التي فتحت عيني فيها على هذا العالم الظالم دون رحمة .

يمتلئ الباص الأول بركابه ويتحرك , من زجاجه الخلفي ألمح الوجه الطفل الذي كان يريد اقتحام عالم الرجولة , فتصدت له أولى النكسات التي لابد سيعاني منها الكثير قبل أن يبلغ الشهادة أو النصر , أصغر المضربين , عيناه المليئتان بالدموع تدوران , تبحثان عن لاشئ , تلتقي عيناه بعيني , أحبس دموعي وارفع له شارة النصر , فينخرط في بكاء مرير .

ينطلق الباص الآخر , من إحدى نوافذه تطل نعمة بنصف جسدها , تنادي أحدهم , تلمحني على الرصيف , ترفع يديها بإشارة النصر , أرفع يدي الاثنتين بها على مداهما , و دموعنا تنداح تغسل انكسارات العمر , وأنفاسنا تسرق من الهواء المحيط بنا أملا سنبقى محكومين به مادام بقي فينا عرق ينبض .

د . ميّة الرحبي

مقال نشر في مجلة الهدف

عدد نيسان 2002

السادة أعضاء الهيئة المسؤولة عن قبول طلبات مسابقة الصحافة العربية المحترمون :

تحية طيبة .

أنا طبيبة وكاتبة من سورية , وعضوة في إتحاد الكتاب العرب , أكتب القصة القصيرة والرواية بالإضافة إلى المقالات الصحفية في الصحف السورية , والعربية أحيانا .

أرسل لكم هنا مقالا , آملة أن يستوفي شروط الاشتراك في المسابقة , وبالتالي إعجاب لجنة التحكيم , علما بانني لم استطع الحصول على شروط الاشتراك لعدم توفرها على موقعكم على شبكة الانترنيت .

ولكم جزيل الشكر .

د. ميّة الرحبي

طبيبة وكاتبة

m.rahabi@scs-net.org

Damascus P.o.Box 60190