مشكلات المجتمع المدني العربي

دخل مفهوم المجتمع المدني بشكله الحديث إلى مجتمعاتنا العربية كرد على السلطات الشمولية التي ” التهمت” المجتمع بما فيه، فقد نصبت تلك السلطات نفسها وصية على المجتمع وصادرت دوره ، وغيبته عن الفعل السياسي تماما، بل إنها صادرت الأحزاب والنقابات التي كانت قد بدأت تأخذ دورا حقيقيا رياديا فاعلا، في مرحلة النضال الوطني ضد الاستعمار ، والاستقلال فيما بعد، ولا زالت في ذاكرة شعوبنا العربية ومضات ذهبية من عمر الزمن، عاشت فيها مجتمعاتنا العربية مرحلة ديمقراطية جنينية ، لم تلبث أن أجهضت بعد تسلم الأنظمة الاستبدادية الشمولية السلطة في الوطن العربي بانقلابات عسكرية ، أو قبضات حديدية خنقت بها الشعوب وصادرت الحريات، ودخلت بعدها الشعوب العربية في مرحلة سبات العاجز، الذي وجد في النوم هروبا من واقع مر من العسف والقهر والاضطهاد.

لقد كانت تجربة سقوط الأنظمة الشيوعية في أوربا الشرقية ، والتي ترافقت مع صعود حركات المجتمع المدني التي قادتها النقابات في بولندا، والمثقفون في تشيكوسلوفاكيا، هي الضوء الذي أعطى بصيص الأمل لمثقفي المجتمعات العربية، في محاولتهم الخروج من النفق المعتم، نتيجة التشابه بين ظروف الدول العربية ، وتلك في دول أوربا الشرقية ، التي جمع بينها القهر والانسحاق تحت ضغط الاستبداد.

وربما كانت الظروف التي هيأت دخول المفهوم الحديث للمجتمع المدني، كرد فعل على الاستبداد هو الذي ولد الكثير من الاشكالات التي وسمت حركة انبعاث المجتمع المدني في الدول العربية.

فرد الفعل هذا أعطى هذه الحركة صفة المعارضة السياسية البحتة في معظم الحالات، على حساب دورها في خلق حركة مجتمعية ، تشمل كل مناحي المجتمع وأطيافه، بحيث أصبحت المطالبة بالديمقراطية الهم الأساسي لها، دون الالتفات إلى المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يرزح المواطن تحت وطأتها، وقد لعبت السلطات الشمولية دورا في حصر اهتمام حركة المجتمع المدني الوليدة بالهم السياسي ، بمعاملتها الناشطين على أنهم معارضة سياسية بتكميم أفواهم والتضييق عليهم ، وزجهم في المعتقلات.

ولعل هذا الظرف نفسه هو الذي وسم حركات المجتمع المدني أيضا بردود الفعل الآنية، وعدم تمكينها من وضع تصورات منهجية لكيفية تنشيط حركة المجتمع المدني ، وقيام مؤسساته بدورها، فحشر هذه الحركات في خانة السياسة من قبل السلطات الحاكمة، جعل همها الأول ، المطالبة فقط بشرعنة وجودها وإطلاق يدها في العمل، دون أن يتاح لها الوقت أو الظرف المناسبين للعمل الممنهج الذي يستند إلى دراسات مجتمعية معمقة.

من ناحية أخرى ، أدى قيادة هذه الحركات من قبل النخبة المثقفة المسيسة إلى مشكلات عدة، تجلى أولها في انعزالها عن المجتمع ، الذي لا زال يعيش رهاب مجرد التفكير أو التعبير ، وذاكرته مليئة بأقسى صور القهر والاضطهاد والتعذيب الذي مورس على من جرؤ على ذلك لعقود خلت ، فالسلامة التي آثرها الكثيرون ، خوفا على أرواحهم وأرواح أحبتهم، جعل الخوف المتأصل في النفوس صفة ملازمة للمواطن “الصالح” الذي لا يعرف في حياته سوى الخنوع والطاعة، بحيث أصبحت إعادة السياسة إلى المجتمع، بل حتى تفعيل مواطنية المواطن، هدفا لايحلم به أكثر المتفائلين قبل جيلين من زوال الحكم الاستبدادي.كما أن قيادة هذه الحركات المطالبة بتفعيل المجتمع المدني تسلمها في الغالب مسيسون سابقون وصفوا” بالقيادات التاريخية” والذين كانوا صورة مقابلة للديكتاتور في السلطة، فهم لا يزالون على رأس قيادة أحزابهم المعارضة منذ عقود، بل إن حتى قادة جمعيات حقوق الإنسان والتجمعات المدنية الأخرى يتصفون بنفس الصفات التي يمتلكها الديكتاتور في السلطة ، فرأيهم مقدس ضمن تجمعاتهم، ولا يجوز الاعتراض عليه، وهم يحتكرون التفكير في تلك التجمعات ، ومن يجرؤ على الاعتراض فالويل له، مما يعكس انعدام ثقافة الديمقراطية والقبول بالآخر داخل هذه التجمعات، التي من المفترض أن تحمل على عاتقها نشر هذه الثقافة، كذلك شاع بين هذه القيادات، الذهنية العشائرية ومبدأ العصبية القبلية أو المناطقية أو الطائفية، أو الاستزلام، بحيث بدت هذه أقوى من الروابط المدنية ، ضمن هذه التجمعات المدنية ، أو التني تدعو لتفعيل المجتمع المدني!!! من ناحية أخرى فإن هذه القيادات ، التي قادت في الماضي احزابا حملت نفس الفكر الشمولي الذي يسم الحزب الذي وصل إلى السلطة، ليس بمقدورها أن تتغير” مدنيا” لتقبل بالنهج الديمقراطي بديلا، حتى لو ادعت ذلك، كما أنها قيادات باتت عاجزة عن استنباط الأفكار التي تلائم مفاهيم المجتمع المدني، وجعلها منهجا فكريا لمجموعاتها. مما قاد إلى افتقار مؤسسات المجتمع المدني داخلها ، في كثير من الأحوال للممارسات الديمقراطية والشفافية بين أفرادها ، أو بين أعضاء الشبكات التي تحوي مؤسسات عدة ، مما يقود في كثير من الحالات إلى شخصنة العمل ، وشق الصفوف نتيجة لخلافات الأفراد ، وذلك ناجم عن غياب تقاليد العمل الديمقراطي تحت وطأة عقود القمع ، وامتداد ممارسات السلطات الحاكمة على تقاليد العمل المجتمعي والسياسي ، بحيث تتشابه في كثير من الحالات أمراض السلطة مع أمراض المعارضة .

لقد كان للفترات الطويلة التي قبعت فيها مجتمعاتنا تحت وطأة القهر والاضطهاد، وثقافة التغييرات الثورية التي ملأت تاريخنا الحديث، دورا في قصر أنفاس الشعوب، التي لم يعد بمقدورها الصبر على حركات مجتمعية، تعمل تراكميا لنشر ثقافة الديمقراطية والقبول بالآخر، ونبذ التفرقة والطائفية والعنصرية، والقبول بمبدأ المساواة وتداول السلطة، بدل العنف والاقصاء والإلغاء، فالشعوب التي ملت القهر المزمن، تنتظر حلولا آنية ” ثورية” وليس من السهولة اقناعها أن زمن الثورات ولى، وأن تلك الشرعيات الثورية هي التي قادت مجتمعاتنا إلى البؤس الذي تعيشه.

يلعب كذلك ضعف مفهوم العمل التطوعي دورا في تعثر مسيرة مؤسسات المجتمع المدني في بلادنا، إذ لا ينطوي مفهوم التطوع على التزام بالعمل، مما يجعل المتطوع ، يعمل في المؤسسة التي ينتمي لها متى شاء ذلك، وربما تشغله أتفه توافه الحياة عن حضور اجتماع هام ، أو القيام بعمل موكل إليه، ما دام تقاعسه عن أدائه لايعرضه لأي شكل من اشكال العقوبة، مما يلقي بعبء العمل كله، على كاهل عدد محدود من الأعضاء النشيطين ، والذي يثقلون بأعباء العمل حتى الانهاك في بعض الأحيان.

شيوع مقولة أن مفهوم المجتمع المدني ” دخيل ” على مجتمعاتنا ، وقد ظهر في عصر العولمة ، وذلك غير صحيح على الاطلاق ، فمؤسسات المجتمع المدني كانت موجودة في بلادنا في النصف الأول من القرن الماضي ، فقد ساهمت الأحزاب الوطنية والتجمعات العمالية والطلابية ، والجمعيات النسائية في النضال ضد المستعمر وصولا بالبلاد إلى الاستقلال ، ومن ثم في بناء الدولة الوطنية ، إلا أن الأنظمة التي حكمت الدول العربية فيما بعد خنقت الحريات وألغت ومنعت وجمدت الأحزاب والجمعيات ، في ظل قانون الطوارئ والأحكام العرفية ، وحولت النقابات إلى تجمعات نفعية مترهلة ، تتطابق آراؤها مع القرار السياسي للسلطات الحاكمة ، دون أن تعير من تمثلهم اهتماما حقيقيا ، ولم تشكل بأي حال من الأحوال جماعات ضغط على حكوماتها ، كما يفترض بدورها أن يكون ، بل على العكس أفرغت العمل النقابي من كل أهدافه ومضامينه .

– مشكلة التمويل الذي تتلقاه تلك المنظمات ، فانعدام التمويل الذي تختاره أو تجبر عليه بعضها ، واعتمادها على التمويل الذاتي ، يلزمها بحركة محدودة وغير قادرة على النهوض بمشاريع أو خطط توعوية أو مجتمعية أو تنموية ، وغياب التمويل الحكومي لتلك المؤسسات – رغم أن ذلك حقها بصفتها مؤسسات ذات نفع عام ، تقوم بدورها في خدمة المجتمع ، ومن حقها أن تحصل على حصتها من أموال دافعي الضرائب الذين تخدمهم- ، أو اعتمادها على التمويل الخارجي ، مما يجعلها إما أسيرة سياسات الجهات الممولة ، أو متهمة بالعمالة لها من قبل الأطراف الوطنية الأخرى ، مما جعل ذلك مسرحا لصراعات تكيل فيه مؤسسات المجتمع المدني نفسها التهم لبعضها بسببها ، عدا عن التهمة الجاهزة التي يمكن أن تستخدمها الأنظمة ضدها بالعمالة للخارج ، وهي تهمة موجودة أصلا ، وتطال حتى التجمعات المدنية غير الممولة .

– – حصر مطالب بعض المؤسسات المدنية المتخصصة في قضايا محددة معزولة عن النضال الديمقراطي والقضايا الوطنية ، وانعدام تنسيقها مع مؤسسات المجتمع المدني الوطنية، والاتجاه بدل ذلك إلى التنسيق مع جهات خارجية ، مما يضعف دورها الوطني المجتمعي على أرض الواقع ، فالمطالب الوطنية المجتمعية الديمقراطية تشكل في الدول النامية كلا لا ينفصل ، حيث تضيع معالم التنظيمات والمؤسسات المستقلة تحت عباءة الأنظمة الشمولية ، كما تضيع قضايا الحرية وحقوق الإنسان .

ونتيجة لهذه الندوة برزت بوضوح أهمية استمرار اللقاءات بين منظمات المجتمع المدني العربية ، وإيضاح أهدافها ضمن الأطر التالية :

– السعي إلى سد الثغرات التي استطاعت سياسات العولمة اختراق المنطقة عبرها لتنفيذ سياساتها في المنطقة ، فكما دخلت عسكرة العولمة من بوابة الاستبداد ، يحاول مشروع الشرق الأوسط الكبير الدخول من بوابة الجوع إلى الحريات ، ومشاكل مجتمعاتنا من فقر وبطالة وانتهاكات حقوق الإنسان والتمييز على أساس الجنس والعرق والدين .

– الخروج بمؤسسات أو حركات المجتمع المدني العربي من مفهوم الإطار المطلبي الضيق إلى إطار أوسع يهدف إلى الانخراط في القضايا الوطنية وتبني ثقافة المقاومة ، والحرص على لحمة وطنية متماسكة هي السبيل الوحيد للتصدي للنظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد ، الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى السيطرة على العالم .

– الانخراط في النضال الديمقراطي العام ، الذي يرى الإصلاح من الداخل بما يتطابق مع واقع الشعوب وحاجاتها ، لإجراء التحول الداخلي السلمي باتجاه الديمقراطية وسيادة دولة الحق والقانون ، ضمن خطة إصلاح شاملة ، يأتي الإصلاح السياسي في مقدمتها بإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وإصدار قوانين حديثة تضمن حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات ، وفصل السلطات وإجراء انتخابات حرة ، وإلغاء تسيد الأجهزة الأمنية لصالح القضاء العادل المستقل ، وحرية الرأي والتعبير .

– البعد عن النخبوية في مؤسسات المجتمع المدني ، والعمل على الامتداد الأفقي نحو إطار مجتمعي واسع ، ولن يحصل ذلك دون إعادة تفعيل مواطنية المواطن العربي المنكفئ ، وإعادة اهتمامه بالشأن العام ، وإعادة السياسة إلى المجتمع ، ونزع الخوف والرعب الذي عشش في قلبه تحت وطأة عقود من القمع والإرهاب الذي مارسته الدول الأمنية ، وذلك يندرج في إطار النضال الديمقراطي العام ، بالتوازي مع مكافحة النهب والفساد والنهوض بمشاريع اقتصادية تنموية ، تحد من الفقر والبطالة ، ولهاث الفرد العربي وراء لقمة عيشه .

– خلق لحمة عضوية بين مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي ، والتعاون مع المنظمات العالمية المناهضة للعولمة .

– السعي لوضع رؤية إصلاحية تنموية شاملة بديلة من وجهة نظر المجتمع المدني العربي ، تنطلق من الواقع وتتلمس المشكلات الحقيقية ، وسبل حلها ، وذلك بإجراء دراسات معمقة من قبل مختصين ، والسعي كي يأخذ المجتمع المدني العربي دوره كطرف ثالث في تحديد مصير البلاد إلى جانب الحكومات والقطاع الخاص .