من يراقب عدد المؤتمرات التي تبحث قضية المرأة العربية يخال أنها ستحصل في الأيام القليلة القادمة على كل الحقوق التي طالبت ولا تزال تطالب بها منذ بداية عصر النهضة العربية وحتى اليوم ، والتي لم تحصل على بعضها إلا بكثير من التضحيات .
ولكن عند الإطلاع على نتائج و توصيات هذه المؤتمرات نجد أنها لم تفعل شيئا سوى ترديد بعض الكليشهيات التي دأبت جميع المؤتمرات العربية ، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والفنية على تكرارها ، من شجب و تند يد واستنكار واستهجان للعدوان الأمريكي – الصهيوني على المنطقة .
وحتى هذه لم ينجح بها نص إعلان عمان الصادر عن مؤتمر قمة المرأة العربية الثاني الذي عقد في عمان – الأردن خلال الفترة 3-4 تشرين الثاني / نوفمبر / 2002 ،فقد حفل الإعلان بعبارات مستقاة من الإعلام الغربي ، لا من الموقف العربي الواضح تجاه هذه القضايا المصيرية ، إذ ترد في سياقه جملة ( انشغال العالم في محاربة الإرهاب ) دلالة على اعتراف الدول العربية بكون الهجمة الأمريكية الشرسة على العالم ، هي حقا بهدف محاربة الإرهاب ، لا بأهداف استعمارية جديدة لا تخفى على مراقب . كذلك ترد جملة ( نزع كافة أنواع الأسلحة من جميع دول المنطقة دون استثناء بما في ذلك إسرائيل ) باعتراف ضمني أن إسرائيل ليست كيانا صهيونيا عدوانيا مصطنعا ، نعرف كلنا نشأته وكيفية قيامه بعد الاعتداء على أصحاب الحق الأصليين ، وإنما دولة قائمة تتساوى هي والعراق كدول شرعية في هذه المنطقة ، ولا أعتقد أن تلك المغالطة بحاجة لشروحات ، قضينا عمرنا ونحن نحاول دحضها في العقل والإعلام الغربيين . كما ترد جملة ( من شأنه أن يقدم مزيدا من الإغراءات للحكومة الإسرائيلية ) وكأنها حكومة ككل حكومات الدنيا ، التي ترعى مواطنين متساويي الحقوق والواجبات ، لا حكومة قتلة وسفاحين ينتهكون أبسط حقوق البشر
أما بالنسبة للبيان الختامي فقد احتوى مجموعة من التوصيات العمومية من مثل إشادته بالجهود السابقة، وتأكيده على أهمية تمويل برامج النهوض بالمرأة ، وإضفاء صفة الاستعجال على التشريعات المتعلقة بقضايا الأحوال الشخصية ، وتوجيه الاهتمام لتصحيح الصورة الإعلامية للمرأة ، وتمكين وتأهيل المرأة العربية ، وتثمين جهود الأمم المتحدة ، وضرورة المبادرة لإنشاء صندوق لدعم المرأة الفلسطينية ، وشكر وتقدير ,…الخ .
إن صفة العمومية وعدم التركيز على قضايا وتوصيات واضحة ، تتخذ أساسا لمطالبة الحكومات بإجراءات محددة لمن شأنه أن يضيع كل هذه المؤتمرات والجهود المبذولة في عقدها أدراج الرياح ، ولن تخرج المرأة في أي دولة عربية بتحسن ملموس على أوضاعها أو تخفيف من معاناتها .
وحبذا لو كان المؤتمر قد خرج بالوصيات نفسها التي أعلنتها دلالة الملكة رانيا بعد المؤتمر فيما يخص المرأة الأردنية ، والتي كانت قرارات عملية ستكسب المرأة الأردنية منها مكاسب حقيقية ملموسة على أرض الواقع ، وبخاصة حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها ، وإن كانت حتى هذه القرارات أقل بكثير من المأمول .
إن عجز مثل هذه المؤتمرات عن الخروج بقرارات حاسمة وواضحة راجع في جزئه الأعظم إلى رسمية الوفود التي تشارك في هذه المؤتمرات ، وذلك يمكن ملاحظته من طبيعة الوفود ومن يترأسها ، بحيث لا يتبقى للمنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني سوى تواجد شكلي فيها ، تواجد لا يتيح للمعنيات إيصال صوت الشعوب ، ويبقى الصوت الطاغي هو صوت ممثلات المؤسسات الرسمية ، اللاتي لا يجرؤ ن على المطالبة بحقوق للمرأة ، لا تتناسب وسياسات حكوماتهن ، التي تضع هموم المرأة في أسفل سلم اهتماماتها ، ولا تأبه لمطالب النساء ، بل تخشى من أن الانصياع لهذه المطالب قد يؤلب عليها قوى هي بأمس الحاجة لصمتها وهدوئها ، والمرأة هي الوحيدة التي تدفع ثمن هذه السياسات .
ذلك ما دعا النساء المستقلات ممثلات مؤسسات المجتمع المدني إلى الاحتجاج الصارخ في المؤتمر الذي سبق مؤتمر عمان ، و الذي عقد في بيروت في أيلول 2002
تحت عنوان ” الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة : بين الواقع والتطبيق” ، ومن بينهن د. فريدة النقاش لوصف مضمون أوراق عمل الوفود المختلفة بأنها تقارير رسمية لعدم جرأتها ولأنها تساير واقع الحال على حساب تسليط الضوء على الخلل القائم في أوضاع المرأة في البلدان العربية ، ولاسيما ما تتعرض له من انتهاكات وتجاوزات .
فرئيسات أغلب الوفود ” الرسمية ” يتغاضين عن واقع الحال ويدعين أن المرأة تعيش بسعادة وبحبوحة في ظل الأنظمة التي يتحدثن باسمها ، ويتغاضين عن أن النساء في أغلب ، إن لم نقل كافة الدول العربية ، لازلن يعتبرن حسب قوانين الأحوال الشخصية ، بشرا ناقصي الأهلية ، لا يتمتعن بحق الولاية على أنفسهن ولا الوصاية على أولادهن ، لا يحق لهن منح جنسيتهن لأولادهن ، عدا عن غبن حقهن في الزواج والطلاق والإرث ، رغم أن دساتير هذه البلاد تعتبر جميع مواطنيها متساويين في الحقوق والواجبات ، وعدا أنهن يرزحن تحت وطأة عادات وتقاليد تتمتع أحيانا بسلطة أعلى من القانون والدين ( المرأة لا ترث في الريف مثلا ) .
كما لا تجرؤ المشاركات في الوفود الرسمية أن يعبرن عن آرائهن بأن دولهن التي أرسلتهن إلى هذه المؤتمرات تحفظت على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، تحفظات نسفت هذه الاتفاقية من أساسها ، ولم يؤد توقيعها عليها إلى أي تحسن على وضع المرأة سواء من الناحية القانونية أو الاجتماعية ، أو لجهة تمكينها من أخذ دورها في كافة المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية .
الحق لا يعطى بل يؤخذ ، ولن يؤخذ الحق إلا بنضال حقيقي من النساء وأنصارهن في حركة مجتمعية مدنية ، نضال صادق يضغط على المؤسسات الرسمية ، ويجبرها على تغيير التشريعات والقوانين التي تغبن المرأة حقها ، لذلك فنضال المرأة في سبيل الحصول على حقوقها مرتبط بالنضال العام من أجل الديمقراطية ، وإفساح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني كي تأخذ دورها في التعبير عن مطالب الشعوب ، فحرية المرأة مرتبطة بحرية المواطنين ككل ، ولا نهوض للمجتمع بغير النهوض بالمرأة .
من ناحية أخرى فإن المعركة التي نخوضها اليوم ، نساء ورجالا ضد القوى الخارجية المتمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية المعتدية وحليفها الشرس الكيان العنصري الصهيوني ، لا يجب أن تكون ذريعة لإيقاف أي نضال مجتمعي يقود إلى نيل كل مواطن عربي حقوقه وحريته ، فذلك جزء من المعركة الخارجية فلا نصر دون تحرير إرادة الشعوب .
د.ميّة الرحبي