رد السيد موفق الربيعي في معرض الانتقادات الكثيرة التي وجهت للزمرة التي أعدمت الرئيس السابق صدام حسين، ومن جملتها الرقص حول جثته، بأن هذه عادة لدى العراقيين، الذين يرقصون عادة حول الجثث تعبيرا عن الفرح.
وأنا أريد أن أتوقف هنا وأسأل السيد الربيعي عن أي عراقيين يتحدث، ومتى كان الرقص حول الجثث من شيم العراقيين؟ وعادات من تلك التي يتحدث عنها؟ ومتى تحول العراقيون إلى أكلة لحوم بشر؟
هل هي عادات أحفاد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة؟ هل هم الآلاف المؤلفة من الشعراء والكتاب والفنانين والسينمائيين والمسرحيين والتشكيليين والمؤرخين وعلماء الاجتماع وعلماء الذرة، الذين أذهلونا بإبداعاتهم واختراعاتهم، ولم نكن نعرف- وليعذرنا السيد الربيعي- أيهم الشيعي وأيهم السني، وأيهم العربي وأيهم الكردي، كنا نعرف فقط أنهم عراقيون،بالطبع لا، فهؤلاء إما قتلوا أو هجروا طوعا أو قسرا خارج العراق، سواء في عهد الاستبداد أم عهد الاحتلال، ومن بقي في العراق ينزوي اليوم في بيته مؤثرا السلامة، بعد أن أصبح العالم المفكر المبدع مستهدفا قبل غيره من قبل الأمريكيين وفرق الموت.أعتقد أن العراقيين في نظر السيد الربيعي هم فقط تلك العصابة من الطائفيين المتطرفين الهمج الرعاع الغوغاء، الذين قدموا للعالم صورا لا تضاهى من الوحشية والهمجية أثناء اعدام الرجل، لا تبعث سوى على الاشمئزاز والتقزز.
كمبدأ ليس من حق أحد محاكمة الطاغية سوى شعبه، فهل كان الشعب العراقي هو الذي حاكمه؟
من تابع فصول المحكمة ” المهزلة” يدرك لاشك أنها لم تكن محكمة بالمفهوم القانوني الحضاري الدولي، بل كانت انتقاما سافرا، وشتان بين النزعة الانتقامية والمحاكمة النزيهة العادلة.
لقد اتضحت ملامح المحكمة منذ لحظاتها الأولى، والتي كان غرضها الرئيس تكريس الشروخ الطائفية العرقية والمساهمة في مخطط تفتيت العراق على أسس طائفية عرقية، وإلا ما معنى أن يكون المدعي العام شيعيا والقاضي كرديا بالضرورة، حتى أن القاضي المعتدل رزكار لم يحتمل تلك المشاعر العدوانية التي تفيض في قاعة المحكمة وتحكم سير المحاكمة، ولم يحتمل الضغوطات الأمريكية التي مورست عليه فأعلن استقالته، ليعين بدلا منه قاضيا، كان الحقد والكراهية تنبعان من وجهه، حتى لتخاله يكاد يقفز من وراء قوس المحكمة ليمسك بخناق المتهمين وينفذ عدالته الخاصة بيديه العاريتين، أما المدعي العام، فكان أشبه بوحش جزار لا تقل لديه مشاعر الكراهية والرغبة بالانتقام عن قاضيه، وكان واضحا أنه كان يعتقد أن من الأجدى له حمل سلاح يردي به المتهمين وينتهي من فصول هذه المحاكمة التي عذبته بطولها، ولم يكن مقتنعا بها أصلا. وقد فضحت المحامية اللبنانية التي طردت من فريق الدفاع، بطريقة غير قانونية، ملابسات المحاكمة والاشراف الأمريكي عليها، ومن السذاجة أصلا الاعتقاد أن المحتلين سيتركون أمر محاكمة الطاغية للشعب العراقي، فهم بالأصل يتماهون مع تابعهم السيد الربيعي باعتقادهم أن الشعوب العربية همج وأكلة لحوم بشر. ومن المعروف أصلا أن صدام كان هو ومحاموه تحت الحراسة الأمريكية دائما.
لن أدخل في تفاصيل عدالة المحكمة، فذلك من شأن القانونيين المختصين، ولن أدخل في تفصيل العقاب الذي يستحقه الطاغية الذي قاد شعبه نحو الهلاك، وترك للمحتل الأجنبي منفذا واسعا للدخول إلى بلد منهك دمره الاستبداد والقمع، فالرجل أصبح الآن في ذمة التاريخ وذاكرة الانسانية وهما كفيلان بالحكم عليه.
لكن ما أريد التأكيد عليه أن من حاكم صدام لم يكن الشعب العراقي، الوحيد المخول بمحاكمته، بل عصبة من المتطرفين الهمج، الذين لم يتوانوا عن صب حقدهم ورغبتهم بالانتقام حتى في لحظات الموت التي طالما حظيت بإجلال واحترام شعوبنا المتحضرة.
لم يكتف المتعاملون مع الاحتلال بسكوتهم عن الجريمة الحضارية التي ارتكبت في عهد الاحتلال بحق تراث وتاريخ وذاكرة العراق بنهب وتخريب المتاحف والمكتبات ودور العلم والجامعات وقتل المفكرين والعلماء، وترويع من بقي منهم ليترك البلد ناجيا بروحه وروح أفراد أسرته، بل كان لابد لهم أن يكرسوا أشرس أنواع عداء الانسان لأخيه ابن بلده، فبدأت الأحقاد الطائفية تتحول إلى فرق موت عاثت فسادا في البلاد، واستبدل الشعب العراقي العريق بهؤلاء الهمج الذين لا يكتفون بسحب الناس من بيوتهم وقتلهم وإلقاء جثثهم في الشوارع بل يستمتعون بتعذيبهم قبل ذلك.
ليس هذا هو الشعب العراقي، بل هم زمر من المتطرفين المتوحشين الطائفيين، الذين يرقصون اليوم ليس حول جثة صدام، بل جثة العراق ووحدته وسيادته.
مية الرحبي