لا تسامحنا يا عراق

لم أصدق أن الشمس ستشرق اليوم ، تخيلت أن يكون الصباح اسود كالحا ، لكنه صباح كالصباحات ، وأنا وحيدة ، أنسل من تخوم نوم قلق كابوسي ، وأفتح عيني على صباح عصر الخيبة والذل والمرارة ، وأتساءل هل كان سقوط بغداد كابوسا ، هل كان بداية عصر استعمار أمريكا لأرضنا وكرامتنا حلما مزعجا ، وتنفتح بوابات العقل الغافي على جحيم الحقيقة ، أهرع إلى التلفزيون ، أنظر من النافذة ، الحياة تسير كالمعتاد ، وكأن كرامتنا لم تسحق البارحة ، وكأن قلوبنا لم تجرح ، وعقولنا لم تذهل ، وأرواحنا لم تعدم .

خذلناك يا عراق ، لقد طلبت منك امرأة عربية أن تسامحنا ،فهل إن سامحتنا سيسامحنا التاريخ . كنت دائما في طفولتي أسأل والدي ، كيف تحمل جيلكم النكبة وسقوط فلسطين بأيدي الصهاينة المحتلين ، كيف عشتم ذلك اليوم ، كيف تمكنتم من الاستمرار في التنفس والأكل والشرب ، كنت أرى الأسى في العيون وهي تهرب من الإجابة ، ومرارة تغلفها، وها نحن اليوم نشهد سقوط العراق بأيدي الغزاة ، وها نحن اليوم نستيقظ صباحا ، نتنفس ، نأكل ، نشرب ،نؤقلم أنفسنا على عصر جديد من الذل العربي ، نتناسى يوما نعجز فيه عن مواجهة عيون أحفادنا وهم يسألوننا نفس السؤال .

منذ أيام مر خبر كغيره من الأخبار ،ربما لم يسترعي انتباه أحد ، لكنه شق الصدر وغرز سكينا في القلب وأنا أسمع قصف منطقة السعدون في بغداد ، هناك حيث قضيت أجمل سنوات الطفولة ، وأكثرها غنى ، هناك حيث تفاصيل كل زاوية من الطريق إلى المدرسة لا زالت تحفر مكانا لها في الذاكرة ، والقصف ينتهك ذلك المكان الغافي منها فيفجره ، وتتداعى الصور وتنفجر الدموع ، الصورة تنتهك ، وأنا أريد الحفاظ عليها كنزا ثمينا في القلب , حتى أنني رفضت زيارة العراق في الأيام السابقة على العدوان عليه ، يومها استغرب الزملاء موقفي ، وهم يعرفون حماسي ، ولم أستطيع أن أشرح لهم أنني لن أتحمل رؤية الحزن في عيون الشعب العراقي، ذلك الشعب الذي عشت طفولتي بين ظهرانيه ، وأبكي شوقا كلما سمعت من يتغزل بفراته ودجلاه ، وقارب يمخر عبابهما ، وسمك يشوى على ضفافهما ، وأتمنى أن لا أموت قبل أن أجلس على تلك الضفاف ، وقد حلفت أن لا أدوسها بقدمي ، قبل أن يحل السلام في تلك الربوع الغالية ، ويعبق هواءها بعبير الحرية ، وبت في شك أنني سأعيش حتى ذلك اليوم .

أواه ياعراق ، أما آن لك أن تستريح من ظلم الطغاة والغزاة ، وتاريخك مثقل بالحزن والندب واللطم على أرضك وخيراتك التي قدر لها أن تكون مطمعا لغزاة الأمس واليوم .

أواه يا شعب العراق ، أما آن لك أن تستريح ، وأنت تدفع على مر العصور ثمنا باهضا ، ولا ذنب لك سوى أن مهد الحضارة كان في وادي رافديك ، وأنك بقيت حاملا لمشعلها على مر العصور .

أيها السادة الغزاة ” المحررون ” نحن شعوب عاجزة ، لكننا لسنا هبلا ، كي نصدق أنكم ، بذلتم تلك المليارات من الدولارات ، وعرضتم حياة جنودكم للخطر من أجل سواد عيني حرية الشعب العراقي ، صحيح أننا عاجزون ، لكننا نمتلك من العقل ما يكفي لنعرف أنكم تحملون مخططا جديدا لمنطقتنا ، ستنتهكون به أوطاننا ، أنتم وحليفكم الأساسي العدو الصهيوني ، الذي استغل شغلكم للعالم بغزو العراق ليتابع مجازره الوحشية بحق أشقاءنا في فلسطين ، و لازال حلم “إسرائيل الكبرى” من الفرات إلى النيل يداعب خياله المريض ، حلما تغذونه أنتم ، ما دام متفقا مع مصالحكم ونواياكم .

لقد غزوتم العراق رغم أنف الشرعية الدولية والملايين الذين خرجوا في شتى أنحاء العالم بل في أمريكا نفسها معلنين رفضهم لهذه الحرب القذرة ، فرغم الآلة الإعلامية الهائلة التي سخرتموها لخدمتكم ، ورغم التهديدات التي كلتموها لكل من لم يقف معكم في ظلمكم وعدوانكم ، فإنكم لم تستطيعوا سوق مبررات كافية لهذه الحرب ، التي غيرتم أهدافها المعلنة قبيل الحرب عدة مرات ، فبعد عجز المفتشين الدوليين عن إيجاد ولو أثر بسيط لأسلحة دمار شامل ، تحول هدف الحرب بقدرة قادر إلى تحرير العراقيين من سطوة نظام ديكتاتوري يمثله صدام حسين ونجلاه ، وكأن شعب العراق هو الشعب الوحيد في العالم الذي يقبع تحت حكم ديكتاتوري يمتلك أسلحة دمار شامل !!!

وما يثير السخرية فعلا هو أنكم تخليتم حتى عن هذا المبرر مباشرة قبل الحرب معلنين بكل صراحة ووقاحة أنكم ستغزون العراق حتى لو غادره صدام !!!

لم يكن من الضروري أيها السادة أن تتعبوا أنفسكم بسوق أي مبرر أخلاقي أو غير أخلاقي لحرب اتضحت أهدافها منذ زمن بعيد للعالم كله ، من رسم سياسة شرق أوسطية جديدة تخدم مصالح القطب الوحيد في العالم ، والسيطرة على منابع النفط تحت تأثير فكرة تصحيح أخطاء الطبيعة الجيولوجية ، التي منحت هذه الثروة لشعوب لا تستحق حتى الحياة بنظر إدارتكم العنصرية المحافظة ، القادمة من رؤوس أهرام شركات البترول الأمريكية ، والتي لم تخجل من منح أول عقد نفطي في العراق لشركة كان يديرها أحد رموزكم .

لا عليكم .. فلستم معنيين بعد بإقناع أحد بأنكم أتيتم لتحرير العراقيين ، بعد مشاهد القتلى من المدنيين الذين ربما سيتحررون في قبورهم ، والجرحى الذين سينالون بدل الحرية عاهات دائمة ترافقهم مدى الحياة ،والذل الذي أذقتموه للعراقيين ، في مشاهد رأينا جنودكم فيها يهاجمون بيوت الصفيح التي يسكنها البسطاء ويجرّون الرجال منها كالخراف من شعورهم أمام أنظار عائلاتهم ، موجهين إليهم الشتيمة الأمريكية الشائعة التي تتكرر في كل فيلم أمريكي أكثر من مائة مرة ، مشاهد ذكرتنا بمشاهد جنود الاحتلال الصهيوني في الأراضي المحتلة ، مثبتة بما لا يدع مجالا للشك أن الجيشين تخرجا من نفس مدرسة الهمجية والوحشية .

لستم معنيين بعد بإخفاء مخططاتكم الهمجية ، بعد فضيحتكم باغتيال صوت الحقيقة بهجومكم على مقار الصحفيين ، وقتلهم ، وحصرهم في بناء واحد في بغداد العاصمة ،كي لا يكونوا شهودا على ما سيفعله إجرامكم بأهالي بغداد الصابرة .

لستم معنيين بعد بستر نواياكم وقد بدأتم بالتلميح والتصريح عن الخطوة التالية في مخططكم الإجرامي ، بسوق اتهامات عجيبة غريبة لسورية ، أبرزها التحذير من امتلاك أسلحة دمار شامل ، تلك الجملة التي بات لا معنى لها سوى تحديدكم لهدف عدوانكم القادم ، بعد أن بان كذبكم الفاضح بعد غزوكم للعراق ، وعدم عثوركم على أسلحة دمار شامل لديه ، وبتم تتهربون من الإجابة عن الأسئلة المحرجة التي يحاصركم بها الصحفيون عن تلك الأسلحة ، بل صرتم تجيبون بكل صفاقة فيما تلا من أيام أنكم غير معنيين بذلك .

أيها السادة ، عبيد أطماعكم وشهواتكم ، إن شعوبنا مهما عانت من اضطهاد وقهر حكم استبدادي شمولي ، فهي تعرف بحكم الخبرة التاريخية أن الرخاء والديمقراطية لن تأتي على يد الغازي الأجنبي ، إذ لا زال على قيد الحياة بعض أفراد جيل عانى من ويلات الاستعمار ، الذي احتل سابقا الأراضي العربية تحت نفس الذرائع ، ولم يجلب لها سوى مزيدا من التخلف والبؤس .

إن استهانة الإدارة الأمريكية بعقول وذكاء وطاقات الشعوب هو الذي يقودها اليوم لعدم استخلاص العبرة من دروس التاريخ المتكررة بأن بداية النهاية لكل قوة عظمى في تاريخ البشرية كانت في اللحظة التي استبدت بها مطامعها الاستعمارية ، بقيادة أحمق ، لتنشر جيوشها من أجل السيطرة على العالم كله ، فكانت نهايتها على يد الشعوب التي قاومتها، فأطماع هتلر قادت شعبه والعالم إلى حروب مجنونة لم تخلف سوى دمار وخراب ونهاية حلمه غير المشروع ، في درس لم تنس البشرية آثاره بعد .

اليوم ستعمي غطرسة القوة والنصر السريع الزائف بصيرة الإدارة الأمريكية ، وليس لدينا أمل في أن تعي المطب التاريخي الذي تقود إليه شعبها وشعوب العالم ، لكن لدينا أمل في أن تدرك الأنظمة الحاكمة للدول المستضعفة المستهدفة ، أن لا سبيل لمقاومة المخطط الأمريكي الصهيوني الذي يستهدف منطقتنا العربية كلها ، إلا بتحرير رأسمالها الوحيد المتمثل في طاقات شعوبها ، كي تأخذ دورها في الدفاع عن حريتها وكرامتها وأوطانها .

دمشق في 10/ 4/ 2003