” وهي كلمات وصيحة في واد ، إن ذهبت
اليوم مع الريح ، لقد تذهب غدا بالأوتاد”
الكواكبي
ما هو مستقبل القضية الفلسطينية ؟ سؤال بحث العرب عن إجابة له خلال أكثر من خمسين عاما , وتبدلت الإجابات مرارا وتكرارا في ظل هزائم العرب المتكررة .
ربما يميل البعض في ظل الظروف المأساوية التي يمر بها شعبنا الفلسطيني إلى إجابات متشائمة, ليست سوى انعكاسات آنية للظروف العربية والدولية التي تحيط بهذه القضية الشائكة.
لكنني, من الذين يؤمنون بأن مستقبل الشعوب لا تحدده ظروف آنية راهنة, بل قراءة عميقة للتاريخ البشري، ودراسة متأنية للظروف الحالية، و إيمان بالحق وقضايا البشر العادلة ، وذلك ما يتيح للقاريء تلمس آفاق المستقبل. إن العقل والحكمة التي يدعيها البعض وخصوصا الحكام العرب, متناسين فيها العوامل السابقة, مختارين أسهل الطرق لحل مشكلة أزعجت هناءهم ورغد عيشهم, لا تمت إلى العقل والحكمة بصلة, مادامت تتناسى حقوق وإرادة الشعوب.
فمجرد قراءة عقلانية وتحليل منطقي لجوهر الصراع العربي الصهيوني, بعيدا عن كل ما هو راهن وآني سيوصل إلى النتيجة, التي بات الكثير من العرب للأسف يخجلون من البوح بها وإشهارها، وإن كانت تعتمل في أمانيهم وأحلامهم, خوفا من اتهامهم بالتهويم واللاعقلانية.
هذه النتيجة التي تقول بكل بساطة أن لا مستقبل لكيان قائم على الفكرة الصهيونية كفكرة عنصرية استعمارية.
ربما حوى التاريخ أمثلة على استمرارية تلك الكيانات في الوجود , كأمريكا التي قامت على استعمار أرض وإفناء سكانها الأصليين , لذا فإنها لا زالت تحتفظ بالشر الذي قامت على أساسه وتطبقه على شعوب العالم , بل وتدعم كل الكيانات الاستعمارية العنصرية , و آخرها الكيان الصهيوني , كما عبر عن ذلك الرئيس الأسبق جيمي كارتر في كلمة ألقاها في ” الكنيست الإسرائيلي ” عقب معاهدة كامب ديفيد وقال فيها ” إن إسرائيل والولايات المتحدة , كلتيهما تشكلت على أيدي مجموعة من الرواد ، إن بلدي هو أمة من المهاجرين ، وفدوا من شعوب مختلفة لبلدان عديدة ، إننا نتقاسم وإياكم الإرث المشترك للتوراة ..” .
لكن استمرارية أي كيان استعماري عنصري , كما قلنا سابقا, مشروط بإفناء سكان البلاد الأصليين , وذلك ما حاوله الكيان الصهيوني , لكنه لم يفلح , لأن غباء المستعمر المستبد يتجلى في أنه يعيش أوهام فكرة خلقها في ماضيه , وبقي محصورا ضمن إطارها , رافضا فكرة أن العالم يتغير , وأن محاولة إفناء الفلسطينيين , لا تشبه ما كان يحدث في أمريكا , عندما كان مجموعة من الكاوبوي الأمريكي يستلون بنادقهم ويفنون قبيلة من الهنود الحمر برجالها وشيوخها ونسائها وأطفالها , ثم يصورون بعد سنوات تاريخهم المجيد كما يحلو لهم , في أفلام أمريكية , أظهرت الهنود الحمر متوحشين يسلخون جلود رؤوس الأمريكيين , كي يبرروا لأنفسهم قتلهم وإفناءهم .
إن ما يحكم مستقبل الشعوب هو استمرارها في الوجود وإيمانها بقضاياها العادلة وقدرتها على الفعل , ولحسن الحظ فإن الشرطين الأساسيين متوافرين مهما حاول الكيان الصهيوني ومن ورائه أمريكا إلغاء أحدهما , فالشعب الفلسطيني أثبت بصموده ومقاومته أنه عصي على الفناء , كما إن إيمان الشعب الفلسطيني والشعوب العربية كافة بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ودولته المستقلة ليس موضع شك , ذلك الإيمان الذي أثبتت الآونة الأخيرة أنه راسخ في ضمير كل فرد عربي ، وبخاصة الأجيال الشابة التي راهن العدو ومن وراءه على الزمن الذي سينسيها القضية .
لكن المعضلة الحقيقة تكمن في غياب قدرة الشعوب العربية على الفعل في ظل الحكومات العربية المتعاقبة بأنظمتها الاستبدادية الشمولية , والتي كان همها الأول البقاء في السلطة , فسحقت شعوبها , وضربت عرض الحائط بكل القضايا والمصالح القومية والوطنية , إلا ما يتناسب مع استمرارية حكمها ووجودها , مستفردة بالقرارات التاريخية و التي كانت نتيجتها وبالا على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ، مما جعلنا نبتلع نكسة وراء أخرى , ننسحق ذلا يوما وراء يوم ، وتتقلص مطالبنا سنة بعد سنة , حتى غدت مطالب عام 48 كلمات يخجل الحكام العرب من قولها , وبات الحلم الفلسطيني محصورا بفتات من الأرض يتصدق به المحتل على أصحاب الأرض الحقيقيين ، تصديقا لما قاله محمود درويش يوما ” ما أصغر الدولة ، ما أكبر الفكرة ” .
والفكرة التي يجب أن تعود لتحتل العقل العربي , ليست توسل أمريكا اليوم للضغط على المجرم شارون كي يخفف مجازره في الأراضي المحتلة , أو توسل الكيان الصهيوني العنصري أن يتصدق بفتات من الأرض , لم تتجاوز سيادة السلطة الفلسطينية الفعلية عليها أكثرمن أجزاء بسيطة من الضفة والقطاع , فتلك أمور وقتية تحكمها سياسات آنية , بل إعادة الأمور إلى نصابها , ووضع استراتيجية بعيدة المدى يكون محورها استعادة الحق العربي كاملا مهما طال الزمن , فالإجرام الصهيوني لن يدوم إلى الأبد , والبعبع ” أمريكا ” التي تخيف اليوم قلوب أشجع حكام العالم , لن تبقى القوة الأعظم في العالم , ودعمها للكيان الصهيوني لن يبقى ثابتا , فذلك مرتبط بمصالحها في المنطقة , كما علمنا التاريخ , ولكن ليس ذلك هو الأهم , بل تحرير إرادة الشعوب العربية المؤمنة بقضاياها العادلة .
لقد بدأت رياح التغيير تهب , فقد خرجت الشعوب العربية في الأحداث الأخيرة صاخبة هادرة رغم قمع السلطات ، الذي بلغ حدود القتل , معلنة أنها لن تسكت بعد اليوم على صمت وسلبية الحكام العرب المخجلة والمهينة , والتي قادت شعوبها إلى هذا الدرك من الذل والهوان ، صحيح أن هذه الاحتجاجات كانت محدودة عفوية , لكنها لاشك تبشر بأن الشارع العربي لن يبقى بعد اليوم مستكينا ، كما أن المقاطعة الشعبية العفوية للبضائع ” الإسرائيلية ” والأمريكية وللشركات الداعمة للعدو الصهيوني دليل آخر على تفتح ذهنية الشارع العربي وتلمسه سبل المقاومة على إختلاف أشكالها .
إن العولمة و ثورة الاتصالات التي أرادت بها القوى العظمى في العالم هيمنة فكرية وثقافية على شعوب الدول الفقيرة , كانت في نفس الوقت أداة مهمة في يد المواطن العربي . فالمواطن العربي أصبح فاعلا , إذ اطلع عن طريق الفضائيات على ما يحدث في العالم ، بعد أن كان متحجرا ضمن أزمنة سابقة , بفعل أنظمة الحكومات الاستبدادية , التي منعت عنه الاتصال بالعالم الخارجي برقابة صارمة على كل وسائل الإعلام كي يبقى تحت سيطرتها ، ثم كانت شاشة الانترنيت نافذة فتحت العالم أمام عينيه , ولم ينقصه الذكاء كي يستخدم أداة متطورة يكسر بها أسوار الصمت والانعزال الكتيمة التي وضع فيها سنوات بل قرونا ، فبدأت تنبثق من الوطن العربي حملات إعلامية , وإن كانت قليلة خجولة في البداية ، تهدف إلى التعريف بقضايا شعوبنا العادلة للآخرين , الذين خضعوا سنين طوال لتأثير الدعاية الصهيونية المضادة , وبدأ تبادل الخبرات , وانتقال الأخبار والأفكار . هذه الحملات كانت انعكاسا لبذرة إرادة جديدة حرة بدأت تتكون في وعي الأفراد وبالتالي الشعوب , فبدأت تتحمل مسؤوليتها في قضاياها الوطنية بعيدا عن املاءات الجهات الرسمية . . ولو كانت حال هذه الشعوب أفضل اقتصاديا وتعليميا , لكان تأثير هذه الحملات الإعلامية أقوى , لكن فقر هذه الشعوب وتخلفها لا يزال يجعل هذه الوسيلة الهامة مقتصرة للأسف على النخبة المثقفة .
إن الصور التي تناقلتها الفضائيات عن مجزرة جنين ستبقى شاهدا على وحشية جيش العدو , ولن يجدي تعطيل الكيان الصهيوني للجنة تقصي الحقائق ، فهناك وثائق بصرية محفوظة إلى زمن قادم , يوم يتمكن العرب من توسيع نشاطهم الإعلامي في العالم ، كي يصبح بحجم الإعلام الصهيوني المعادي , وسيرى العالم المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني , وذلك ليس صعب التحقيق وإن بدا اليوم مستحيلا .
ألم يكن حلما مستحيلا القضاء على الحكم العنصري في جنوب أفريقيا عندما قال نلسون مانديلا أثناء محاكمته لقضاته العنصريين البيض ” لقد قاتلت ضد هيمنة البيض في نفس الوقت الذي كنت أشدد فيه على مثل المجتمع الحر الديمقراطي الذي يستطيع فيه جميع الناس العيش بانسجام وفرص متساوية . ذلك المبدأ الذي آمل أن أعيش من أجله وأن أحققه , وهو المبدأ الذي أنا على استعداد تام لأن أموت من أجله عند الضرورة ” , وهاهو التاريخ القريب يعطينا درسا , أن ما كان حلما مستحيلا للكثيرين في جنوب أفريقيا كان لنلسون مانديلا من وراء قضبان زنزانته حقيقة واضحة وضوح الشمس , وقد أثبت التاريخ صدق حدسه وعمق بصيرته .
إذا لابد من رسم استراتيجية نضالية هادئة بعيدة المدى تضع في أول سلم أولوياتها العمل على تحرير إرادة الشعوب العربية , و تصعيد الروح النضالية لديها ، والتأكيد على بديهيات القضية الفلسطينية وعدم التنازل عن أي منها تحت وطأة الظروف القاسية الحالية ، استراتيجية طويلة الأمد تنسى التنازلات التي اعتاد الحكام العرب تقديمها عاما وراء عام ، رغم رفض الشعوب ، فمستقبل الشعوب يرسمه الحق , والمطالبة بهذا الحق مهما طال الزمن ، والحق هنا هو إزالة الكيان العنصري الصهيوني بصفته كيان قائم على فكرة عنصرية متخلفة ، وعودة جميع اللاجئين إلى ديارهم ، وإقامة دولة فلسطين الحرة على كامل ترابها , دولة ديمقراطية يعيش فيها كل من يرغب العيش بسلام , ولن يموت حق وراءه مطالب , والمطالب اليوم هو جميع الشعوب العربية , التي حملت القضية الفلسطينية طيلة تلك الأعوام في ضميرها , وبدأت اليوم تتلمس الطريق لتحرير إرادتها , لتبدأ طريق النضال الطويل نحو الحرية .
د. ميّة الرحبي