لندافع عن حقوق النساء في بلادنا … لا في فرنســا !
ميّة الرحبي
في مقابلة لها على قناة “العربية” أدلت استاذة علم الاجتماع من دولة الامارات موزة غباش بآراء تستحق الوقوف عندها كونها تعبر عن السائد اليوم في الشارع العربي.
كنت أتمنى أن اسمع من الاستاذة رأياً يحلل الاحداث المهمة الجارية على صعيد الوطني العربي والعالم، بعمق اكبر ورؤية أوضح لجوهر الصراع الدائر في العالم، كونها اكاديمية من مستوى رفيع، ومهتمة بالشأن العام. فقد عزت الاستاذة موزة الصراع القائم اليوم في العالم الى صراع أديان، هدفه تحديد “أي الاديان سيستمر”!، وقالت إن التحرك ضد منع الحجاب في فرنسا دليل على وعي المرأة العربية والمسلمة، التي تمتلك اليوم مصيرها بيدها، وتدافع عن حقوقها.
لن أتوقف كثيراً امام النقطة الاولى، فالصراع الدائر في العالم واضح المعالم والاهداف، يتلخص في المحاولة الجادة والوقحة لسياسة القطب الواحد في السيطرة على العالم ومنابع ثرواته، ولا اعتقد ان دخول الولايات المتحدة في حروبها، واحتلالها لافغانستان والعراق، وتهديدها سوريا وايران وكوريا الشمالية، ودعمها لسياسة الكيان الصهيوني العدوانية وتغاضيها عن مجازره ضد الشعب الفلسطيني، يمكن تفسيرها بمحاولتها ضمان استمرار دين بعينه، كما علقت الاستاذة موزة.
النقطة الثانية هي التي تستدعي اسئلة عديدة، وتعكس التباين في النظرة الى واقع المرأة العربية والمسلمة، والذي تشكل قضية الحجاب احدى القضايا الممثلة له، المعبرة عنه.
بداية، لا بد ان أوضح أنني من المؤيدين دون حدود لمسألة الحرية الشخصية، وحق كل انسان في الاعتقاد والتصرف واللبس كما يشاء، ما دام لا يتعدى بذلك على حرية الآخر.
والحق ان تعقيد قضية الحجاب في فرنسا(…). جعلني حتى اليوم لا أجرؤ على اتخاذ موقف جازم منها، لأنني لا أساوم في مسألة الحرية الشخصية، وحق الانسان في أن يكون حراً بآرائه ومعتقداته، ولكن ربما يمكنني مقاربة المسألة بأكثر ما استطيع من الموضوعية والنظرة الهادئة الى الامور.
كمبدأ، لا يمكن فرض المعتقد او منعه بالقوة، ولعل سيطرة الكنيسة في القرون الوسطى، والشهرة التي اكتسبتها محاكم التفتيش، التي استخدمت الحديد والنار ضد كل من حمل مشروعاً تطويرياً تنويرياً علمياً، والحظر الذي اتبعته السلطة السوفياتية على إشهار الاعتقاد الديني وحرية ممارسة الشعائر الدينية في اراضيها، وفتاوى هدر الدم من قبل الحركات الاصولية، غيض من فيض مما يمكن ان تستخدم به الاديان من قبل السلطات الحاكمة، او الحركات المتطرفة، لقمع الانسان واضطهاده، وما يمكن ان تخلفه هذه الممارسات من قهر للذات الانسانية.
إن كنت أتفق مع المعارضين لقرار الحكومة الفرنسية في منع الحجاب، فأنا أختلف معهم في مبرر المعارضة، اذ أنني انطلق من مبدأ عدم المساس بالحرية الشخصية، وحق الانسان في أن يلبس ما يريد. فقد خرج بعض الفرنسيين أشباه عراة يستحمون بمرشات الماء في الحدائق العامة في الصيف الماضي اثناء موجة الحر الشديدة، دون أن يتعرضوا لأي نقد او مساءلة اجتماعية او حكومية، هذا من ناحية، من ناحية اخرى، هل كان موقف الحكومة الفرنسية سيبقى ذاته لو ان القضية أثيرت قبل أحداث 11 ايلول، وما تلاه؟
وأعود الآن الى من اتفق معهم في الموقف، واختلف معهم جذرياً في الاسباب، لقد أعلن الكثير منهم أن السبب في موقفهم هو ان الحجاب لا يمثل رمزاً دينياً بل هو فريضة، فهل الحجاب فريضة؟ او هو الفريضة السادسة، كما يسميها البعض؟ أحيل المهتمين الى المناظرات المتعددة التي جرت بين شيخ الازهر والمستشار محمد سعيد العشماوي والمنشورة في كتابه “حقيقة الحجاب وحجية الحديث”، وغيره من الكتب الاسلامية المتنورة التي تدل على أن آيات القرآن الكريم المتعلقة بالحجاب، فرضت على نساء النبي فقط الاحتجاب عن سائر الرجال والقرار في البيوت، لاسباب واخطار كانت تهدد الدعوة والمجتمع الاسلامي آنذاك. في حين تدل مئات الاحاديث من السيرة النبوية على ان ذلك لم ينطبق سوى على نساء النبي، اللاتي وصفهن القرآن الكريم مخاطباً أياهن “يا نساء النبي لستن كأحد من النساء” (الاحزاب 32) طالباً منهن “وقرن في بيوتكن” (الاحزاب 33)، ومن المؤمنين “واذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب” (الاحزاب 53) اما الآيتان، من سورة النور: الآية 31 او الاحزاب الآية 59 الموجهة لجميع المسلمات، فدعتا للاحتشام، اذ كانت نساء المسلمين يضايقن من جانب المنافقين الذين كانوا يتحرشون بهن بدعوى عدم تمييزهن عن الجواري، اللاتي كن بحكم البضاعة المشاع آنذاك، في ظرف تاريخي لم يعد موجوداً اصلاً، علماً بأن السيدة عائشة نفسها لم تلتزم بالاحتجاب والقرار في البيت بعد وفاة الرسول الكريم وقادت بنفسها معركة الجمل، وأفتت لكثير من الرجال الذين كانوا يقابلونها ويسألونها في قضايا دينهم. ويدل الكثير من الاحاديث والحوادث من السيرة النبوية الشريفة، والحوادث المذكورة في عهد الخلفاء الراشدين، ان النساء لم يكن متحجبات، بل كن يمارسن حياتهن الطبيعية ويختلطن بالرجال في المساجد والطرق واماكن العمل.
والسؤال هنا، هل خرجت بعض النساء المسلمات في التظاهرات ضد الحجاب دفاعاً عن حريتهن؟ علماً أن هذه التظاهرات كانت هزيلة حسب تعبير الصحافة ووكالات الانباء.
الاصل في كلمة حجاب هي الحجب، حجب المرأة، ولا أدري كيف يمكن أن تمارس المرأة حريتها، بأن تدافع عن حجبها، فالحجاب لا يشمل فقط غطاء الرأس، بل هو مجموعة من التعاليم المرافقة، بإقرار ان وظيفة المرأة الاولى هي خدمة الزوج وورعاية الأسرة، بعدم الاختلاط، رفض العمل في اعمال يمكن ان تختلط فيها المرأة بالرجال، وفي الحالات المتشددة نقاب المرأة، وعدم خروجها من المنزل، الا للضرورة القصوى، كمغادرة منزل الاهل الى بيت الزوج مرة، والخروج الى القبر اخرى.
واذا كانت النساء العربيات والمسلمات يمارسن حريتهن، ويؤكدن ذواتهن اليوم بالخروج في هذه التظاهرات، حسب تعبير الاستاذة، فأين هن من القوانين الجائرة في بلادهن، التي تعتبرهن بشراً ناقصي الاهلية، بحاجة لولاة، اذ تحضر عليهن الولاية حتى على أنفسهن، ويحرمن من الوصاية على أولادهن حتى لو كن هن من يربينهن، يتعرضن للظلم والإجحاف وعدم المساواة مع الرجل في القوانين الناظمة للزواج والأسرة والطلاق والإرث والحضانة، والجنسية، وحقوق العمل والتعليم والسفر والانتقال والاقامة، بل حتى قيادة السيارة. ناهيك عن هضم حقوقهن السياسية، وعدم تمكينهن اقتصادياً، وتغاضي القوانين عن عشرات بل مئات العادات والاعراف الاجتماعية، التي تبيح قهرهن واضطهـادهن. اين المرأة العربيـة من ذلك الاجحـاف الذي يطاولهـا في بلادهـا وينتزع منهـا أبسط حقوقهـا الانسانية؟
المرأة العربية تقبل بأن يعاملها القانون بمرتبة أدنى من الرجل انسانياً، هي ليست انساناً كامل الاهلية، بل انسان ناقص، لأنها غير مؤهلة ان تكون مسؤولة عن نفسها او اطفالها، وظيفتها الانجابية أهم وظائفها في الحياة، وحتى الحركات التنويرية التي دعت لتحررها، دعت الى تعليمها وتأهيلها، كي تصبح مربية فاضلة لاجيال المستقبل، لا لأنها تستحق ان تعامل معاملة كريمة لائقة، كانسان كامل المؤهلات والمواصفات، يحق له التمتع بكامل الحقوق الانسانية لأنه يستحقها.
لنلتفت الى معاركنا الاساسية، الى حقنا في الحياة الحرة الكريمة في بلادنا، بشراً أسوياء، ومواطنين احراراً، لنحشد جهودنا في سبيل الديموقراطية، من اجل حقنا في قوانين تحمي كرامتنا الانسانية (…)
(دمشق)
النهار 2/1/2004