المرأة السورية اليوم

خلال فترة إقامتي في ألمانيا ، لاحظت أن الذاكرة الشعبية الألمانية تختزن صورة للمرأة العربية ، كجارية في قصور الأمراء ، كما في قصص التراث الشعبي الشائعة عن هارون الرشيد وجواريه ، وللحالمين أقول ، لم يعد هناك جوار ، ولكن ذلك لا يعني أن المرأة العربية نالت حقوقها ، أو استطاعت التحرر من القيود التي لا زالت تكبلها ، وتلك قناعتي عن كل نساء العالم ، وإن كان وضع بعضهن أفضل من البعض الآخر ، حسب الدول التي يعشن بها .

لكن المرأة في سورية لا زالت تعيش حالة عدم توازن ، منذ بداية عصر النهضة العربية في بداية القرن التاسع عشر ، حيث بدأ تعليم المرأة ، ومن ثم خروجها إلى العمل خارج المنزل ، وحتى الآن .

اليوم هنالك أعداد كبيرة من النساء المتعلمات ، واللاتي يعملن طبيبات ومهندسات ومحاميات وقاضيات ، وزيرات وعضوات في البرلمان وفي أغلب المهن المعروفة ، ولكن بسبب الوضع الاقتصادي ، فإن العمل للأسف لم يحقق لهن الاستقلال الاقتصادي المنشود ، وبالتالي ، التحرر الذي يرافقه ، فبقيت المرأة تابعة للرجل ، يضاف إلى ذلك القيود الاجتماعية ، والقانونية التي تكبلها ، والتي اتخذت من الدين ستارا تتستر وراءه ، بتفسيرات ذكورية لنصوص الدين ، جعل من السهل اتهام كل من يحكي عن تحرير المرأة بالكفر والهرطقة ، مما أعاق تطوير النصوص القانونية بما يناسب وضع المرأة المتعلمة العاملة ، وبما يناسب شرائع حقوق الإنسان واتفاقيات إلغاء التمييز ضد المرأة ، وقد أثر انعدام الحرية والضغوط السياسية التي تمنع أي تحرك مجتمعي على حركات تحرر المرأة فتقلصت إلى حدها الأدنى .

في الخمسينات كنت تسير في الشارع لتجد كل النساء في المدن وقد ارتدين الملابس الأوربية ، وسادت العادات الأوربية في الطعام والمناسبات والأعراس وطريقة العيش وديكور المنازل وغيرها ، وما رافق ذلك من الاختلاط في الأوساط الاجتماعية ، وحرية المرأة في ارتياد الأماكن العامة كالمسارح والسينمات والمقاهي ، ولكن اليوم بعد كل الحروب والنكسات التي مرت بها منطقتنا ، وفقدان الأمل من أي حل سلمي يريح الناس والشعوب ، والإحساس بخطر العولمة ، التي تحاول محو هوية الشعوب ، وكثير من الأسباب السياسية والاقتصادية ، حصلت ردة أصولية واسعة ، رافقتها ردة في حركة تحرر المرأة ، فعادت النساء إلى الحجاب ، تأكيدا على هويتهن الإسلامية ، وللأسف عادت مع ذلك الأفكار السلفية فيما يتعلق بالمرأة ، وحريتها مما أعاد المرأة سنوات عدة إلى الوراء .

لا زلت منطقتنا اليوم تعيش حالة عدم استقرار ، وصل حد الاستعمار المباشر لبلد عربي مجاور ، ولا زالت الحركات الداعية إلى الديمقراطية وتحرير كل الفئات الاجتماعية مجمدة مقيدة ، ورغم ذلك لا زال هناك الكثير من الجنود المجهولين يحاربون قوى الداخل الظلامية وقوى الخارج الاستعمارية ، من أجل تحرر الـــمرأة والإنسان بشكل عام .