هذا أول مقال رأي أكتبه بعد سقوط النظام البائد، لكنني أحسستُ أنها نقطة فاصلة في نضالنا الوطني والنسوي، أحتاج فيها أن أُعبّر عمّا أفكرُ به خارج إطار وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت حقلاً لنفث السموم لا لتجميع القوى سعياً لبناء الوطن الذي تركه النظام المجرم خراباً.
منذ قراءتي أول مرة للحادثة، التي أصّر ناشطون على فيسبوك على الجزم بأنها واحدة من سلسلة ظاهرة اختطاف النساء، بدا لي أن الحادثة بعيدة عن كونها اختطافاً، ليس لأنني أمتلك مَلكَات محقق جنائي، بل لأنني قرأت الحادثة بعين مُحلِّل لا ينطلق من موقف مُسبَق. إذ حسب ما نُشِرَ بداية على وسائل التواصل الاجتماعي، ادّعى والد الفتاة أنها اختطفت من مقر المعهد الذي تدرس فيه أثناء تأديتها لامتحانها، ونُشرت يومها محادثة بين إحدى مُدرِّساتها ووالدتها، تحاول المُدرِّسة فيها إقناع الأهل بإرسال الفتاة لتأدية الامتحان كي لا يضيع عليها عامٌ دراسي، في حين يبدو من المحادثة أن الأم مترددة في إرسالها إلى الامتحان. ثم وافقَ الأهل على أن تقدم الفتاة امتحانها بحراسة والدها، الذي رافقها إلى باب المعهد مُحتفِظاً بموبايلها (خطر لي آنذاك ربما لأنه ممنوع إدخال الموبايل إلى قاعة الامتحان). ومن ثم أعلن الوالد أنها خُطفت من داخل المعهد واتّهمَ من كانوا داخله بتسهيل اختطافها، وقال إن خطيبها الذي تحبه ينتظرها في لبنان، وهذه هي الجملة التي جعلت الشكَّ يخامرني، إذ ما الداعي أن يصرح الأب بذلك في ظل حادثة خطيرة كالاختطاف. من تحليل الحادثة ككل، وما تسرَّبَ من أخبار عنها هنا وهناك، بتُّ مقتنعة أن الحادثة لم تكن اختطافاً، وأن الفتاة هربت من الحصار الذي كانت العائلة قد فرضته عليها.
يومها لم أتوقف عند الحادثة بحد ذاتها فقط، قدرَ ما توقفّتُ عند خوفي من التصريح بما أفكر، أنا التي أحمل تاريخاً يزيد عن ثلاثين عاماً من النضال السياسي والنسوي، لم أجرؤ على أن أُصرِّحَ بما فكرت به آنذاك؛ خشيتُ أن يطعن في موقفي كمدافعة عن حقوق النساء، أو أن أُوصَمَ بالمُطبِّلة للسلطات الجديدة. في تلك اللحظة أحسستُ بأن هنالك خطباً جللاً بدأ يتضح للعيان يوماً بعد يوم، إذ أنني لم أخشَ يوماً التعبير عمّا أفكر به، لم أخشَ من أي نظام سياسي ولا أي نقد مجتمعي، ودفعتُ أثماناً غالية نتيجة جُرأتي ومواقفي غير المهادنة، فما الذي يحدث اليوم؟
فجأة تظهر الفتاة مع خطيبها، أو زوجها، في بيت الأهل رفقة الأمن العام، فقام الناشطون ولم يقعدوا بين مكذب ومصدق، يومها تأكدتُ من خلال قراءة متأنية للمشهد أن الموضوع لم يكن اختطافاً، بل محاولة من الأمن العام والأهل معاً لملمة الموضوع. فقد ظهر الشاب والفتاة برفقة الأمن العام متوجهين إلى بيت أهل الفتاة، ولم أستطع أن أفهم لباسها الغريب عن أهل المنطقة، حتى المتشددين منهم، وخمنّتُ أنها ربما كانت تقصد تحدي الأهل الذين عانت من ضغوطهم، أو أنها اختارته رمزاً لاعتناقها فكرَ الشاب الذي رفضه الأهل بسببه (وقد تأكَّدَ لي ذلك فيما بعد، حين ظهرت الفتاة لاحقاً بحجاب عادي مألوف يشبه لباس الصبايا في المنطقة). أما عن نظرتها الكسيرة، فقد اقتنعتُ بشهادة إحدى السيدات التي قالت إنها كان بسبب صراخ الأم المفجوعة بخسارتها لابنتها، وذلك ما أكّدته الفتاة لاحقاً.
اكتمل المشهد عندما انقسم الجمهور بين مؤيدين لوجهة نظر الأمن العام الذي يحاول أن يُثبت أن الحادثة لم تكن اختطافاً، وبين ناشطين مُصرّين على أن ما يحدث مسرحية من إخراج الأمن العام. وكي يُثبت الأمن العام موقفه قامَ الإعلامُ الرسمي بإجراء مقابلة مع الفتاة الضحية في بيت العائلة المشحون، فبدت متوترة مُرتبكة حزينة، ما زادَ من إصرار بعض الناشطين على أن هرب الفتاة من بيت والديها، كما صرَّحَت، غير حقيقي، وأنها مرغمة على التصريح بنفي جريمة الاختطاف.
عندها تدخَّلَ الناشط عمر إدلبي وأجرى لقاء مع الفتاة والشاب خارج نطاق الأسرة بدت فيه مرتاحة، لكنني توقفتُ عند جملتين قالتهما؛ الأولى أنها طالبت الشاب بأن «يستر عليها» ويتزوجها، والثانية أنها غيرت دينها واعتنقت الإسلام!!!
هل فكَّرَ أحدٌ من الناشطين المتحمسين على وسائل التواصل بتأثير كل ما حدث على الفتاة الضحية، وكل من حولها، من انتهاك لخصوصيتها وتأثير ذلك على مستقبلها وحياتها؟ بالتأكيد إنّ من واجبنا تحرّي أي حالة عنف أو اشتباه باختطاف، لكن هنالك أصولاً للعمل الذي يجب أن يتم بهدوء وسرية، مع الحفاظ على خصوصية الضحايا وأمنهم-نّ وسلامتهم-نّ، وهنالك قواعد دولية تُتَّبع في حالات التوثيق، معروفة من قبل الجهات والمنظمات المختصة التي يُوكَل إليها مثل هذا العمل التخصصي، وهنالك أصول أيضاً للقيام بحملة إعلامية عند الرغبة بتحويل أي قضية لقضية رأي عام.
ما الذي نتجَ عن كل هذه الفوضى الناشطية والإعلامية؟ في رأيي مزيدٌ من الشحن والتحريض، ومزيدٌ من الانقسام الطائفي، في الوقت الذي نحتاج فيه أكثر ما نحتاج إلى لملمة جراحنا التي خلَّفتها سنوات العذاب، والسعي لمزيد من التلاحم المجتمعي والسلم الأهلي، إضافة إلى أن هذه المعمعة الإعلامية ستلقي ظلالاً من الشكّ على أي حالة عنف أو اختطاف يمكن أن تتعرض له أي فتاة مستقبلاً.
لستُ أَعتبُ على الناشطين الثوريين بقدر عتبي على بعض زميلاتنا من الناشطات النسويات، اللاتي ركبنَ الموجة واستخدمنَ قصة الفتاة ووَظَّفنها خدمةً لأغراض سياسية، تُعمِّقُ الشرخ الطائفي الذي يزداد عمقاً يوماً بعد يوم، رغم أنه من التركات البغيضة للنظام المجرم الذي لم يكتفِ بتدمير البلد، بل دمَّرَ المجتمع بانقسامات عمودية وأفقية، في حين كنتُ أنتظرُ منهنّ تحليلاً تاريخياً جندرياً للظاهرة، التي تبقى فيها الفتاة ضحية، ربما ليس للاختطاف، بل لواقع المرأة السورية بكل تعقيداته.
كنتُ أنتظر أن يتم تحليل ظاهرة العنف ضد الفتيات، المترسخة في الثقافة السائدة، والتي تعتبر المرأة بكليتها ملكاً خالصاً للعائلة، التي تقرر مستقبلها في التعليم والعمل واختيار الشريك، وتمارس عليها كل أشكال العنف الجسدي والنفسي إن تمرَّدت على خيارات العائلة، مستقوية بدساتير متتالية تضع مصائر النساء في أيدي الطوائف الدينية على اختلافها -ولم يشذَّ الإعلان الدستوري الأخيرعن ذلك- وبقوانين تمييزية ضد المرأة، في الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات والعمل والعلاقات الزراعية والتأمينات الاجتماعية، إضافة إلى حرمان النساء من التعليم والعمل متى شاءت العائلة ذلك. كما أن أغلب الأسر هي التي تحدد الزوج الذي ينبغي أن تعيش معه المرأة طوال حياتها، أو حتى حرمانها من الزواج في حال احتاجت العائلة لخدمة المرضى وكبار السن من العائلة.
كان الأَولَى بنا كمُدافعات عن حقوق النساء عدم المشاركة في الهبّات الإعلامية. التي كثرت في الآونة الأخيرة مع حملات التحريض والتجييش الطائفية العرقية المناطقية، فالعنفُ الواقع على النساء عابرٌ للسياسات والمناطق والأعراق والطوائف، ومن الأسلم لنا أن نُحلل كل الأحداث الواقعة في بلادنا من وجهة نظر نسوية تقاطعية، نتلمّسُ من خلالها احتياجات النساء في بلادنا وحلولاً لمشاكلهنّ المُتجذّرة تاريخياً في مجتمعاتنا.
الأجدر بنا أن نلتفتَ الآن إلى تحسين الأوضاع المعيشية للنساء، وتمكينهنّ، والضغط من أجل تغيير القوانين المُميِّزة ضدهنّ، ومساعدتهنّ في تسوية أوضاعهن وأوضاع أولادهن القانونية، ومنحهنّ حقوق المواطنة الكاملة، ليس فقط في الفضاء العام بل في الفضاء الأُسَري، ومناهضة العنف ضدهنّ على المستويات الأُسَرية والعامة، قانونياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، والعمل على تأمين دُور إيواء للنساء والفتيات المُعنَّفات، تحميهنَّ من العنف العائلي والمجتمعي في حال تعرضهنّ له. فالأوطان لا تبنى بالتريندات الإعلامية، بل بالعمل الحثيث لتحسين الواقع.
والأجدر بي شخصياً أن أستمرَّ بما عهدته من نفسي طوال سنوات عمري بالتصريح بما أفكر به، دون خوف لا من سلطة سياسية ولا مجتمعية ولا إعلامية، ولا حتى من مخالفة آراء من سِرنا معهم/نّ في درب النضال ضد الاستبداد بكل أشكاله.
لنحفظ طاقاتنا لما هو أهم؛ العمل مع النساء على الأرض مُتواشجاً مع العمل السياسي، والضغط من أجل الإصلاح القانوني والاقتصادي، إن كنا نهدف حقاً لإعادة بناء هذا البلد المكلوم.