حصل كثير من اللغط في الأيام الأخيرة بعد صدور التعميم رقم 17، عن وزير العدل في الحكومة السورية تحت الرقم 347/ت/9559/2025 يُحدد فيه الأولياء على نفس القاصر، وهم: الأب، فإن لم يكن فالجدّ العصبيّ، فإن لم يكن فالأخُ الشقيق، فإن لم يكن فالأخ لأب… وهكذا يتدرَّج التعميم في درجات القرابة من العَصَبَات الذكور من عائلة الأب، حتى يصل إلى ابن عمِّ الجدِّ العصبي لأبٍ مهما نزل.
فلماذا ثار كل هذا اللغط والأخذ والرد على مثل هذا التعميم؟
برأيي فإن المتفاعلين مع هذا التعميم ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الذين أثار هذا التعميم حفيظتهم لعدم معرفتهم مسبقاً بوجود مثل هذا القانون، ولم يُصدقوا أن مثل هذا القانون ما زال موجوداً ويُطبق في العصر الذي نعيش فيه.
والقسم الثاني: هن الناشطات المدافعات عن حقوق النساء والحقوقيون والمهتمون، والذين رأوا فيه تذكيراً بمادة قانونية تكرّس التمييز ضد النساء وتذكّر بمدى الإجحاف بحقهن، ولا تتوافق إطلاقاً مع أوضاع النساء السوريات اللاتي حملت مئات الألوف منهن مسؤولية أسرهن وإعالتها في غياب الرجال، إما بسبب الموت أو الاختفاء القسري أو التهجير.
وليُسامحني العارفون والمهتمون، سواء بالقانون أو بحقوق النساء، لأنني أجد أنه من المهم إيضاح بعض البديهيات قبل الدخول في تفصيل الموضوع نفسه.
ما هو القانون في الدول الحديثة:
في عهود الدول السلطانية لم يكن هنالك قانون، بل كان ما يحكم حيوات الناس هو رغبة الحاكم، فيقرر حياة الأفراد أو موتهم، حتى في وجود القضاء الذي كان يتبع القواعد الفقهية المُعتمدة من قبل فقهاء الدين، الذين أوّلوا وفسّروا الآيات القرآنية، وأسبغُوا عليها من اجتهادهم، كي تُصبح قواعد تُتَبع لتنظيم حياة الأفراد، أو فضِّ النزاعات بينهم.
أمّا في الدول الديمقراطية الحديثة، فإن القانون هو مجموعة من القواعد التي تصدر عن السلطة التشريعية التي اختارها الشعب لتُمثِّله وتُمثّل مصالحَه، فالقانون يُمثّل مصالحَ أفراد الشعب، ويُنظم العلاقات بينهم، وبينهم وبين السلطة الحاكمة بحيث لا يعود هنالك طُغمة تتحكم بحيوات ومصالح الأفراد. وتُنظّم نصوص القانون من قبل خبراء قانونيين لتعكس روح التشريع.
لذا لابد أن تكون النصوص القانونية متناسبة مع العلاقات الاجتماعية السائدة في عصر ما، وإلا لا يُمكن اعتبارها قواعد تنظيمية قادرة على ضبط المجتمع والعلاقات بين أفراده وبين السلطة الحاكمة، وتتضمن هذه القواعد القانونية عقوبات لمن يُخالف القانون كي يبقى المجتمع منضبطاً، ويُحدد هذه العقوبات قانون عادل يُطبقه قضاءٌ نزيه مستقل. وذلك كله بهدف تحقيق الاستقرار والعدالة والمساواة في المجتمع.
ومع تطور الحضارة الإنسانية أقدم كثير من المفكرين الإنسانيين على سنِّ قواعد قانونية تضمن الحرية والحقوق والعدالة والمساواة بين جميع البشر، وجرى إقرارها في قوانين دولية التزمت بها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وسُميت قوانين حقوق الإنسان.
والأصل في القانون أنه يقوم على مبدأ المواطنة المُتساوية، وهذا مُثبت في النصوص الدستورية للدساتير السورية المُتعاقبة، وآخرها الإعلان الدستوري الذي صدر في 13 آذار (مارس) 2025، والذي ينص في المادة 10 منه على أن «المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون تمييز بينهم بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو النسب». إلا أن هذا النص يبدو متناقضاً مع المادة 3 التي تتضمن عبارة «الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع»، مما يُرسي دستوراً ذا مرجعية دينية. خاصة بوجود الـ التعريف التي تحصر مصدر التشريع في الفقه الإسلامي. كما أنه يحتفظ بفقرة من المادة 3 من الدساتير السابقة والتي تنص على أن «الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية وفقاً للقانون»، وذلك ما سمح بالنص على قانون أحوال شخصية عام يحكم الطوائف المُسلمة، و6 قوانين أحوال شخصية أخرى تحكم الطوائف المسيحية والطائفة الموسوية. وكما نلاحظ فإن جميع تلك المواد الدستورية متناقضة مع بعضها البعض، فالفقه الإسلامي ليس المصدر الرئيسي للتشريع بل هنالك مصادر أخرى تحكم حيوات المواطنين من غير المسلمين.
تُحكم الأحوال الشخصية للطوائف المسلمة بقانون الأحوال الشخصية العام الصادر عام 1953، الذي لا يختلف في مضمونه الإجمالي عن مجلة الأحكام الشرعية الموضوعة في عهد الإدارة العثمانية عام 1876، وعن قرار حقوق العائلة (أو كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان لقدري باشا) الموضوع عام 1917 من قبل الإدارة نفسها، واللذَين اعتمدا المذهب الفقهي الحنفي أساساً لهما. وقد أقدم النظام البائد على تعديل بعض أحكام القانون شكلياً عامي 2019 و2020، دون أن تمس تلك التعديلات جوهر القانون نفسه. بل إن القانون بعد تعديله احتفظ بالمادة 305 منه والتي تنص على أن «كل ما لم يرد عليه نص في هذا القانون يرجع فيه إلى القول الأرجح في المذهب الحنفي»، أي العودة إلى كتاب قدري باشا 1917.
تقوم فلسفة قانون الأحوال الشخصية العام على فكرة «شراء» أو بالأحرى «استئجار» الرجل للمرأة بالمهر الذي يدفعه لها، والذي يُطلق عليه الفقهاء «ثمن الوطء»! معجلاً، بحيث يُمنع من «الدخول بالمرأة» إن لم يدفعه، ومؤجلاً، يُفترض أن يدفعه الرجل للمرأة عندما تطلبه، فإن تمنّع عن دفعه يحق لها فقهياً عدم طاعته، إلا أن العرف اقتضى أن لا يُدفَع هذا المهر إلا عند طلاق الزوجة أو موتها، بحيث يُمكن اعتباره كتعويض «استهلاك» الرجل للمرأة خلال فترة الزوجية، ويُمكن للمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها بالخلع، بتعبير مطابق لافتداء الأسير لنفسه من آسره، بأن تُعيد للرجل الثمن الذي «اشتراها» أو «استأجرها» به. وطبيعي أن تتطابق هذه الفلسفة مع المواد التي تعتبر الأولاد أولاد أبيهم وعائلته، أمّا الأم فهي مجرد وعاء لحملهم وموظفة بوظيفة مأجورة لرضاعتِهم وحضانتهم، ويتأكد هذا المفهوم في بعض المواد القانونية المُعدلة وغير المُعدلة، إذ يحق حسب القانون للأم أن تُطالِب الرجل بـ «أجرة» – وهي الكلمة المستخدمة قانونياً – إرضاعِهم وحضانتِهم، مقابل ما تنص عليه المادة 71 من «الطعام والكسوة والسُّكنى والتطبيب بالقدر المعروف وخدمة الزوجة التي يكون لأمثالها خادم»، والمادة 74 المُعدلة والتي تنص أن «لا نفقة لمُعتدة الوفاة ما لم تكن حاملاً»، وكأن المرأة وعاء فقط لحمل ولد الزوج.
وتقوم الحياة الزوجية على مبدأ القوامة، فالسلطة لمن يُنفق، وعلى المُنفَق عليها الطاعة، ويؤكد هذا المفهوم عدد من المواد. ويلزم القانون الرجل فقط بمسألة الإنفاق دون أي اعتباراتٍ أخرى داخل العلاقة الزوجية. ويعتبر الأطفال ثمرة الزواج ملكية خالصة للرجل وعائلته، ويبقى الرجل ولياً على أولاده، هو أو أحد عصبته من الذكور، حتى لو حملت الأم مسؤوليتهم الكاملة بعد الطلاق أو الترمل، وتولت تربيتهم والإنفاق عليهم وحدها، كما يحدث اليوم في كثير من الحالات.
ولنعد الآن إلى التعميم الذي أثار اللغط والضجيج، فكما قلنا سابقاً، قسم كبير من الاستياء كان سببه عدم معرفة الجمهور بهذا القانون، إذا استثنينا المهتمات والمهتمين، وربما النسوة اللاتي ذُقن اللوعة من تطبيقه بحرمانهن من الولاية على أولادهن القُصر، وبحثهن المُستميت في بعض الحالات عن ولي ذكر من عائلة الأب، ربما لم يلتقين به من قبل، لتسيير أمور أولادهن القُصر قانونياً، وخاصة في حالات الضياع والتشتت التي قاد إليها النزاع المسلح.
وقد اتضح من كثير من التعليقات ليس فقط الجهل بالقانون بل الخلط بين مفهومي الحضانة والولاية على نفس القاصر.
الحضانة (Custody) قانونياً هي الرعاية اليومية للطفل من تربية، وتعليم، وصحة، وكانت محصورة قبل تعديل القانون بالأم أو أمها ثم مُنحت للأب بعد الأم في التعديل الأخير.
بينما تشمل الولاية على القاصر (Guardianship/Authority) الولاية على نفسه وماله، والولاية على النفس محصورة بالأب على أولاده، وفي حال غيابه يليه الجد العصبي، ومن ثم العصبات الذكور من العائلة وهم وحدهم من يملكون كما تُقرّ المادة 170 من قانون الأحوال الشخصية سلطة التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه والموافقة على التزويج والسفر، وسائر أمور العناية بشخص القاصر، والملاحظ هنا استخدام كلمة سلطة التي تعبّر عن حق للأب بالتحكم بأولاده، لا عن حقوق الأطفال على والديهم، ولا حدود قانونية لسلطة التأديب.
ونلاحظ في هذه المادة أن المرأة محرومة من الولاية على نفس القاصر ولا تملك حق التدخل في القرارات المصيرية في حياته، حتى ولو كانت وحدها المسؤولة عن تربيته وتنشئته والإنفاق عليه ، في حين يتخد هذه القرارات أقارب الأب من ذكور عائلته في حال غيابه بترتيب يصل إلى أشخاص في عائلة الأب ربما لم يشاهدوا في حياتهم الأطفال القصر، كما يحدث في كثير من الحالات في زمننا الراهن.
ولا تقتصر الولاية على نفس القاصر القرارات المصيرية في حياته، بل تشمل أيضاً التحكم في أمواله بنفس الترتيب الذي ورد سابقاً من العصبات من ذكور عائلة الأب في حال غيابه، وبذا لا يمكن للأم التحكم بأموال أبنائها حتى ولو كانت هي من تُعيلهم. وقد تم تعديل المادة 173 في التعديل الأخير عامي 2019 و2020 بحيث أجاز القانون ولايتها على أموال القاصر ولاية محدودة جداً، في حال كون الأب مُتوَفى، وأصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي، فيجوز للقاضي أن يعهد إلى حاضنة القاصر ببعض أعمال الولي الشرعي المالية، بشروط قانونية صعبة تتبع تقدير القاضي (المادة 173).
بل إن الأم ليست ولية من تحمله في بطنها، إذ يُعيّن القانون وصياً آخر على الحمل (المادة 195)، فهي مجرد وعاء يحمل الطفل، المملوك – بالمعنى الحقيقي لملكية الشيء – من قبل أبيه أو أحد أفراد عائلة الأب من الذكور.
حتى بعد أن عُدِلت المادة 176 ما زالت تُقرُّ أن الأب، أو الجد في حال فقدان الأب، هما من لهما الحق في تعيين أوصياء على الأولاد القاصرين، وكأن لا وجود للأم في حياة الأسرة.
إذاً قد تكون الأم حاضنة، لكن الأب (أو ولي آخر) هو صاحب الولاية القانونية على نفس ومال الطفل.
يعرف الحقوقيون والمدافعات عن حقوق النساء والمهتمات والمهتمين أن التعميم لم يأتِ بجديد، سوى أنه تغاضى عن التعديل الذي جاء على المادة 173 بحق القاضي في إعطاء بعض صلاحيات الولاية للأم في حال كان الوصي الشرعي غير حافظ للأمانة. فلماذا أثاروا هذه الضجة؟
أعتقد أن ذلك يعود لعدة أسباب:
أولاً: بعد عقود من العسف والظلم والاضطهاد لم يعد أي مواطن يشعر بالمسؤولية عن بناء وطن الحق والعدالة والإنصاف، قادر على تحمل أي قرار يُذكره بمدى الإجحاف والظلم الذي مارسه النظام البائد بحق مواطنيه، وبالأخص بحق النساء السوريات، وهو النظام الذي كان يدعي التقدمية والعلمانية، وما يزال الأمل يحدو النفوس بزوال جميع أشكال الظلم والاضطهاد التي يُمكن أن تقع على أي مواطن-ة سوري-ة، فقد شبع السوريات والسوريون من الظلم وطفح الكيل ولم يعد بإمكانهم تحمل المزيد.
ثانياً: لم يأتِ هذا التعميم في وقت مناسب، بسبب مستجدات الوضع السوري، في وجود مئات الآلاف من الأمهات المسؤولات مسؤولية كاملة عن أطفالهن، في غياب الآباء سواء بسبب الموت أو التهجير أو الاختفاء القسري، وواقعياً تتحمل الأم مسؤولية الأطفال كاملة من إعالة وإسكان وتعليم، وعندما تحتاج لأي مسألة تتعلق بمستقبل الطفل كموضوع التصرف في أمواله أو سفره أو مستقبله، تُصبح فجأة غريبة ليس لها الولاية عليه، وعليها البدء برحلة البحث عن أحد الأقارب الذكور من عائلة الأب كي يُقرر مصير أطفالها، وقد لا تجد أحدهم في ظل الشتات الذي شرّد ثلثي الشعب السوري خارج أماكن سكناهم الأصلية.
ثالثاً: من المعروف ألا مجال لتغيير القانون حالياً، قبل اكتمال نصاب مجلس الشعب، غير المكتمل حتى الآن، ولكن كان من الممكن الاستفادة من التعديل الأخير على المادة 173 لإعطاء الأم بعض الصلاحيات المُتعلقة بالولاية، على أمل أن يُنظَر مستقبلاً في تغيير جميع القوانين المُجحفة والمُميِّزة ضد المرأة.
رابعاً: لا يُمكن التغاضي عن المادة الدستورية التي وردت لأول مرة في الدساتير السورية والتي تُقر بالتزام الدولة السورية بجميع الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت عليها سوريا ومن بينها شرعة حقوق الإنسان واتفاقيتي السيداو وحقوق الطفل، واللتين تحفظان حقوق الأم والطفل معاً، مع ضرورة السعي مستقبلاً لرفع كافة التحفظات عليهما.
خامساً: الفقه الإسلامي ليس مقدساً فهنالك آراء فقهية مُتعددة، خاصة بما يتعلق بالحياة اليومية والأسرية، ويتبع ذلك المنهج الذي اتبعه كل فقيه في تفسير النصوص المقدسة، ولا بد كما أوردنا سابقاً من تحديث الاجتهادات الدينية بما يناسب العصر، الذي تعلمت فيه المرأة وخرجت إلى سوق العمل، وكانت مسؤولة مسؤولية كاملة عن حيوات أطفالها وإعالتهم وتأمين مستلزماتهم، خاصة في سنوات النزاع المسلح والتهجير.
لن تُبنى الأوطان إلّا بتغيير جميع القوانين غير المُنصفة وغير العادلة بما يضمن حقوق جميع أفراد الشعب رجالاً ونساء، وبما يُحفز جميع طاقات الشعب التي نحتاجها في مسيرة البناء، بناء دولة الحق والعدل والقانون، دولة المواطنة المُتساوية دون تمييز بين أفرادها على أي أساس كان.