أنهى تعديل مدونة الأسرة الذي وافق عليه البرلمان المغربي جدلاً سياسياً طويلا بين المحافظين والحداثيين في المغرب وصل إلى حد مواجهات تظاهرية بينهما في شوارع العاصمة المغربية .
وتناولت الاصلاحات ، التي تضمنتها تلك المدونة رفع سن الزواج من 15 الى 18 عاماً, وتقييد تعدد الزوجات, وجعل الطلاق من مسؤوليات القضاء, إضافة الى اقتسام الثروة بعد الطلاق واقرار المساواة بين الرجل والمرأة, ووضع قوانين جديدة لحماية حقوق الاطفال, وجعل الولاية حقاً للمرأة الراشدة.
وكما هو معروف كانت تونس هي السباقة بسنوات عديدة لجميع الدول العربية الأخرى في تعديل قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة ، بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية حسب اجتهادات علماء دين متنورين ، كما حدث اليوم في المغرب ، وإن كانت لا تزال هناك بعض الثغرات التي لا تزال تحمل تمييزا ضد المرأة في كلا القانونين المغربي والتونسي ، لكنها لا تقاس بتلك التي تحويها مواد قانون الأحوال الشخصية في سورية وبقية الدول العربية الأخرى ، مما يدعو المرء للسؤال عن المبرر وراء إبقاء القوانين المجحفة بحق المرأة فيها بحجة تعارض أي تغيير مع الشريعة الإسلامية ، وأقرب مثال على ذلك الصيغة المجتزءة المبتسرة لتعديل قانون الحضانة الذي تم قبل شهور في سورية ، مما أدى إلى ولادة تعديل مسخ اقتصر على رفع سن الحضانة إلى 13 للصبي و15 للبنت ، دون مراعاة تأمين مسكن للحاضنة ، أو تعديل النفقة التي على الأب دفعها ، والتي لاتتجاوز في أحسن الأحوال ميلغ 800 ليرة سورية ( 40 دولار ) شهريا ، ودون إيضاح مسألة تخيير الطفل بعد هذه السن ، والإبقاء على حرمان الحاضنة من حق الحضانة في حال زواجها من آخر ، هذا عدا عن المسكوت عنه من عشرات المواد القانونية الأخرى المجحفة بحق المرأة ، والتي استمد معظمها من قانون حقوق العائلة الصادر عام 1333 هجرية الموافق زمن الحكم العثماني ، والذي تمت عليه تعديلات طفيفة عام 1953 ، وتعديلات لا تذكر على بعض مواده فيما بعد ، كان آخرها رفع سن الحضانة عام 1975 ، قبل التعديل الذي حدث هذا العام وتناول نفس الموضوع ، بل إن القانون يوصي في حال عدم وضوح مادة قانونية ما بالعودة إلى كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية على مذهب أبي حنيفة النعمان تأليف المرحوم محمد قدري باشا ، من الفترة العثمانية أيضا !!
وقد ربط كثير من المحللين السياسيين تراجع المحافظين في المغرب عن تشددهم إزاء تعديلات قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة ، بأحداث التفجير الأخيرة التي قامت بها تيارات أصولية في المغرب ، مما يدل دلالة واضحة على أن المسألة تتعلق أولا وأخيرا بالوضع السياسي في الدول العربية ، فحتى في الدول العربية التي تبنت نظما اشتراكية تقدمية ، وفي الفترات التي تصاعدت فيها تلك التيارات التقدمية ، بقيت فيها قوانين الأحوال الشخصية محكومة بالعقلية الذكورية ، وبقيت السلطات السياسية فيها تحابي التيارات الإسلامية المتشددة بالإبقاء على منظومة الحياة الأسرية _ وهي كما اتضح أكثر ما يهم تلك التيارات _ جامدة تحكمها اجتهادات فقهية وضعت قبل خمسة عشر قرنا ، دون أي مراعاة لتطورات العصر .
والغريب في الأمر أن تلك التيارات لم تمانع أبدا في تغييرات قانونية طاولت أحكاما أخرى وصلت إلى حد تغيير الحدود كحد القتل والسرقة والزنا ، التي طبقت عليها أحكاما مأخوذة من قوانين وضعية مدنية استقاها العالم العربي من قوانين الدول التي استعمرته دون احتجاج يذكر من قبل نفس الفئات المتشددة .
ولعل الحفاظ على القوانين التي تمنع المرأة من الانتخاب أو الترشيح للمناصب السياسية ، أو قيادة السيارة ، أو منح جنسيتها لأولادها ، لخير مثال على أن التغيير لا يتعلق حقيقة بالشريعة الإسلامية بقدر ما يتعلق بتحاشي السلطات صداما محتملا مع تيارات أصولية ، تحرص على إبقاء ماردها داخل قمقمه .
ولقد ولد هذا الوضع في بعض الدول العربية مفارقات قانونية مدهشة ، ففي سورية استلمت المرأة منذ سنوات طويلة مناصب قضائية ، وكقاضية يحق لها أن تكون ولية من لا ولي له ، ولكن لا يحق لها الولاية على نفسها ، والوزيرة تحمل مسؤولية وزارة بأكملها ، لكن زوجها يحق له منعها من السفر إن أراد ، وشهادة المرأة شهادة كاملة في المسائل المدنية ، ونصف شهادة في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية ، الدستور يعتبرها مواطنا حرا كامل الحقوق والواجبات ، في الوقت الذي يعطي فيه قانون الأحوال الشخصية لزوجها الحق في منعها من السفر والإقامة والعمل حين يشاء ، ويحرمها من الكثير من حقوقها في الزواج والطلاق والإرث والولاية والقوامة والوصاية .
لقد فرض التطور الزمني ، وخروج المرأة إلى العمل أوضاعا جديدة ، باتت فيها القوانين لا تلبي الحاجات الحياتية المستجدة ، فهنالك الكثير من الأمهات اللاتي يربين أولادهن لوحدهن ، إذ لم تعد العشيرة هي المسؤولة عن تربية الأطفال الذين فقدوا آباءهم ، بل غالبا الأم وحدها ، ولم تعد العشيرة ، ممثلة بالأخ مسؤولة عن الإنفاق على المرأة الوحيدة ، مما برر سابقا مسألة عدم التساوي في الإرث ، ولا يوجد منطق في الدنيا يمكن أن يبرر عدم الحصول على المرأة على شيء من ثروة الأسرة في حال طلاقها ، حتى ولو كانت امرأة عاملة ، وهذا ليس سوى غيض من فيض الأوضاع الحياتية المستجدة التي تستدعي تطويرا للقوانين ، تأخر كثيرا في الدول العربية .
ولعل الدافع والمبرر الأساسي للتغيير المطلوب ، هو تطور الحضارة الإنسانية وحقوق الإنسان الممثلة بشرائع دولية ، تأبى حتى اليوم الدول العظمى ، قبل الدول الصغيرة تطبيقها ، دلالة الهوة الهائلة التي ما زالت تفصل الإنسانية عن الواقع المحكوم بالإرادات السياسية المسيرة بالطمع والرغبة في السيطرة وتحكم فئة طاغية بمصائر المستضعفين .