يعرف الإعلان العالمي للقضاء على العنف المسلط على النساء، المنبثق عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة بموجب التوصية عدد 48/104 المؤرخة في 18 كانون الأول 1993 العنف ضد المرأة: على أنه أي عنف يقوم على أساس النوع أو الجنس وينتج عنه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.
فما مدى تطابق هذا التعريف مع أوضاع المرأة في الدول العربية؟
تتشابه أوضاع المرأة في جميع الدول العربية، مع وجود تباينات طفيفة بين دولة وأخرى، مما يجعل دراستها مجملة ممكنة، بل مفيدة. يختلف واقع المرأة في الدول العربية في بعض الأمور، ويتفق في الكثير منها، فالمرأة العربية تخضع في أغلب البلدان العربية لقوانين مجحفة بحقها، وعلى الأخص قانون الأحوال الشخصية، الذي يحكم تفاصيل حياتها، مع اختلافات بسيطة بين بلد وآخر. وفي حين تم منذ سنوات طويلة مساواة المرأة مع الرجل في القوانين المدنية، وتطوير بعض مواد قانون الأحوال الشخصية في بعض الدول العربية لصالح المرأة وعلى رأسها القانون التونسي، بقيت المرأة في بعض الدول العربية، كالسعودية مثلا محرومة من حق الترشيح والانتخاب، بل حتى من حق قيادة سيارتها الخاصة.
وتتراوح مشاركات المرأة في المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية من بلد لآخر، إلا أنها تتقارب في النسب العامة، وقد حفلت السنوات الأخيرة بإصلاحات طالت أوضاع المرأة في جميع الدول العربية بدرجات متفاوتة، تحت تأثير ضغوط داخلية وخارجية.
ولايمكن فصل نضال المرأة العربية من أجل نيل حقوقها، عن الظروف السياسية، التي تقع الدول العربية تحت تأثيرها، والتي تعتبر من اهم التحديات التي تواجه حركة تحرر المرأة في هذه الدول.
يعود تشابه أوضاع المرأة في الدول العربية إلى عوامل عدة، لعل اهمها تشارك شعوب المنطقة في اللغة والعادات والتقاليد والدين والتاريخ المشترك.
فقد كانت المنطقة العربية مركز الحضارة الإسلامية، وبسبب موقعها الاستراتيجي فقد كانت دائما مطمعا للقوى الاستعمارية العظمى في العصور الوسطى والحديثة، وخضعت جميعها لسيطرة الامبراطورية العثمانية بشكل مباشر أو غير مباشر طيلة أربعة قرون، و زادت أهميتها إثر اكتشاف منابع النفط فيها مما جعلها مطمعا للاستعمار الحديث، فقد تقاسمت الدول الغربية تركة ” الرجل المريض” بعد الحرب العالمية الأولى، فقسمت المنطقة العربية حصصا فيما بينها في النصف الأول من القرن العشرين، وتزامن ذلك مع الفترة التي سميت النهضة العربية، ومع حركات التحرر الوطني، التي قادت إلى استقلال أغلب تلك الدول في منتصف القرن العشرين، وحكمها فيما بعد من قبل أنظمة وطنية، ملكية أو جمهورية، اشتركت أغلبها بصفة الاستبداد.
عطلت الأنظمة الاستبدادية التي سيطرت على الدول العربية مسيرة النهضة العربية، فقد كانت أغلب تلك الأنظمة على ارتباط مباشر بالدول الاستعمارية الكبرى، التي كما وصف أحد أكبر المفكرين العرب، لم تغادر عمليا مستعمراتها العربية، بل بقيت تستعمرها عن طريق هذه الأنظمة بشكل غير مباشر. في حين قادت بعض الدول العربية برجوازية صغيرة وطنية وصلت إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، وحاولت مناهضة الاستعمار، وبناء دول حديثة إلا أن صفة الشمولية والاستبداد التي ميزت حكمها، لم توصل البلاد إلى ما كانت تطمح إليه من تقدم ونمو، بل إلى نمو طبقة طفيلية نهبت الشعوب وقمعتها، وعطلت بالتالي مسيرة التنمية فيها أيضا.
تشكل القضية الفلسطينية إحدى أهم التحديات التي تعيشها المنطقة العربية، فقد أفلحت الامبريالية العالمية في زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، الذي قام على العدوان، والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وطردهم من بيوتهم، وتشريدهم في بقاع الأرض كافة، مما جعل الدول العربية تعيش صراعا دائما مع ذلك الكيان، وقف عائقا أمام التطور السلمي الطبيعي للمجتعات العربية، من جهة إنشغالها بالحروب المتعاقبة، أو تخصيص جزء كبير من ميزانياتها للجيش بدل توظيفها في القطاعات التنموية.
لقد استنزفت الحروب التي تلت ذلك بين العرب ودولة الكيان الصهيوني، الكثير من مقدرات وامكانات شعوب المنطقة، واحتلت ” إسرائيل” أراض أخرى من دول عربية مجاورة، بدعم من حليفتها الأساسية الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول العظمى، ولا زال الصراع العربي قائما في المنطقة، ولن يهدأ ذلك الصراع إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية، وعودة الحقوق لأصحابها. ولم تسلم مسيرة تحرير المرأة من تأثيرات تلك الأحداث السياسية، التي انعكست عليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
قاد مجموعة من المفكرين العرب، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حركة فكرية نهضوية سميت بحركة النهضة العربية، دعوا فيها إلى ضرورة انتشال دول المنطقة من التخلف الذي تعيشه، والذي زرعه الاستعمار، طيلة قرون عدة سيطر فيها على المنطقة، ومن بين الأفكار التي دعوا إليها، ضرورة تحرير المرأة من الأوضاع المزرية التي كانت تعيشها، وضرورة إعادة الاعتبار لإنسانيتها، التي انتهكت على مدى قرون.
ورغم كل هذه الظروف الصعبة التي عاشتها شعوبنا في العصر الحديث، فقد خطت المرأة منذ عصر النهضة العربية وحتى اليوم، بجهود الكثير من الرجال المتنورين والنساء الرائدات، خطوات هامة باتجاه تحررها، منتقلة بذلك من عصر الحريم الذي كان يعتبرها شيئا من ممتلكات الرجل، إلى العصر الحديث الذي بدأ يقر بإنسانيتها، ووجوب اعتبارها مواطنا كامل الحقوق والواجبات، وفردا فعالا من أفراد المجتمع، إلا أن ذلك لا يلغي أن المجتمعات العربية لا تزال مجتمعات تمييزة ضد المرأة بامتياز، ويتجلى ذلك واضحا في جميع مناحي الحياة، ويتطلب جهدا دؤوبا من المرأة ومناصريها للنهوض بواقعها، والوصول بها إلى المكانة التي تليق بها، إنسانا كامل المؤهلات، ومواطنا كامل الحقوق والواجبات .
المرأة في موقع القرار السياسي:
يتشابه واقع المرأة في مركز القرار في جميع الدول العربية ، مع ملاحظة عدم تواجدها نهائيا في بعض الدول التي لم تمنح رعاياها النساء حتى اليوم حق الترشيح والانتخاب كالسعودية مثلا. أما في بقية الدول، فيتضاءل تواجد المرأة باتجاه الهرم السياسي نحو الأعلى، وغالبا ما يقتصر الأمر على وجود وزيرة أو وزيرتين في السلطة النفيذية، لوزارات غير سيادية، كما يتراوح تواجدها في البرلمانات العربية حول نسبة 10% في أحسن الأحوال، وغالبا ما يكون تواجدها شكليا غير فعال، وخاصة في البرلمانات العربية الشكلية التي تقع تحت سيطرة السلطات الحاكمة الشمولية.
كانت سورية من أوائل البلدان التي منحت المرأة حق الانتخاب عام 1949، والترشيح 1953 وقد تمثلت المرأة للمرة الأولى في مجلس الأمة بنائبتين عام 1960. تحتل المرأة اليوم 31 مقعدا من مقاعد مجلس الشعب أي بنسبة 12,5%، منهن 30 نائبة من حزب البعث الحاكم ونائبة واحدة من الجبهة الوطنية التقدمية أي أن البعثيات يشكلن نسبة 97% من النساء الممثلات في مجلس الشعب ، مما يدل أن وجود النساء في السلطة التشريعية، لا يعكس مشاركة حقيقية للمرأة من القطاعات والاتجاهات السياسية المختلفة، وإلا كان يجب أن تتطابق نسبة البعثيات في المجلس مع نسبة المقاعد المخصصة سلفا لحزب البعث، أي بنسبة 52,4% وليس 97%، هذا من ناحية، من ناحية أخرى لم تستطع أي من النساء العضوات في مجلس الشعب أن تثير أو تطالب أو تنجح في إقرار حق من حقوق المرأة.
أما في السلطة التنفيذية، فأول وزيرة عينت في سورية كانت السيدة نجاح العطار التي استلمت وزارة الثقافة في السبعينات، ومن ثم ارتفع تمثيل المرأة في الثمانينات إلى وزيرتين، بنسبة ثابتة حتى اليوم- وزيرتان من أصل 31 وزيرا- مع وجود نائبة لرئيس الجمهورية للشؤون الثقافية، ومستشارة ناطقة باسم رئاسة الجمهورية.
أما في مجالس الإدارة المحلية، فهنالك ما يدعو للدهشة فعلا وهي أن نسبة وجود المرأة في تلك المجالس ثابتة على نسبة 3% في المجالس المتعاقبة جميعها مما يدل على أن النسبة محددة سلفا، ولا تدل على مشاركة حقيقية للمرأة.
من ناحية أخرى أثبتت المرأة جدارة في الحقل الديبلوماسي حيث تبلغ نسبة العاملات فيه 11% من مجموع العاملين وهنالك عدة سفيرات يمثلن سوريا في الخارج.
ولا يوجد حتى اليوم قانون للأحزاب، ورغم وجود قانون للجمعيات إلا أن الدولة لم تسمح بترخيص الجمعيات النسائية التنموية.
الاحتلال ومحاولات السيطرة الخارجية:
تعيش المرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة قبل عام 1948، أوضاعا غير طبيعية ناجمة عن اعتبار الانسان الفلسطيني مواطنا من الدرجة الثانية في جميع مناحي الحياة، وتعرضه نتيجة ذلك للقمع والاضطهاد من قبل دولة الكيان الصهيوني القائمة على أساس العنصرية والعدوان، أما المرأة في الأراضي المحتلة بعد 1967، فتعيش منذ ذلك التاريخ مآسي متواصلة، نتيجة القمع الوحشي الذي تتعرض له من قبل الكيان المعتدي والسجن والقمع والعدوان والطرد من الأرض والتهجير، وتعاني المرأة السورية في الجولان المحتل من قمع الاحتلال. و تعاني المرأة الفلسطينية في الشتات من كل ويلات التهجير والنفي والفقر الناجم عن ذلك.
كما تعيش المرأة العراقية اليوم بتأثير الاحتلال، ونمو الحركات المتطرفة في ظله، حالة مرعبة من عدم الاستقرار والرعب، فحياتها وحياة أحبتها مهددة دائما، كما ازدادت حوادث القتل والاختطاف والاغتصاب التي تتعرض لها النساء في العراق.
المرأة والثقافة السائدة:
صنف الإرث التاريخي الذكوري المرأة عبر قرون عديدة في مرتبة إنسانية أدنى من الرجل، وحولها إلى شيء من ممتلكاته، وقصر وظيفتها في الحياة على الوظيفة الإنجابية، ولخص وجودها كرمز للإثارة والمتعة، ما جعل حجبها في أجنحة الحريم، واجبا اجتماعيا يتحتم على المجتمع ممارسته، لحمايته من الفوضى والتسيب، وذلك ما قاد إلى أن تلغى عن المرأة صفتها الأساسية إنسانا عاقلا مفكرا مبدعا.
ونتيجة استمرارية هذه النظرة الدونية للمرأة قرونا عدة ترسخ في ذهنها واعتقادها هي نفسها مرتبتها الدنيا، مما جعلها تستسلم لهذا الواقع وتقتنع به، بل وتسعى لتكريسه، بحصر اهتمامها في كثير من الأحيان بغواية الرجل، أو الاهتمام بالسفاسف من الأمور، أو المباريات الإنجابية، ومما زاد في ذلك عزلتها وانقطاعها عن أي تأثيرات اجتماعية ثقافية.
وهنا لا بد من التأكيد أن تصوير الرجل عدوا للمرأة ، وأن النضال في سبيل تحريرها ، عداء للرجل هو تصوير مشوه ساذج للأمور، فأول من نادى وناضل في سبيل تحرير المرأة هم النهضويون العرب، وعلى رأسهم علماء الدين، الذين توصلوا بعد دراستهم لبؤس الوضع العربي الذي جعلنا في أدنى درجات السلم الحضاري، أن لا سبيل للنهوض بالمجتمع دون النهوض بالمرأة، وبداية الطريق تغيير نظرة المرأة لنفسها، ونظرة الرجل إليها.
وهنا لابد من التأكيد أن الأساس في المطالبة بحقوق المرأة هي المطالبة بحقوق الإنسان ، فالحضارة الإنسانية بلغت حدا من التطور جعلت المقياس لتطور أي مجتمع حصول كل فرد فيه على حقوقه الإنسانية والمواطنية.
ولابد من الإشارة هنا إلى الحركات الأصولية، التي تسارع امتدادها في مجتمعاتنا العربية في العقود الثلاثة الأخيرة، و ساهمت في انحسار الأفكار التنويرية لصالح الأفكار السلفية المتزمتة، وكان همها الأول محصورا بحجب المرأة و الدعوة إلى عودتها إلى داخل جدران المنزل، وحصر وظيفتها في الانجاب وخدمة الزوج والأولاد، بحيث غدا موضوع الحجاب ومنع الاختلاط ودور المرأة أمورا مقدمة على مصلحة الأوطان وانتشالها من بؤرة التخلف والسير بها في طريق التنمية. وقد ساهمت الأوضاع السياسية والضغوط الخارجية، وفشل المشروع القومي، وهزيمة العرب في الصراع العربي الإسرائيلي، وهزيمة التيار الشيوعي بسقوط الاتحاد السوفياتي، إلى بحث الشباب التائه المنكسر المقهور الغاضب في مجتمعاتنا العربية عن خلاصه في الحركات الدينية المتزمتة المتطرفة، مما أدى إلى انكفاء حركة تحرر المرأة ككل، بعد أن أخذت دورها إلى جانب الرجل في معارك الاستقلال وبناء نواة الدولة الوطنية.
فهل هذا حقا ما نادى به الإسلام في صدر دعوته؟
لم يكن الإسلام في صدر الدعوة دينا فقط، بل كان شأنه شأن جميع الأديان الأخرى حركة إصلاحية، دعت لنشر مفاهيم العدالة والمحبة والسلام، لكنها تعرضت في العصور التالية لحياة الأنبياء للتفسير والتأويل، بما يتناسب مع مفاهيم المجتمع الذي يعيش فيه المفسرون، بحيث اختلطت العادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع وتداخلت مع التفسيرات الدينية، خدمة لأغراض وغايات الطبقات المتسلطة، المهيمنة على المجتمعات. لقد أوّل وفسر الفقهاء المسلمون النصوص القرآنية بما يتلاءم مع الطبقات المهيمنة وأصحاب القرار، ومنح الفقهاء لأنفسهم مكانة فوق مكانة البشر، عندما منعوا غيرهم من قراءة وتفسير النص الديني، وأغلقوا باب الاجتهاد منذ أكثر من عشرة قرون، وانحدرت المرأة نتيجة التفسير الذي أسبغته العقلية الذكورية المسيطرة، إلى أسفل السلم الاجتماعي وتحول الإسلام إلى دين معاد للمرأة بعد أن كان نصيرا لها في مطلع الدعوة.
لقد كان الإسلام في بداياته ثورة اجتماعية نقلت المرأة نقلة حضارية هائلة، وحولتها من متاع ملك للرجل إلى إنسان كامل الأهلية مساو للرجل في التكليف والثواب والعقاب، مما جعل النساء يكافحن ويضحين بحيواتهن وكل ما يملكن نصرة للدعوة الإسلامية، التي رأين فيها نصيرا لحقوقهن آنذاك.
وتتضح مكانة الإنسان بشكل عام امرأة كان أو رجلا، والمساواة بينهما مساواة كاملة في المكانة الإنسانية والتكليف الثواب والعقاب في أكثر من ستين آية قرانية كريمة منها:
” ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” الحجرات 13
” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر” التوبة 71
تصطدم المطالب بأي تغيير في قانون الأحوال الشخصية، بحجة جاهزة، هي أن هذا التغيير يتعارض مع الشريعة الإسلامية، رغم أن العديد من الدراسات الإسلامية في العصر الحديث أثبتت أن تغيير القوانين التمييزية ضد المرأة، لا يمكن أن يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها العادلة.
كما استقت أغلب الدول العربية مواد القوانين المدنية وقوانين العقوبات، من القوانين الغربية الحديثة، إذ ألغيت العبودية، كما استبدلت حدود القتل والسرقة والزنا بأحكام تتطابق مع العصر، وتختلف عن تلك الموجودة في الشريعة الإسلامية، دون اعتراض من أحد، في حين احتفظت تلك الدول بمواد قوانين الأحوال الشخصية التي كانت مطبقة في العهد العثماني دون تغيير يذكر. وقد خلق ذلك ارتباكا ومفارقات مضحكة مبكية في قوانيننا، مثل أن شهادة المرأة في المعاملات المدنية تقبل كاملة، في حين لا تقبل إلا شهادة امرأتين كشهادة واحدة في بعض أمور الأحوال الشخصية، كما أن القاضية ولية من لا ولي له، لكن لا يحق لها الولاية على نفسها أو الوصاية على أولادها. إن ما يمنع تعديل القانون، هو فقط العقلية الذكورية البطريركية، التي لازالت تسيطر على مجتمعاتنا في جميع مناحيها .
العنف القانوني ضد المرأة:
تعاني المرأة في مختلف الدول العربية من وطأة قوانين مجحفة بحقها، وبخاصة قانون الأحوال الشخصية، الذي تتطابق المواد التمييزية ضد المرأة فيه في أغلب الدول العربية، مع اختلافات طفيفة بين دولة وأخرى، فالقانون التونسي يمنح المرأة حقوقا أكبر من بقية الدول العربية، في حين يحرم القانون في السعودية المرأة من أبسط حقوقها الإنسانية، رغم أن المشرعين في كلا البلدين يؤكدون بأن مواد القانون تلك مستقاة من الشريعة الإسلامية.
ورغم أن دساتير الدول العربية تقر بمساواة المرأة مع الرجل في الحقوق والواجبات، حسب مبدأ المواطنة، إلا أن ذلك يتناقض تناقضا كليا مع الكثير من المواد القانونية المتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية، وحقوق الزواج والطلاق والإرث، وحقها في العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل دون وصاية الزوج، وحقها في صحيفة مدنية مستقلة، ومنح جنسيتها لأولادها، ومع قوانين العقوبات المجحفة بحق المرأة.
قانون الأحوال الشخصية:
يظهر التمييز ضد المراة جليا واضحا في نقاط أساسية من قانون الأحوال الشخصية في جميع الدول العربية:
المرأة في القانون متاع، إنسان قاصر الأهلية، تنتقل ولايتها من الأب أو الأخ إلى الزوج بل حتى الابن، وتعامل قانونيا تماما كالمعتوه والمجنون الذي لابد من وجود ولي له، حسب القانون نفسه.
يقوم القانون على فكرة ” شراء” أو بالأحرى ” استئجار” الرجل للمرأة بالمهر الذي يدفعه لها، والذي يطلق عليه الفقهاء ” ثمن الوطء”! معجلا، بحيث يمنع من “الدخول بالمرأة” إن لم يدفعه، ومؤجلا، يمكن اعتباره كتعويض ” استهلاكه” للمرأة خلال فترة الزوجية، ويمكن للمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها بالخلع، بتعبير مطابق لافتداء الأسير لنفسه من آسره، بأن تعيد للرجل الثمن الذي اشتراها به.
عقد الزواج عقد رضائي بين الطرفين، إلا أن فسخه يتم من طرف واحد يحق له إيقاع الطلاق بإرادة منفردة، والمرأة في ذلك هي محل الطلاق.
تخرج المرأة من مؤسسة الزواج خالية الوفاض بينما يتفرد الرجل بثروة الأسرة التي أسساها معا، والتي يحق لها إن طبق مبدأ العدالة نصفها، حتى ولو لم تكن عاملة خارج المنزل، إذ يكفي سنوات عمرها التي قضتها في تربية الأطفال وتنشئتهم، وتلبية احتياجات الأسرة، وهي خدمة لاتقدمها المرأة لأسرتها بحسب بل للمجتمع ككل، مساهمة بذلك في الناتج القومي.
ويلزم القانون الرجل فقط بمسألة الإنفاق دون اي اعتبارات أخرى داخل العلاقة الزوجية.
ويعتبر الأطفال ثمرة الزواج ملكية خالصة للرجل، ويسلب القانون المرأة اعتبارها أمّاً بالمفهوم الإنساني للكلمة، فالرجل يدفع لزوجته الحاضنة لأطفال”ه” ثمن إرضاعهم وحضانتها لهم _ والمسماة قانونيا بأجرة الحضانة و أجرة الرضاع – وبقاءه وليا عليهم هو أو احد عصبته من الذكور، حتى لو حملت الأم مسؤوليتهم الكاملة بسبب الطلاق أو الترمل، وتولت تربيتهم والإنفاق عليهم وحدها، كما يحدث اليوم في كثير من الحالات.
يقيد القانون حقوق المرأة في الإقامة والسفر والاستقرار والتعليم والعمل سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق سيف الطلاق التعسفي المسلط على رقبتها من قبل الرجل في حال خالفت إرادته في تلك الأمور المتعلقة بحياتها.
أباح القانون تعدد الزوجات إباحة كاملة عمليا رغم أن الإسلام نفسه ربطه شرطيا بالعدل “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ” النساء 3، ثم لتأتي الآية الكريمة” ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ” النساء 129، فشرط العدل ينفي إباحة التعدد ما دام الرجل غير قادر عليه، والحكم واضح جلي هنا، يكاد يصل إلى التحريم. ودليل وقتية الحكم هو ربطه بموضوع اليتامى ” وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع” النساء 3 ، في مجتمع حربي فقد فيه التوازن بين النساء والرجال آنذاك، وكثر تعداد الأرامل واليتامى.
للانثى نصف حظ الذكر من الإرث، رغم تغير ظروف الحياة اليوم، فتلك القاعدة كانت عادلة عندما كان الأخ ملزما بالنفقة على أخته والمتكفل الوحيد بالانفاق على أسرته ووالديه، أما اليوم، فلا يلزم القانون الذكر بذلك، وتتكفل المرأة في كثير من الأحيان وحدها بمعيشتها ومعيشة أولادها، وإعالة والديها، بل أن هنالك مادة قانونية مثلا في القانون السوري تلزم الأنثى بالانفاق على والديها( مادة 158 من قانون الأحوال الشخصية السوري).
أما بالنسبة للقوانين الأخرى:
فلا يتيح القانون المدني للمرأة أن تكون لها صحيفة مدنية مستقلة، فكيانها كمواطنة يعرّف كملحقة بصحيفة والدها، وتنتقل منها لصحيفة زوجها، حتى إذا طلقت تعود لصحيفة والدها، وذلك هو الأساس في عدم اعتبارها مواطنا كامل الأهلية. وذلك ينطبق على النساء في الوطن العربي كله.
أما في قانون الجنسية العربية السورية فقد جاء في المادة 3 فقرة آ الصادر بالمرسوم رقم 276 لعام 1969 ما يلي: (يعتبر عربيا سوريا حكما : آ – من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري )… وهذا يعني أن الأب السوري يعطي جنسيته لأطفاله المولودين داخل القطر أو خارجه ولو كان متزوجا بأجنبية وتحرم الأم السورية بموجب هذا القانون من هذا الحق ويعامل أبناؤها معاملة الأجانب ويحرمون من كافة حقوقهم الاجتماعية والسياسية كمواطنين سوريين، ورغم نيل المرأة في بعض الدول العربية حق منح جنسيتها لأولادها، إلا انها لا زلالت محرومة من هذا الحق في أغلب الدول العربية.
وفي قانون العقوبات يتجلى التمييز ضد المرأة واضحا في قانون العقوبات السورية فيما يلي:
موضوع الزنا: تتناول المواد (473 – 474 – 475 ) من قانون العقوبات موضوع الزنا الذي تختلف تبعاته فيما إذا كان مرتكبه رجل أم امرأة رغم وحدة الفعل ووحدة الأثر الناجم عنه وتكون عقوبة المرأة ضعف عقوبة الرجل ،و يعتبر فعل الزوج مباحا إذا ارتكبه خارج منزل الزوجية ومعاقبا عليه فقط إذا ارتكبه داخله بينما تعاقب المرأة إذا ارتكبت الفعل في أي مكان. في حين تتساوى عقوبة الزنا للطرفين في الشريعة الإسلامية.
تشرعن المادة 489 (الاغتصاب الزوجي)إذ يرد فيها: من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة على الأقل.
فيما تسقط العقوبة عن المغتصب ويكافأ بالزواج ممن اغتصبها في المادة 508 التي تقول: إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدي أوقفت الملاحقة،وإذا صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه
وأخيرا يقر قانون العقوبات الأعذار المحلة والمخففة والأسباب المخففة التقديرية للجرائم المرتكبة باسم الشرف في المواد:
المادة548 : (1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.2 – يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله او فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر.)
والمواد المتعلقة بها 239- 240- 241، والتي يمكن أن تقصر العقوبة على ستة أشهر فقط
أو المادة 192 التي تخفف العقوبات على القاتل إذا كان الدافع شريفا.
وقد عدلت فقط المادة 548 بالمرسوم التشريعي رقم 37 لعام 2009. بحيث اكتفت برفع العقوبة من ستة أشهر إلى سنتين.
وتقتل اليوم مئات النساء في مختلف الدول العربية باسم الشرف ويستفيد قتلتهن من العقوبات المخففة في المواد سابقة الذكر أو مواد شبيهة بها موجودة في قوانين مختلف الدول العربية، حتى في حالات زواج المرأة بعقد صحيح شرعيا وقانونيا ولكن دون رضى الأهل، أو إذا تزوجن من غير طائفتهن زواجا قانونيا صحيحا. وتطبق على القتلة دوما العقوبة الأخف بتواطئ ذكوري من القضاة.
ورغم أن السياسة السكانية في أغلب الدول العربية باتت تتجه نحو تنظيم الأسرة، والسعي لتقليص النمو السكاني غير المتناسب مع الموارد، ورغم أن وزارت الصحة باتت منخرطة في هذه السياسة إلا أن قانون العقوبات لازال يعاقب كل من يروج أو يبيع أو يتعاطى وسائل منع الحمل في مادتيه 523، 524.
اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة ( السيداو ) :
صادقت معظم الدول العربية، وحتى السعودية التي لايحق للمرأة فيها الترشيح أو الانتخاب أو الحصول على هوية شخصية مستقلة أو حتى قيادة السيارة- على اتفاقية السيداو، دون أن تلزم نفسها بأي تغيير في أنظمتها أو تشريعاتها أو قوانينها، لأن الاتفاقية أتاحت للدول الموقعة عليها وضع تحفظات ألغت مضمون الاتفاقية بكامله، ولم تنعكس بأي أثر إيجابي على أوضاع المرأة في الدول الموقعة عليها.
العنف الأسري:
تبدأ ممارسة العنف على المرأة منذ لحظة ولادتها، ولعل الآية الكريمة” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” النحل 59، لخير تعبير عن موقف الكثير من الأسر العربية من ولادة الأنثى، اليوم بعد 1500 عام. وإن كان الوأد قد انتفى اليوم بالمعنى الحرفي، إلا أن وأدا جسديا ونفسيا واجتماعيا لازال يطبق على المرأة بالمعنى المجازي للكلمة، والذي يتخذ درجات متفاوتة من العنف ضدها، وأستطيع الجزم أنه لا يوجد امرأة عربية نجت من العنف الأسري بدءا من النظرات المؤنبة المحذرة، مرورا بالتقريع والحرمان والضرب بحجة التربية، والتمييز الواضح بينها وبين أخوتها الذكور في المنزلة وفرص التعليم والترفيه وممارسة الهوايات والنشاطات الاجتماعية والحرية الفردية والعمل المنزلي والتصرف بمردود العمل، وانتهاء بأشكال العنف النادرة، لكن الموجودة، مثل الحبس والتقييد والكي، وأخيرا القتل باسم الشرف.
فقد حولت العادات والتقاليد في مجتمعاتنا العربية الأسرة في كثير من الأحيان إلى أداة قمع للطفل بشكل عام، بدل أن تكون حاضنة إنسانية دافئة له. وتتعرض الفتيات إلى عنف مضاعف، ناجم عن الاضطهاد الممارس على المرأة وعلى الطفل في مجتمعاتنا، فبحجة التربية، والحفاظ على الفضيلة، يطبق على الفتيات عنف جسدي ونفسي، يصعب تصديقه في بعض الحالات، بدل أساليب التربية التي تتبع الموعظة والأسوة الحسنة والرفق والعطف، ففي استبيان على عينة عشوائية( 1200 امرأة ) من نساء سورية تبين أن 31.1% من النساء تعرضن للعنف من قبل الأم في الطفولة، وتستمر حالة التعرض للعنف من قبل الأب والأخ، ومن ثم الزوج لتبلغ نسبة النساء اللاتي يضربن من قبل أزواجهن 38.3% ، ولا تختلف النسبة كثيرا للأسف بين الأميات وحاملات الشهادات العليا .
قليلا ما نسمع بحوادث العنف الجنسي ضد الأطفال، ولا أدري إن كان ذلك يعود إلى قلتها أو لأن الأهل يحاولون التستر عليها خوف الفضيحة،وهو الأرجح. وقد أجابت في الاستبيان السابق 18,8 % من النساء بالإيجاب على سؤال تعرضهن للتحرش من قبل رجل ناضج في الطفولة، و5,2% من النساء أنهن تعرضن للتحرش من قبل أحد المحارم(دراسة اتجاه الرأي العام النسوي حول قضايا المرأة – دراسة ميدانية من واقع المجتمع السوري : دار الشموس ).
وفي دراسة أخرى قامت بها لجنة ” معا” لدعم قضايا المرأة على 525 عينة عشوائية أجابت 80% من العينات بالإيجاب على سؤال تعرضهن للضرب من قبل أحد أفراد الأسرة في الطفولة، و45% من قبل الزوج، و 80% من النساء بالايجاب على سؤال تعرضهن للعنف اللفظي من قبل أحد أفراد الأسرة في الطفولة، كما تتعرض 63% منهن للعنف اللفظي من قبل أزواجهن، وأجابت 14% من النساء بالايجاب على سؤال تعرضهن للتحرش من قبل أحد المحارم في الطفولة، كما أجابت 39% من المتزوجات بأن زوجها يجبرها دائما أو أحيانا على ممارسة الجنس عندما لا ترغب بذلك.
المرأة نظريا وفق الشريعة والقانون مالكة لأموالها ، حرة التصرف بها، لكن الواقع يظهر في كثير من الحالات، عدم حريتها في ذلك، وخضوعها للضغوط الممارسة عليها من قبل الأهل أو الزوج .
العنف الاجتماعي:
للعنف الاجتماعي أيضا أشكال ودرجات متفاوتة، فجذور العنف وشرعنته تمتد إلى عمق مجتمعاتنا العربية، ويتجذر مفهوم التمييز ضد المرأة في عمق وعينا الجمعي، حتى بات من الصعوبة بمكان وعي المرأة نفسها لنفسها إنسانا كامل الأهلية ومواطنا من حقه أن يكون مساويا للرجل في الحقوق والواجبات، فالشعور بالدونية متأصل في نفس المرأة، وبالمقابل شعور مبرر بالتفوق من قبل الرجل، فالثقافة السائدة تحمل تمييزا واضحا بين الرجل والمرأة على أساس النوع الاجتماعي( الجندر)، فتلصق الصفات السلبية بالأنثى، والإيجابية بالذكر، وتعزو ذلك إلى الاختلافات البيولوجية بينهما، فالأنثى هي الضعيفة المستكينة المراوغة المداورة …الخ، والرجل هو الشجاع الكريم، الشهم …الخ. علما بأن ذلك غير صحيح علميا، فهذه الصفات لها علاقة بالإرث التاريخي وأساليب التربية الاجتماعية لا بالفروق البيولوجية.
تلعب العادات والتقاليد دورا هاما في تكريس العنف ضد المرأة، ويصعب تعداد تلك العادات ومدى القهر والعسف الذي ينال المرأة منها، وفي كثير من الأحيان تكون لهذه العادات والتقاليد، قوة تتجاوز فيها الدين والقانون معا، كتزويج الطفلة دون رضاها، وقبض مهرها، وحرمان المرأة من الإرث في الريف، وحرمانها من الحق بالتصرف بأموالها.
المرأة والعمل:
تتشابه أوضاع المرأة العاملة في جميع الدول العربية، لكنها تتفق جميعها في مساهمتها الضعيفة ، وانحصار عملها في المستويات الدنيا من سوق العمالة، وتعطي الأرقام التالية – مع ملاحظة- ندرة الاحصائيات- فكرة عن ذلك.
نسبة المساهمة في قوة العمل بين النساء في سورية 21.4% من قوة العمل العامة، ويقدر أن 63% من قوة العمل النسائية تصرف في التدبير المنزلي، رغم أن الاحصائيات في هذا المجال غير دقيقة ، فهنالك نسبة كبيرة من النساء اللاتي يصنفن كربات منازل، في حين يساهمن في العمل لصالح الأسرة مجانا وخاصة في الريف، وتبلغ نسبة البطالة بين النساء في سوق العمل ضعفين ونصف نسبتها عند الذكور، وتعمل 58.1% من النساء العاملات في قطاع الزراعة، 31% في قطاع الخدمات ، والباقي موزعات على جميع القطاعات الأخرى، مما يخلق توزيعا غير عادل للعمل ، فالقطاعات التقليدية المتخلفة( الزراعة والخدمات) للنساء بشكل أساسي، والقطاعات الحديثة المتقدمة ( الصناعة التجارة المصارف وغيرها) للرجال.
نلاحظ أن نسبة أصحاب العمل هي 10.0 % ذكور مقابل 1.3% إناث .
31.5% يعمل لحسابه من الذكور مقابل 10.5% من الإناث .
و10.4 %يعمل دون أجر مع ذويه من الذكور مقابل 41.7% من الإناث .
يقابل ذلك تساوي نسبة الذكور والإناث تقريبا التي تتقاضى أجورا مادون 4000 ل.س .
حتى إذا بلغ الأجر فوق 9000 ليرة سورية تصبح النسبة 8.1% للذكور و2.1% للإناث في القطاع الحكومي (جميع الأرقام السابقة مأخوذة من المجموعة الاحصائية السورية).
وهكذا نرى أن أن المرأة التي تعلمت وخرجت إلى سوق العمل بهدف تحقيق الاستقلال الاقتصادي، الذي يمثل الركيزة الأساسية لتحررها الاجتماعي ، أصيبت بخيبة حادة في سوق العمل حيث بقيت أفضلية المناصب والوظائف ذات الأجور العالية للرجل، وعانت هي الأمرين من العمل خارج المنزل مثلها مثل الرجل ، مضافا إلى ذلك العمل المنزلي الذي يعتبر مهمتها وحدها حتى ولو كانت عاملة بنفس وظيفة الرجل.
ليست هذه دعوة لعودة المرأة إلى المنزل ففي ذلك خسارة على الصعيد الشخصي، وعلى الصعيد القومي، وعودة للوراء، وذلك ما يقف التطور التاريخي ضده أصلا، لكنها دعوة لتغيير النظرة الاجتماعية وإنصاف المرأة إنسانيا، بمشاركتها بالعمل المنزلي من قبل الزوج والأولاد، أو من يسكن معها من الأهل، وإنصافها في سوق العمل أيضا .
المرأة والتعليم:
تبلغ نسبة الأمية بين النساء العربيات أرقاما مرعبة ، وخاصة في الريف، مع اختلافات بسيطة بين دولة وأخرى، إذ تبلغ نسبة الأمية في سورية بين النساء 25.8% ، وترتفع في الريف إلى نسبة 34.8% ، مقابل 17.4% في المدن. علما بأن سورية تصنف من أفضل الدول العربية في هذا المجال( التقرير الوطني للتنمية البشرية 2005).
لقد كان قرار رفع سن التعليم الإلزامي حتى نهاية فترة التعليم الأساسي مكسبا كبيرا للمرأة، فقد حمى ذلك الكثير من الفتيات من حرمانهن من مواصلة تعليمهن وبالتالي زواجهن المبكر وإن كان لا يزال تطبيقه الفعلي في كثير من المناطق قاصرا، إذ ينخفض معدل التحاق الإناث بالمدارس نسبة إلى الذكور فقد بلغت نسبة التحاق الذكور في المدارس 100% بينما عند الإناث 98% في عام 2007. تحليل الوضع الراهن لتنمية الطفولة المبكر في سورية
( اليونيسيف والهيئة السورية لشؤون الأسرة 2008).
وتبلغ نسبة التسرب من صفوف التعليم الأساسي من 25-28% من الأعداد التي ينبغي خضوعها للتعليم الإلزامي. وتصل نسبة من يتابعن تعليمهن الجامعي إلى 6.4% ممن دخلن المدرسة الابتدائية ، وهن 46.1% من الطلاب الجامعيين. (المجموعة الإحصائية السورية).
مع ملاحظة اختلاف أسباب تسرب الذكور عن الإناث ، ففي حين يعتبر الزواج المبكر السبب الأساسي لتسرب الإناث، يعتبر خروج الأطفال إلى سوق العمل السبب الرئيس لتسرب الذكور.
كذلك لابد من الإشارة إلى وجود بعض الموضوعات في مناهج التعليم التي تحمل تمييزا ضد المرأة، وتعزز النظرة الدونية لها.
المرأة والصحة:
تتشابه الأوضاع الصحية للمرأة العربية، وتعتبر الأوضاع الصحية للمرأة في سورية من أفضل الأوضاع في الدول العربية.
معدل النمو في سورية 24.5 بالألف، معدل الخصوبة3.4 في المدينة، و4.4 في الريف بمتوسط قدره 3.8 ، ونسبة استخدام المتزوجات لوسائل تنظيم الأسرة 46.6%.
ربع النساء السوريات خارج الرعاية الصحية في فترة الحمل، وتشير إحصاءات وزارة الصحة في عام 2007 أن معدل استخدام الرعاية أثناء الحمل في منشآت القطاع العام لايتجاوز35 % من النساء الحوامل , كما تختلف الرعاية أثناء الحمل بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية. وقد بين المسح العنقودي الثالث متعدد المؤشرات عام 2006 إلى تدني الرعاية في الشمال الشرقي من القطر على مستوى الصحة الإنجابية.
وتراجعت نسبة وفيات الأمهات من 143 لكل 100000 ولادة حية عام 1990 إلى 58 لكل 100000 ولادة حية عام 2006، إلا أنها لا تزال أكثر مما هو متوقع في سورية، إذ لاتزال في المرتبة 13 من 20 دولة عربية بالنسبة لهذا المؤشر.
ومازالت الأمراض المعدية وأمراض الأمومة والطفولة تشكل جزءا هاما من العبء المرضي في سورية ( 25%).
( حالة السكان في سورية التقرير الوطني 2008).
وما يزال الزواج المبكر ظاهرة شائعة وبخاصة في الريف السوري وذلك في ظل حماية قانونية لهذه الظاهرة تتجلى في قانون الأحوال الشخصية المادة 18. التي تجيز تزويج الفتاة في الثالثة عشر من عمرها والفتى في الخامسة عشر من عمره.
ما تزال نسبة الولادات المتقاربة مرتفعة وبخاصة بين الأمهات الصغيرات فـ 46.2% من الأمهات في أعمار من 15 ـ 19 سنة لم يفصل بين حملهن الأول والثاني 18 شهراً، وما تزال نسبة الزواج بين الأقارب من الدرجة الأولى مرتفعة فهي 25.5% في الحضر و 32.9 في الريف (مسح صحة الأسرة).
التحرش الجنسي:
تزداد ظاهرة التحرش الجنسي في الأماكن العامة والعمل عمقا في مجتمعاتنا العربية، وإن كان المجال لا يتسع هنا لبحث أبعادها النفسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنها تعبر بالأساس عن نظرة ذكورية متفوقة تبيح للذكر استباحة الأنثى دون رغبة منها، كما أنها ترتكز على مفهوم استباحة كل أنثى كسرت طوق الثقافة المتوارثة التي تضع مكانها الأساسي داخل جدران المنزل، وتعتبرها مستباحة إن جرؤت على كسر هذا الطوق، وتتعمق هذه الظاهرة بتفاقم مشاكل الشباب الاقتصادية من فقر وبطالة، وانتشار الظواهر السلبية للعولمة في جميع وسائل الاتصال، مما جعل التصدي لهذه الظاهرة المسيئة ضرورة ملحة تستدعي تدابير قانونية واقتصادية واجتماعية جدية.
آفاق مناهضة العنف ضد المرأة العربية:
الطريق طويلة وشاقة، ولكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة.
1-يرتبط إصلاح أوضاع المرأة العربية بتحسين الظروف السياسية، التي تكبل المواطن وتمنع إطلاق طاقاته الخلاقة، وذلك يستلزم:
أن يسود نظام عالمي إنساني، تنتفي فيه سيطرة شعوب على أخرى، بحيث تلغى التحديات الخارجية، التي تستنفد طاقات شعوب المنطقة.
وأن يسود السلام العادل والشامل المنطقة العربية، مع عودة الحقوق لأصحابها.
الاعتماد على الطاقات المحلية الخلاقة في بناء الأوطان، بما يكفل سيادة الدول واستقلاليتها، وبناء اقتصاد وطني يحميها من التبعية في ظل اقتصاد السوق الحر.
النضال في سبيل حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من النضال الديمقراطي العام،الذي يتيح لجميع فئات الشعب الحق في التعبير عن نفسها والدفاع عن مصالحها ضمن مؤسسات مجتمع مدني معترف بها، تتشارك مع المؤسسات الحكومية في تأمين مصالح المواطنين كافة، دون اعتبار لجنسهم او عرقهم او دينهم، ما يتطلب تعديل قوانين الانتخاب والأحزاب والجمعيات، باتجاه قوانين عصرية عادلة، وإعطاء كل من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية استقلالها، وضمان نزاهتها.
ولايعني ذلك انتفاء خصوصية النضال من أجل حصول المرأة على حقوقها ، والذي يمكن تلخيصه في النقاط الأساسية التالية:
2- توعية المرأة بنفسها إنسانا كامل الأهلية ، مساو للرجل في جميع الحقوق والواجبات ، وتوعية الرجل بأهمية تحرر المرأة ليس من أجلها ولحقها الإنساني بذلك فقط ، بل أيضا لأن حريته لن يحصل عليها حقا إلا ملازمة لحريتها ، كما أن حرية المجتمع ونهضته ونماءه لا يتم إلا بالنهوض بنصفه المكبل.
3- إلغاء التحفظات على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، بما يلزم الدولة الموقعة تغيير قوانينها وأنظمتها النافذة، بما يتناسب مع إلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة.
4- قانون أسرة عصري بديل يحل محل قانون الأحوال الشخصية الحالي ، مع تعديل جميع القوانين الأخرى التي تحمل تمييزا ضد المرأة.
5- محاربة العادات والتقاليد و الأعراف التي تحمل تمييزا ضد المرأة والتي تكون في كثير من الأحيان أقوى من القانون نفسه، عن طريق الحملات المشتركة بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات المدنية، وبمشاركة جميع وسائل الإعلام.
6- الدفاع عن حق المرأة في المشاركة السياسية ، بحيث يصبح وجودها حقيقيا وفاعلا.
7- تمكين المرأة اقتصاديا، بإتاحة فرص العمل لها، ورفع التمييز ضدها القائم على أساس الجندر في أماكن العمل.
8- ضمان حق المرأة في التعليم ، ومكافحة التسرب من المدارس وعمالة الأطفال غير الإنسانية، والزواج المبكر، وتغيير مناهج التعليم بإلغاء كل ما يحمل أفكارا تمييزية ضد المرأة.
9- الدفاع عن حقوق المرأة داخل الأسرة وحمايتها من العنف الأسري بتشريع قانون يحمي حقوق الأطفال وقانون يحمي من العنف الأسري.
10- تحسين الوضع الصحي للمرأة والعناية بالأمومة والطفولة والصحة الإنجابية .
11- مكافحة الاتجار بجسد المرأة .
12- الدفاع عن حق المرأة في ممارسة جميع الأنشطة الاجتماعية والرياضية، ومجالات الترويح عن النفس .
13- إيلاء الطفلة اهتماما خاصا، بالتشديد على حمايتها قانونيا واجتماعيا.
14- إيلاء قضية المرأة الريفية اهتماما خاصا، بدراسة خصوصية وضعها،وشروط حياتها اللاإنسانية، باستخدامها كيد عاملة غير مأجورة، وأداة إنجابية لمزيد من الأيدي العاملة، وحرمانها في كثير من الأحوال من أبسط الحقوق الإنسانية .
16