ليس جديدا أن يكذب رئيس أمريكي على شعبه وعلينا ، فلحسن الحظ أننا لا زلنا أحياء لنتذكر كلينتون ، قبل سنوات قليلة يظهر على شاشة التلفزيون متسائلا ببراءة : من هي الانسة لوينسكي ، ليظهر فيما بعد أن بينه وبينها ما … صنع الحداد ، وعندما أقسم يمينا أمام الملأ أنه لم يقم معها علاقة جنسية ، في الوقت الذي كانت فيه تشرح للمحققين تفاصيل حميمة لما كان يجري بينهما في المكتب الذي يدير منه سياسات العالم أجمع ، ظهر ثانية بكل صفاقة وأعلن على الملأ أنه قسمه كان مبررا ما دام الفعل الجنسي بينهما ” لم يكن كاملا ” !!!، هكذا بكل بساطة ، ومن ثم يتابع اللعبة مع زوجته هيلاري ، التي كانت مستعدة لا أن تمرغ رأسها فقط ، بل كرامتها وكرامة عشيرتها كلها بالتراب ، من أجل مخططاتها السياسية المستقبلية ، لتظهر بجانب زوج خداع كاذب ، متشابكي الأيدي ، على مقعد كنيسة وهو يبكي ندما ، في مسرحية سخيفة ، راهن كلينتون رهانا صحيحا ، بأن الزمن كفيل بطيها ، هي وكل أكاذيبه في غياهب النسيان ، ويا دار ما دخلك شر .
ولا ضير ما دامت الأكاذيب كانت متعلقة بحياته الشخصية ، فلسنا في معرض محاكمة زوج خائن ، فذلك ما أتصور أن هيلاري قادرة عليه ، وعلى أن ترد له الصاع عشرة .
ولكن أكاذيب بوش اليوم تتعلق بحياة آلاف العراقيين ، الذين كانوا حتى اليوم ضحايا حرب جائرة ، تبدل مبررها العلني مرات عديدة دون خجل .
غير صحيح ما يتهمنا البعض به أننا شعوب ذاكرتها مثقوبة ، فنحن لا ننسى ، ولكن قلة حيلتنا تظهرنا بهذا المظهر ، فلازلنا نتذكر أن المبرر الأول للحرب على العراق كان البحث عن أسلحة دمار شامل ، ومن ثم باقتراب موعد الغزو ، تبدل المبرر إلى الإطاحة بنظام صدام وولديه ، وخشية أن يفاجأ صدام أمريكا باستسلامه ، وهو الذي كان يفاجئها دائما بردود فعل مجنونة غير متوقعة ، ولجهلها الأكيد بطبيعة النظام العراقي الفاشي وطرق تفكيره ، أعلن بوش عشية الحرب أنه حتى لو استسلم صدام فالحرب ستقوم ، لأن الهدف هو القضاء على النظام العراقي برمته ونشر الديمقراطية !
قامت الحرب وذهب ضحيتها آلاف العراقيين ، كلهم من المدنيين ، وهرب رأس النظام ، بعد أن قايض مساعدوه الأساسيون العراق كله بسلامة رؤوسهم وأموالهم وعائلاتهم وحساباتهم البنكية في الخارج .
وطبعا نحن الشعوب العربية مهيضة الجناح ، لم نملك سوى الصياح والاحتجاج حتى بحت أصواتنا دون جدوى ، في حين كان الشعب الأمريكي في بداية الحرب يتسلى بلعبة الورق ، بعد إقناعه أن تلك الحرب هي انتقام لحادثة 11 سبتمبر ، فقد رد جندي أمريكي في أول ساعة من احتلال بغداد على ناشطة أوربية ، كانت تصرخ في وجهه عودوا إلى دياركم : تذكري 11 سبتمبر ، خاصة أن حكومته أكدت له أن العراقيين سيستقبلون محرريهم بالورود ، ولن يتكبد الجيش الأمريكي ، وفي الحقيقة لم يتكبد أكثر من ضحايا يعدون على الأصابع بعد احتلال العراق كاملا .
يوما بعد يوم بدأت تتكشف صورة أخرى ، فلا الورود كانت في استقبال الأمريكيين ، ولا سجاد أحمر ، ولا قبضات رز رشت فوق رؤوسهم ، صحيح أن الإعلام الأمريكي حرص على أن لا ينقل إلى شعبه صورة المظاهرات ، التي بدأت تخرج بشكل شبه يومي في كل مدن العراق منددة بالاحتلال الأمريكي ، إلا أنها لم تعد تستطيع التعمية على الهجمات اليومية التي تتعرض لها القوات الأمريكية ، لأنها لا تستطيع إلقاء جثث جنودها الذين يقتلون يوميا في البحر ، دون الرد على تساؤلات أهاليهم : أين هم أبناؤنا ؟ وبدأت الحقائق تتضح ، ورائحة الأكاذيب تفوح .
الشعب العراقي فرح لا شك بخلاصه من الطاغية إلا أنه لا يريد احتلالا من دولة أجنبية ، فهو شعب عريق ، حامل حضارة عمرها آلاف السنين ، شعب حي ذكي ، فيه نسبة عالية جدا من العلماء والمثقفين ، شعب لا يمكن أن تنطلي عليه كذبة رخيصة ، مفادها أن جيش الاحتلال قطع هذه المسافات ، ودفع مليارات الدولارات ، وضحى بحياة جنوده كرمى لسواد عيني العراقيين ، ليمنحهم الحرية والديمقراطية ، كما أنه شعب تعب من الاستبداد والقمع والحصار والتجويع ، ولا يرد أن يستبدل بها احتلالا .
لقد أنهك الشعب العراقي من مص خيراته من قبل الحكم المستبد ومن قبل قوانين دولية جائرة عاقبت الشعوب ولم تعاقب الحكام ، فقد جاع الشعب العراقي في السنوات العشر الماضية ، في حين كان المسؤولون يرفلون بالنعيم ويعيشون حياة أسطورية في قصور ألف ليلة وليلة ، ورغم ذلك يبدو أنه أقسم اليوم أن لن يدع أحدا غيره كائنا من كان يعيث فسادا في أرضه وممتلكاته .
وبدأت الأسئلة تطرح ليس فقط من قبل القوى المحبة للسلام في العالم كله ، بل من قبل الشعوب التي أحست أن أبناءها زجوا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل : أين هي أسلحة الدمار الشامل ؟ أين أدلة علاقة العراق بتنظيم القاعدة ، وبالتالي بحادثة 11 سبيتمبر ؟ لماذا لم يستقبل الجنود الغزاة بالورود ؟ لماذا تشن المقاومة العراقية حوالي 25 هجوما يوميا على قوات الاحتلال حسب اعترافها هي ؟ لماذا يقتل الجنود الأمريكيون يوميا ؟ كيف تعاضد السنة مع الشيعة الذين راهن الاحتلال خطأ على أنهم سيتعاونون معه ، ليفاجأ بريمر بأن أبواب النجف موصدة في وجهه .
أسئلة أحرجت الإدارة الأمريكية وتابعها قفة – بلير ، وبدأت الأكاذيب تطفو على السطح ، ظهر أن تقرير الاستخبارات البريطانية ، الذي اعتمدت عليه الاستخبارات الأمريكية – لقصر باعها الاستخباراتي وقلة حيلتها !!- مسروق من رسالة جامعية لطالب أمريكي من اصل عراقي ، تحمل معلومات مغلوطة فات وقتها ، وبلير اليوم يخضع لمسائلات متكررة بشأن مشروعية وجدوى اشتراك بريطانيا في هذه المغامرة الحمقاء ، خاصة بعد الفضيحة المدوية ، التي رافقت مقتل خبير الأسلحة البيولوجية كيلي ، في ظروف غامضة ، تشير بأصابع الاتهام إلى جهات مسؤولة ، وبعد انخفاض شعبية بلير في الشارع الانكليزي .
ومؤخرا ، يظهر بوش بوجه ، كما هو دوما ، خال من أي تعبير ، سوى التعبير الذي اشتهر به ، يعلن أن التقرير الاستخباراتي الذي اتهم العراق بشراء يورانيوم من أفريقيا كان كاذبا . وبعد تبجحه في الأيام الأولى من الحرب بشجاعة جنوده وقدراتهم الحربية الهائلة ، يعترف اليوم أن هنالك ” صعوبات أمنية ” تواجه قواته في العراق ، مدعيا أن المقاومة العراقية اليوم ليست سوى فلول نظام صدام ! يستطيع بوش أن يغالط نفسه كما يشاء ، ما دامت السيدة التي انسلخت من جلدها ونسيت الاضطهاد الذي يمكن أن يوقعه البشر على إخوانهم البشر ، لمجرد لونهم أو جنسهم ، وباتت أكثر وحشية من سيدها ، تقدم له تقارير مضللة – كما قدمتها له قبيل الحرب على العراق – وهو الذي أشك أنه كان يعرف موقع العراق على الخارطة قبيل نجاحه في الانتخابات ، لتقنعه أنه ما زال السيد النفطي المسيطر ، وأن حماقته في محاولة السيطرة على العالم لن تقوده كما قادت غيره من الحكام المغامرين المجانين إلى كارثة بشرية ، لن تقل في بشاعتها عن كارثة الحرب العالمية الثانية أو فيتنام ، سواء على شعبه أو الشعوب الأخرى .
لا أتوقع أن يظهر بوش مستقبلا على شاشات التلفزيون باكيا نادما على كذبه ، الذي تسبب في الآلاف من الضحايا الأبرياء ، إلا إذا زكمت رائحة الأكاذيب الأنوف ،ووصلت خسائر القوات الأمريكية المادية والبشرية حدا يمكن أن يهدد مستقبله الانتخابي ، خصوصا أن هؤلاء الضحايا لم ولن يحركوا ضمائر الديمقراطيين ، إلا بمقدار كونهم مطية يركبونها لإسقاط بوش والفوز بالانتخابات المقبلة .
ميّة الرحبي