تنطلق دراستي هذه من عدة نقاط أساسية أرى من الواجب ذكرها بداية، كأساس لاهتمامي بهذا الموضوع:
– الإنسان عدو ما يجهل، لذا يقف الكثير من الناس موقفا عدائيا ضد أي جديد غامض مبهم، لا يدركون كنهه، وخاصة أمام الاختراعات أو الاكتشافات العلمية في كافة مجالات العلوم التطبيقية أو الانسانية، فذلك الموقف العدائي الذي اتخذه البعض تجاه معرفة جنس الجنين بالأمواج فوق الصوتية، أو الاستنساخ، أو هبوط الانسان على سطح القمر، شبيه تماما بموقفهم من النظريات الحديثة في العلوم الانسانية، تلك المواقف التي تتسم بالتكذيب أولا ثم الرفض أو التجاهل ثانيا، وأخيرا الهجوم والاتهامات بالتكفير والرغبة في تقويض المجتمع وما إلى ذلك، إلى أن يثبت الزمن لاحقا- وهو العامل الحاسم دائما- صحة وفائدة هذه الاختراعات أو الاكتشافات أو النظريات التي ابتدعها العقل البشري، وإمكانية استخدامها لخير البشرية.
– وذلك يقود إلى النقطة الثانية التي تتعلق بمفهوم حوار الحضارات بدلا من صراع الحضارات الذي يتم الترويج له حاليا من قبل تيارات فكرية متطرفة. لقد ساهمت القوى العظمى العالمية وعلى رأسها الإدارة الأمريكية بتسلطها وعدوانيتها على تكريس مفهوم صراع الحضارات، واضعة الشعوب والحضارات والأديان بمواجهة بعضها البعض في صراع تتأجج ناره يوميا. لقد امتد حوار وتلاقح الحضارات على طول التاريخ الانساني، وساهم في ارتقاء الإنسان وتطوره، فجميع شعوب الأرض لها الحق في الاستفادة من الحضارة الانسانية التي لا يجوز أن تبقى حكرا على شعب دون آخر، أو أمة دون أخرى، فالحضارة الانسانية، هي حصيلة تطور العقل البشري، على مدى قرون طويلة، وهي وإن تركزت اليوم في الغرب، لكن لا يمكن لأحد أن ينكر مساهمة جميع الشعوب الشرقية، ومن بينها العرب في صنعها في فترة تاريخية معينة، لذا فمن حق جميع الشعوب الاستفادة من جوانبها الايجابية، في جميع مجالات العلوم التطبيقية أو الانسانية، واستخدامها في مجالي التطوير والتنمية، التي باتت شعوبنا بأمس الحاجة إليها للحاق بالركب الحضاري، كي نستطيع الافلات من المصير الذي بدأ يطبق بخناقه علينا محولا إيانا إلى شعوب تابعة، لاحول لها ولاقوة، بدل أن نكون شعوبا سيدة تمتلك مصيرها بيديها.
– ثالثا لابد هنا من الإقرار بحقيقة أن سيادة الشعوب على نفسها، وانفلاتها من أسار التبعية والخضوع للقوى العظمى الجائرة المتوحشة، لا يمكن أن يحدث، دون أن يمتلك كل فرد في المجتمع حريته وحقوقه كاملة، ودون إشراك جميع طاقاته في مجال التنمية، وهنا يأتي ضرورة تحرير نصف المجتمع من كل القيود التي كبلته.
لقد تحولت المرأة خلال عصور التخلف والانحطاط التي خنقت شعوبنا العربية قرونا طويلة، إلى كم اجتماعي مهمل فاقد لأي فعالية اجتماعية، وقد وعى النهضويون العرب في بدايات عصور النهضة العربية في نهايات القرن التاسع عشر، ضرورة تحرير المرأة، وإطلاق طاقاتها المبدعة، وأدركوا أنه من دون ذلك لا يمكن لمجتمعاتنا النهوض والسير في ركب الحضارة والتنمية.
ومنذ ذلك الحين برزت الدعوات المتكررة لتحرير النساء وتأمين حقوقهن، واتخذت هذه الدعوات أشكالا مختلفة، تطرف البعض منها ودعا إلى تقويض جميع الأسس الاجتماعية معتبرا الرجل العدو الأساسي للمرأة، ونادى بأفضلية المرأة على الرجل، في حين بقي بعضها الآخر متوازنا، لا يعتبر الرجل عدو المرأة، بل الفكر الذكوري الذي تتبناه النساء كالرجال تماما في المجتمعات التي تسود فيها الثقافة الذكورية البطريركية كمجتمعاتنا العربية.
كيف بدأ مفهوم الجندر بالتكون؟
بتقديري الشخصي فإن مفهوم اختلاف الأدوار الاجتماعية بين الذكر والانثى باختلاف المجتمعات ظهر بداية في أبحاث عالم الاجتماع مورغان، الذي درس السلوك والأنماط والأدوار الاجتماعية لدى قبائل الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، ليلاحظ اختلاف تلك الأدوار حسب تطور العلاقات الاجتماعية السائدة، بين النظام الأمومي أو النظام الأبوي، والأنظمة الوسيطة المتدرجة بينهما، إذ لاحظ اختلاف الأدوار الاجتماعية لكل من الذكر والانثى، حسب درجة تطور المجتمع، ولعل اول من حدد هذا المفهوم بشكل واضح الفيلسوفة الوجودية سيمون دي بوفوار التي قالت لا يولد الإنسان امرأة، إنما يُصبح كذلك” ضمنتها في كتابها “الجنس الثاني”، ولم تكن تدري أنها ستصبح الخلفية الفلسفية الأساسية لدى الكثير من الناشطات المهتمات بالترويج لمفهوم الجندر، والعمل على إدماجه في كافة مجالات الحياة والتنمية، على اعتبار أنه المنطلق الأهم لتجريد جنسي أو جنسي الذكورة والأنوثة من كافة الفوارق الاجتماعية التاريخية التي يمكن أن تكون سبباً في أي تمييز جنسي بين الرجال والنساء. وفي السبعينات بدأ مفهوم الجندر يتضح أكثر فأكثر، ليأخذ أهميته الحالية بعد مؤتمر بكين الشهير عام 1995، الذي تبنى هذا المفهوم كأحد المرتكزات الأساسية لحركة تحرر المرأة في العالم.ولكن الغموض واللبس الذي أحاط بهذا المفهوم عند ظهوره في وثيقة مؤتمر بكين، والبرامج الدولية اللاحقة دفع الكثير من النساء والحركات النسائية من مختلف الاتجاهات إلى محاولة البحث والتعمق في أصول المفهوم وأبعاده الحقيقية، وذلك من أجل اتخاذ المواقف المناسبة من تلك البرامج والتوصيات سلباً أو إيجاباً، ومن ثم ربطته باحثات كثيرات بحركاتٍ نسائية تدعو إلى التماثلية وحتى الشذوذ، وإلى تحميل الميول الجنسية للمرأة أكثر من هوية جنسية، واتهمته بدعوة المرأة العربية إلى بناء حياتها وتحقيق طموحاتها في الحياة من خلال تلبية كل المطالب القائمة على النزعة الفردية بعيداً عن الالتزام بروابط الأسرة والمجتمع، بينما اعتبرت النساء من ناشطات الجندر أن أبعاد المفهوم مجردة تماماً من هذه الاتهامات، وأن الهدف من العمل على توظيفه لا يزيد على كونه سعياً إلى إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، وذلك من خلال التعامل معها من منطلق النوع الاجتماعي، الكلمة التي أصبحت مرادفة للجندر، وليس من منطلق كونها أنثى من حيث الجنس.
ما هو الجندر أو النوع الاجتماعي؟
الجندر كلمة لاتينية في الأصل تشير إلى الجنس( أي الاختلاف بالجنس بين الذكر والانثى)، لكنه كمصطلح في علم الاجتماع، اخذ مفهوما محددا ترجم إلى العربية بعبارة ” النوع الاجتماعي”.
لا يخفى على أحد أن هنالك اختلافا بيولوجيا بين الذكر والانثى، ويتجلى هذا الاختلاف في الأعضاء والوظيفة الجنسية، ففي حين يشترك جسد المرأة والرجل في بنية جميع الأجهزة ( أجهزة الدوران والتنفس والهضم والاطراح والجهاز العصبي) يختلفان عن بعضهما في بنية جهاز التكاثر والأعضاء الجنسية، مما يخص المرأة بالوظيفة الانجابية التي اختلف تقييمها باختلاف الأزمنة والمجتمعات، ففي حين كانت هذه الوظيفة مدعاة لتقديس المراة عند بعد الشعوب على مدى التاريخ، كانت مصدرا لتحقير المرأة وتهميش دورها لدى شعوب أخرى في أزمنة أخرى.
لقد أثبت العلم أن الاختلاف الطبيعي الوحيد بين الذكر والانثى هو في تلك الوظيفة، أما الاختلافات الأخرى من حيث الطباع أو الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها كل من الذكر والأنثى، فذلك ليس مرتبطا بالاختلافات البيولوجية أو الفيزيزلوجية الموجودة في جسد كل من الذكر والانثى، بل بسبب عوامل اجتماعية صنعها البشر بأيديهم، فمثلا عندما نقول أن عدد النساء الأميات أكثر من عدد الرجال الأميين في مجتمع ما، فذلك ليس ناجما عن كونهن ينجبن الأطفال، بل لأنهن لم يرسلن إلى المدارس للتعلم، والدليل على ذلك أنه في حال إرسال البنت إلى المدرسة للتعلم، فإنها تتعلم مثلها مثل الذكر تماما بل قد تتفوق عليه. أي أن هنالك عوامل اجتماعية وسياسية وثقافية لعبت دورا في تحديد الفروق بين المرأة والرجل ليس على أساس الاختلاف البيولوجي وإنما على أساس اختلافات صنعها البشر عبر تاريخهم الطويل.
إن الاختلافات البيولوجية بين الذكر والانثى لا تعني بأي حال من الأحوال تفضيل جنس على آخر، وإلا وجب اعتبار المرأة أفضل من الرجل لقدرتها وعدم قدرته على الانجاب، أو الرجل أفضل من المرأة بسبب قوته العضلية، وعلى هذا المبدأ يمكن اعتبارأي مصارع ضخم غبي أفضل من أهم عالم أو مخترع ضئيل الحجم.
فالمشكلة هنا في اعتبار قدرات المرأة من الناحية الاجتماعية والسياسية والثقافية والذهنية أقل من قدرات الرجل بسبب الاختلاف البيولوجي بينهما، مما يعطي الرجل مكانة أفضل من المرأة، ويعطيه الحق في السيطرة عليها وتقرير مصيرها، وهذا هو ما يطلق عليه التمييز على أساس الجندر أو النوع الاجتماعي. فالجندر أو النوع الاجتماعي إذا هو وصف لخصائص الرجال والنساء المحددة اجتماعيا، في مقابل تلك المحددة بيولوجيا، والتي يعبر عنها بلفظ الجنس.
تتغير خصائص النوع الاجتماعي بتغير المكان أو الزمان، أو العوامل الاجتماعية والثقافية المتغيرة والمتنوعة، على عكس الوظائف المتمايزة جنسيا ( الاخصاب، الحمل، الارضاع).
فعملية التربية والتعليم هي التي تلقن الصبي أو البنت مبادئ السلوك التي تحدد الفروق والأدوار والمواقف والنشاطات وكيفية الاتصال مع الآخرين، وهذا السلوك المكتسب بالتربية والتعليم هو الذي يشكل الهوية الجندرية لكل من الذكر والانثى، ويحدد بالتالي الأدوار الجندرية.
لقد صنع البشر على مدى قرون طويلة هذا المفهوم وكرسوه، حتى صدقته النساء أنفسهن، وبتن يتصرفن على أساس أن مكانتهن الانسانية أقل من مكانة الرجل، وأعدن إنتاج هذا المفهوم في عملية التربية.
ماهي العوامل التي ساهمت في تكريس التمييز على أساس الجندر؟
يظهر التمييز منذ لحظة ولادة الأنثى، ولعل خير ما يعبر عن ذلك الآية الكريمة” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون” النحل 59.
يحصل الأولاد على فرصة أكبر للتعلم، وحتى لو أرسل الذكر والانثى إلى المدرسة، فهي تعود بعد المدرسة للمشاركة في العمل المنزلي دون أن يكون ذلك مطلوبا من أخيها. وتبلغ نسبة الأمية في سورية بين النساء 25.8% ، و نسبة التسرب من صفوف التعليم الأساسي 25-28% ، ولا تتجاوز نسبة الإناث اللاتي يتابعن تعليمهن الجامعي 6.4%، ممن التحقن بالتعليم الأساسي.
كما أن الحرية النسبية التي يتمتع بها الأولاد في الخروج من المنزل والاحتكاك بالآخرين تكسبهم مهارات التعامل والتواصل وخبرات حياتية أكثر من الأنثى، وقد اثبتت التجربة أنه عند حصول الأنثى على التعليم وفرصة التواصل الاجتماعي خارج المنزل ( نواد، دورات تعليمية..الخ)، تستطيع أن تثبت ذاتها وقدرتها على النجاح والابداع بل التميز في كافة المجالات، مما يثبت تأثير العامل الاجتماعي.
إن الاعتقاد بأن الصرامة والخشونة والقدرة على الحسم واتخاذ القرار والشهامة والإباء والكبرياء ( وكل هذه الصفات تختصر في الثقافة العربية بكلمة رجولة) صفات رجولية، والنعومة والتقلب والسلبية وعدم القدرة على اتخاذ القرار وعدم الحسم والخضوع والخنوع صفات أنثوية، هو اعتقاد من صنع البشر لا الطبيعة، فالأدوار الاجتماعية تختلف من بلد لآخر بل ومن مجتمع لآخر في نفس البلد، أو حتى من حي لآخر ضمن نفس المدينة، حسب الثقافة السائدة والعادات والتقاليد والوضع الاقتصادي، والدليل على ذلك، قدرة أي فلاحة في الريف على عزق الأرض تحت الشمس الحارقة، أو حمل رزمة من الحطب، والقيام بأعمال زراعية مجهدة لا يستطيع أي رجل مديني القيام بها. وتتفاوت نسبة العنف لدى الصبيان مثلا حسب البيئة التي ينشأوون بها، فالصبي الذي يعيش في بيئة اجتماعية متخلفة ترمي به لينشأ في الأزقة والحواري، يختلف في عدوانيته مثلا عن صبي نشأ مدللا في بيئة اجتماعية مرتاحة مرفهة، لاضطرار الأول للدفاع عن نفسه غالبا، في حين يجد الثاني من يحميه ويؤمن له مصالحه دائما، وهنا لا نستغرب أن يصف الأطفال الذين نشأوا في البيئة المتدنية اجتماعيا، الطفل المدلل بأنه” يشبه البنات”. لقد أثبتت الدراسات الاجتماعية عدم ثبات الفروق بين المرأة والرجل باختلاف الأزمنة، فالأدوار التي نقوم بها حاليا، كجلوسي على منصة أمام حشد من الرجال والنساء، وإلقائي محاضرة ما، كان يعتبر ضربا من الخيال في مجتمعنا قبل مئة عام، ولعل أكبر الأمثلة على ذلك اختلاف الأدوار التي تقوم بها النساء في فترة الحروب، ففي تاريخنا العربي نقرأ عن بطولات نساء مسلمات شاركن في القتال جنبا إلى جنب مع الرجال، فأم عمارة عندما انهزم المسلمون في أحد حملت سيفها وهي حاجزة ثوبها إلى وسطها , وجعلت تذب عن رسول الله بالسيف وترمي بالقوس حتى جُرحت ثلاثة عشر جرحا , وقتلت وجرحت العديد من المشركين , حتى قال عنها رسول الله ( ص ) ” ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني ” . ( طبقات ابن سعد والسيرة النبوية لابن هشام ). وبعد خسارة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وأسر غالبية الرجال قامت النساء وحدهن بإعادة إعمار ألمانيا فقمن بأعمال البناء وأدرن المصانع … الخ
إن وعي البشرية بموضوعات حقوق الإنسان في القرن العشرين، ووضعها تشريعات وقوانين دولية لذلك، ساهمت بالدفع تجاه حقوق المرأة كجزء لا يتجزأ من مفهوم حقوق الإنسان ككل، والذي تجلى بالنسبة للمرأة باتفاقية إلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة، ولا بد من الإشارة هنا أن من يعتبر مفهوم أو اتفاقيات حقوق الإنسان مفاهيم غربية طارئة يجانب الحقيقة فثقافتنا العربية الاسلامية تبنت هذه المفاهيم بشكل واضح صريح، ” ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” الحجرات 13. ” والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ” التوبة 71 ، وقد ترجمت العبارة الشهيرة لعمر بن الخطاب ( رض)” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” بالجملة التي استهلت بها اتفاقية حقوق الانسان” يولد الإنسان حرا” والتي اقترحها المندوب اللبناني الذي شارك في صياغة الاتفاقية.
التمييز في العمل على اساس الجندر:
تعمل النساء عدد ساعات أكبر بكثير من الرجال ، وخاصة النساء اللاتي يعملن خارج المنزل، ولكن تكمن المشكلة في تقدير هذا العمل ومردوده على المرأة.
وحسب احصاءات الأمم المتحدة:
تؤدي النساء ثلثي حجم العمل العالمي
ويكسبن عشر الدخل العالمي
ويشكلن ثلثي عدد الأميين في العالم
ويملكن أقل من 1% من ممتلكاته
ويقسم العمل بشكل أساسي إلى ثلاثة اشكال:
العمل الانتاجي:
و هو العمل الذي يحصل منه المرء على دخل معين، وتساهم المرأة فيه ولكن بدرجة اقل من الرجل لأسباب اجتماعية تاريخية، ولكن يلعب التمييز على أساس الجندر دورا هاما في تحديد أشكال العمل والأجور.
نسبة المساهمة في قوة العمل بين النساء في سورية 21.4% من قوة العمل العامة، ويقدر أن 63% من قوة العمل النسائية تصرف في التدبير المنزلي، رغم أن الاحصائيات في هذا المجال غير دقيقة ، فهنالك نسبة كبيرة من النساء اللاتي يصنفن كربات منازل، في حين يساهمن في العمل لصالح الأسرة مجانا وخاصة في الريف، وتبلغ نسبة البطالة بين النساء في سوق العمل ضعفين ونصف نسبتها عند الذكور، وتعمل 58.1% من النساء العاملات في قطاع الزراعة، 31% في قطاع الخدمات ، والباقي موزعات على جميع القطاعات الأخرى، مما يخلق توزيعا غير عادل للعمل ، فالقطاعات التقليدية المتخلفة( الزراعة والخدمات) للنساء بشكل أساسي، والقطاعات الحديثة المتقدمة ( الصناعة التجارة المصارف وغيرها) للرجال.
نلاحظ أن نسبة أصحاب العمل هي 10.0 % ذكور مقابل 1.3% إناث .
31.5% يعمل لحسابه من الذكور مقابل 10.5% من الإناث .
و10.4 %يعمل دون أجر مع ذويه من الذكور مقابل 41.7% من الإناث .
يقابل ذلك تساوي نسبة الذكور والإناث تقريبا التي تتقاضى أجورا مادون 4000 ل.س .
حتى إذا بلغ الأجر فوق 9000 ليرة سورية تصبح النسبة 8.1% للذكور و2.1% للإناث في القطاع الحكومي .
ونسبة 30.6 % من الذكور يتقاضون رواتب دون 4000 ليرة سورية في القطاع الخاص مقابل نسبة 35.3 % من الإناث .
في حين تصبح النسبة 7,3% للذكور الذين يتقاضون أجرا يفوق 9000 ليرة سورية ، مقابل نسبة 2.4 % للإناث ( جميع الأرقام السابقة مأخوذة من المجموعة الاحصائية السورية 2004.
ما يدل على تناقص عدد النساء في أماكن العمل كلما ارتفعت الأجور وازدياد تواجدهن في الأعمال التي تدر أجورا منخفضة، أو حتى حرمانهن من أي أجر على الأعمال التي يقمن بها لصالح الأسرة.
وقد أثبتت الدراسات التي قام بها جورج مردوك على 344 مجتمعا النزعة نحو فصل الأنشطة الاقتصادية تبعا للجنس، وليس الكفاءة أو المقدرة.
العمل الانجابي:
ويشمل رعاية الأسرة والحفاظ على أعضائها، وهو عمل مرهق شاق يستغرق ساعات طويلة من جهد المرأة لكنه عمل غير مأجور غير محترم( يخجل الرجل مثلا إذا شاهده احد يغسل الأطباق في المنزل، أو ينشر الغسيل، وقد يسمع تعليقات جارحة مهينة جراء قيامه بهذه الأعمال)، بل يعتبرالمجتمع أن المرأة التي لا تعمل خارج المنزل لا تعمل، وحتى لو سألت المرأة التي تقوم بالعمل المنزلي المجهد عن عملها، فإنها تجيب بأنها لا تعمل إن لم تكن ملتحقة بعمل خارج المنزل. ولا يقتصر العمل الانجابي على إنجاب الأطفال وتربيتهم، بل على كل ما يتعلق بذلك، كجلب الماء من النبع، أو زراعة بعض الخضار حول المنزل، أو تموين الطعام، وغيرها من الأعمال التي تقوم بها المرأة في الريف مثلا، أو جلب الأغراض من السوق، أو تدريس الأولاد وغير ذلك من الأعمال التي تقوم بها المرأة في المدينة.
العمل في المجتمع المحلي:
وهو عمل طوعي يتمثل في المشاركة في المناسبات والشعائر والطقوس في التجمعات الأهلية، وكذلك العمل في مؤسسات المجتمع المدني، و تشارك النساء في جميع تلك الأنشطة، لكن يلعب التمييز على أساس الجندر دورا هاما في تحديد الأدوار التي تلعبها النساء أو الرجال في تلك الأنشطة، فالرجال هم الذين يكون في المواقع المهمة ولهم وحدهم سلطة اتخاذ القرار، بينما تلعب النساء دور المنفذ للقرارات.
المرأة في مراكز صنع القرار:
تبلغ نسبة تواجد المرأة في مجلس الشعب في سورية اليوم 12% وتعتبر هذه من أعلى النسب في الوطن العربي والدول النامية، ولكن ما مدى فعالية تواجدهن؟ لم تحصل المرأة خلال السنوات الثلاثين الماضية في سورية، سوى على تعديل بسيط في قانون الأحوال الشخصية، عام 1975، ومؤخرا، أي بعد 28 سنة، على تعديل آخر جزئي على أحد مواد القانون المتعلقة بسن حضانة الأم لأولادها، من بين عشرات المواد القانونية المجحفة بحق المرأة. Hlh tdlh djugr أما فيما يتعلق بالفعالية السياسية فيتساوى أعضاء مجلس الشعب رجالا ونساء في انعدام فعاليتهم السياسية، فالقرارات السياسية تؤخذ على مستوى قيادة الحزب الحاكم المتداخلة مع السلطة التنفيذية،التي درجت العادة في سورية أن تضم وزيرتين فقط ، تستلمان دائما حقائب غير سيادية.أما في الأحزاب فيبلغ عدد النساء حوالي نصف عدد الرجال في كوادر حزب البعث الحاكم، لكن تلك الأعداد تتضاءل كلما اتجهنا من قاعدة الهرم نحو قمته، بحيث لا نجد في القيادة القطرية سوى امرأة واحدة انتخبت لأول مرة عضوة في اللجنة المركزية في المؤتمر العاشر الأخير. ولا تختلف النسبة كثيرا في بقية أحزاب الجبهة، أو في الحراك المدني المحدود، أو القيادات النقابية ، غير المستقلة أصلا عن السلطة التنفيذية.
ما الذي يدعونا اليوم لطرح مفهوم الجندر ؟
عندما يطرح إنسان أو مجموعة ما مفهوما بقصد تبنيه فلابد أن يوضح المبرر الذي دعاه لذلك، وهل الهدف منه هو الصالح العام أم لا؟ وهذا ما يدعونا هنا إلى ضرورة شرح الأسباب والأهداف التي تدعونا لتبني مفهوم النوع الاجتماعي، هل الغرض من ذلك التخلي عن عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا، والدعوة إلى الإباحية، وتقويض الأسرة والمجتمع كما يحاول البعض الترويج عند التصدي لأي مفهوم اجتماعي جديد، ورفع سلاح التكفير والتهديد والوعيد بل استعداء الأنظمة الحاكمة ضد كل من تسول نفسه إدخال أي مفهوم اجتماعي جديد أو المطالبة بأي تغيير ما على الصعيد الاجتماعي أو القانوني، بما يهدف إلى تطوير مجتمعاتنا وتقدمها؟
إن حالة العجز والاحباط التي تعاني منها شعوبنا نتيجة عقود من الاستعمار والتخلف والاستبداد خلفت شروخا عميقة في فكرنا العربي المعاصر قادت إما إلى التمترس وراء فكر سلفي غير قابل لأي حوار أو نقاش ، أو فكر منفلت تبنى بعض المظاهر السلبية للحضارة الغربية بما اساء للمرأة بشكل خاص، وللمجتمع بشكل عام،بحيث باتت الاستفادة من المفاهيم الايجابية التي طرحتها الحضارة الإنسانية، وتمثلها وأقلمتها بما يلائم مجتمعاتنا تجابه بعقبات وعراقيل جمة ، يجعل منها في بعض الحالات ضربا من المستحيل. وذلك ينطبق مثلا على ما يقوم به بعض الأهل من حرمان أولادهم من التلفزيون أو الكومبيوتر أو الانترنيت بحجة الحفاظ على الأخلاق، دون النظر إلى الأمر من زاوية أن هذه التقنيات يمكن أن تكون نافذة تفتح عقل الطفل على آفاق علمية وتثقيفية وتنويرية وحضارية لاحدود لها، إذا ما أحسن توجيه وتربية الطفل بكيفية استخدام هذه التقانات بوجهها الإيجابي، فهل يمكن لأحد أن يتخيل مجتمعا أو دولة معاصرة يمكن لها أن تلحق بركب الحضارة دون استخدام هذه الأجهزة؟
إن الطريق الوحيد لتحرير شعوبنا وخلاصها من أسار التبعية والتخلف هو في تحرير طاقات المجتمع كلها، و حصول كل فرد على حقوقه وحريته، واستعادة كل فرد لكرامته وحقه في حياة حرة كريمة، ولن يتم ذلك إلا عن طريق تأمين حقوق الأفراد جميعا قانونيا واجتماعيا واقتصاديا، وتحفيز الطاقات الخلاقة المبدعة لدى جميع أفراد المجتمع نساء كانوا أم رجالا.
وهذا يقود إلى ضرورة تمتع النساء بحقوقهن الإنسانية الكاملة، باعتبارهن أفرادا من المجتمع كاملي الأهلية ومساويين للرجل في الحقوق والواجبات على جميع الأصعدة القانونية والسياسية والاقتصادية، وهذا ما يحرمهن منه التمييز على أساس النوع الاجتماعي، الذي يمنعهن من التعليم والحصول على دخل يوازي جهد العمل الذي يقمن به، ويحرمهن من التواجد في مراكز صنع القرار، وقيامهن بالمسؤوليات الاجتماعية التي تعزز قوة المجتمع وقدراته.
فمفهوم التنمية في الدول النامية يتضمن بالإضافة إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطن، وزيادة الانتاجية، تلبية حاجات أفراد المجتمع الذين يعانون الفقر والعوز، وتحقيق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع كافة.
ادخال مفهوم الجندر في عملية التنمية:
لا يجوز قصر مفهوم إشراك النساء في عملية التنمية على جعلهن أكثر انتاجية، واستخدام كفاءتهن في العمل وطاقاتهن القصوى، بل في تمكينهن من امتلاك القدرة على احتلال مواقع مساوية للمواقع التي يحتلها الرجال، والمشاركة بصورة عادلة في العملية التنموية ليتحقق لهن التحكم بعوامل الانتاج على أسس متساوية مع الرجال، فالهدف الأسمى هنا هو تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولادماج مفهوم الجندر ضمن العملية التنموية في أي دولة نامية،لابد من مراعاة النقاط التالية:
عدم استخدام الأفكار المستوردة أو النصائح الجاهزة التي باتت تتكرم علينا بها عشرات الحكومات وآلاف المنظمات التابعة لها، والتي تريد أن ترسم لنا نهج حياتنا واسلوب تغيير مجتمعاتنا بملا يلائم مصالحها ورغباتها، لا كما تتطلبه مجتمعاتنا، وليس أحد منا أقدر على تلمس احتياجاتنا، ووضع الحلول لمشكلاتنا.
لا يمكن استغلال طاقات أفراد المجتمع ضمن عملية التنمية دون تأمين احتياجاتهم في كافة مناحي الحياة.
لتأمين احتياجات النساء على صعيد الواقع العملي لا بد من التقيد بالنقاط التالية:
استشارة النساء والاستماع إلى مطالبهن، لفهم أدوراهن واحتياجاتهن
تصميم المشاريع المستقبلية التي تأخذ بعين الاعتبار جعل أوضاع النساء أكثر سهولة ويسرا
إلغاء القوانين التي تحمل تمييزا ضد المرأة واستبدالها بقوانين عادلة
محاربة العادات والتقاليد المجحفة بحق المرأة ونشر ثقافة بديلة معاصرة تعتمد على روح العدالة الموجودة في ثقافتنا الصيلة
تمكين المرأة من الوصول إلى مواقع صنع القرار في المجالين السياسي والاقتصادي
تمكين النساء من أخذ مواقعهن في مؤسسات المجتمع المدني التي تعنى بالقضاء على التمييز الاجتماعي ضد المرأة والعدالة الاجتماعية وتمكين المرأة
أخذ الأوضاع الصحية للنساء بعين الاعتبار( تنظيم الأسرة..)
تأمين الأجهزة التي تساعد في التخفيف من عبء العمل المنزلي
معايير تنمية النساء :
تحسين المستوى الاجتماعي الاقتصادي: تتضمن تنمية النساء بدءا تزويدهن من قبل الدولة والمجتمع بالحاجات الأساسية التي تتضمن الغذاء الكافي والدخل والرعاية الصحية، سواء ساهمن هن أنفسهن في ذلك، أم تم تأمين احتياجاتهن عن طريق الدولة والمجتمع
تكافؤ الفرص: بتمكين النساء من الوصول إلى عوامل الانتاج بشكل مساو للرجال( أرض، عمل، قروض، تدريب، تسويق، سهولة الوصول إلى الخدمات والفوائد المتاحة في المجال العام)، ومن الصعب تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص دون التغلب على المصاعب والممارسات الإدارية والقانونية التي تحمل تمييزا ضد المرأة، والتي تحول دون تطبيق ذلك المبدأ
الوعي: ويتضمن ذلك وعي النساء والرجال بأهلية النساء للعمل، وأن يكون تقسيم العمل عادلا ومقبولا من الجانبين، ولا يتضمن هيمنة سياسية أو اقتصادية لجنس على آخر
المشاركة في صنع القرار: أي المشاركة في رسم السياسات على صعيدي التخطيط والإدارة، بنفس النسبة التي تمثلها النساء في المجتمع.
التحكم في صنع القرار: لتحقيق المساواة في التحكم بعوامل الانتاج وتوزيع الفوائد، دون هيمنة طرف على آخر
إن نجاح أي مشروع تنموي في دولة نامية مرتبط بتقديره لاحتياجات النساء، وقضاياهن، فوقوف أهداف أي مشروع تنموي موقفا سلبيا أو محاديا من الاحتياجات الخاصة بالنساء في الفئة المستهدفة سيحكم عليه بالفشل الأكيد، فمن معايير نجاح أي مشروع تنموي موقفه الايجابي من احتياجات النساء مما يستدعي وجود نساء في فريق التخطيط والتحضير وتنفيذ أي مشروع، ووعيهم بمفهوم الجندر.
وهنا لابد من منح الاعتبار المناسب لمفهومي التمكين والمشاركة، فالمشاركة الحقيقية للنساء في التنمية تعني أن يكن قادرات على التعريف بآرائهن واتخاذ القرارات التي تؤثر على حيواتهن، وتحديد اهتمامات واحتياجات النساء في السياسات التنموية وضمن أهداف وغايات أي مشروع تنموي، ومشاركتهن في تقويم نتائجه.
أما التمكين فيعني تقوية القدرات الذاتية لكل فرد في المجتمع، كي يكون قادرا على تقرير مصيره والتأثير في ظروفه والآخرين من حوله بشكل إيجابي وبما يخدم الصالح العام، وهكذا فإن تمكين النساء سوف يقود إلى تحكمهن بمصائرهن وتأثيرهن الايجابي في من حولهن بما يحقق دفع عجلة التطور والتنمية في مجتمعاتنا نحو الأمام خدمة للإنسان الذي هو الغاية الأساسية دوما.