حصيلة عام 2003 للمرأة السورية ركود وخيبات

رغم أن سورية وقعت على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة في الربع الأخير من عام 2002 ( المرسوم التشريعي الذي حمل الرقم 333 بتاريخ 26 / 9 / 2002) ، إلا أن ذلك لم يؤد إلى إي تغيير أو تحسين في وضع المرأة ، فقد وضعت سورية على الاتفاقية تحفظات أفرغتها من محتواها ، وتطابقت هذه التحفظات مع مواد القوانين السورية المجحفة بحق المرأة :

– كمواد قانون الأحوال الشخصية، المتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، و حقوق الزواج والطلاق والإرث ، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بحق المرأة في صحيفة مدنية مستقلة ، وحريتها في خيارات العمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها دون وصاية من أحد .

– وقانون الجنسية الذي يحرم المرأة من منح جنسيتها لأولادها

– وقانون العقوبات الذي يميز بين الرجل والمرأة في بعض العقوبات كعقوبة الزنا ويعفي الرجل من عقوبة جريمة الاغتصاب إذا تزوج بالمغتصبة ، ولا يحكم الرجل بما يسمى بجرائم الشرف بأكثر من أشهر قليلة

– و الأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 والذي يحدد انتقال وسفر الزوجة إذا اعترض الزوج على ذلك .

تلك المواد القانونية التي تتعارض أصلا مع المادة 25 من دستور الجمهورية العربية السورية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ، والمادة 45 التي تكفل للمرأة مساهمتها الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية .

وهكذا شكل التوقيع على اتفاقية السيداو عبئا جديدا على حركة تحرر المرأة ،فقد أضيف إلى نضالها ومطالبتها بالكثير من الحقوق المسلوبة من المرأة ، المطالبة بإلغاء تلك التحفظات المجحفة .

بدأ نشاط العام الماضي فيما يتعلق بالمرأة ، برعاية السيدة أسماء الاسد منتدى المرأة والتربية /2-3/ شباط ـ فبراير /2003/ ، الذي استضافته سورية تحت شعار : امرأة وتربية وطن وتنمية . وعلى اعتبار أن هذا المؤتمر حظي برعاية على أعلى مستوى ، كما حظي بتغطية إعلامية واهتمام بالغ من قبل الجهات المسؤولة ، فقد تأمل مناصرو المرأة أن تعلن في نهايته – كما حدث مع مؤتمر شبيه سبقه في الأردن – بعض التعديلات القانونية لصالح المرأة ، إلا أن كل ما دار في هذا المؤتمر من طرح لقضايا المرأة ضمن المحاضرات والندوات والموائد المستديرة ، انتهى بنهايته ، وكأن شيئا لم يكن ، و دون أن يتلوه أي إنجاز سواء على الصعيد الفكري أو القانوني أو الإعلامي .

من ناحية أخرى استمرت مجموعات نسائية مدنية تتقدم بطلبات الترخيص لإنشاء جمعيات نسائية، دون أن تتمكن أي منها من الحصول على الترخيص المأمول .

إن ارتفاع نسبة تمثيل المرأة في مجلس الشعب في الدورة الأخيرة منه 2003 ، والذي وصل إلى 12% ، مقارنة مع الدورة التي سبقتها ، والتي كانت نسبة التمثيل النسائي فيها 10,4 %( وهي من أعلى النسب الموجودة عالميا ) تم بقرار سياسي ، أكثر منه انعكاسا لوضع اجتماعي شجع على دخول المرأة معترك السياسة أكثر من ذي قبل ، وبخاصة إذا وضعنا في عين الاعتبار ،أسلوب الانتخاب في مجلس الشعب ، بوجود قوائم الجبهة الوطنية التقدمية ، التي تحوي نسبة معينة من النساء مقررة سلفا ، وما يؤكد ذلك أن90% من النائبات بعثيات من ناحية أخرى لا تمارس النائبات دورا فعالا ، وبخاصة فيما يتعلق بالمطالبة بحقوق المرأة ، وكل ما استطاع مناصرو المرأة في مجلس الشعب تحقيقه لهذا العام ، بعد 28 سنة من آخر تعديل طفيف على قانون الأحوال الشخصية ، هو تعديل آخر جزئي على إحدى مواد القانون المتعلقة بسن حضانة الأم لأولادها برفع سن حضانتها لأولادها سنتين – 13 للذكر ، و15 للأنثى- ، دون وضوح في مسألة اختيار الطفل لمن يحضنه بعد هذه السن حتى بلوغه الثامنة عشرة ، ودون الموافقة على احتفاظها بالمسكن طوال فترة حضانتها ، ودون التوصل إلى عدم إسقاط حضانتها لأولادها في حال زواجها من آخر ،وهنا يبرز السؤال الأهم ، كيف تستطيع الأم أصلا حضانة أولادها ، إذا لم تحتفظ بالمسكن ، وإذا كان متوسط النفقة التي تفرض على الأب لا تتجاوز 800 ليرة سورية شهريا ؟؟ والغريب في الأمر أن يتناول التعديلان الحالي والذي حدث قبل حوالي ثلاثة عقود هذه المسألة بعينها – على أهميتها – ، وكأن ليس هناك ضرورة لتعديل عشرات المواد القانونية الأخرى المجحفة بحق المرأة .

من ناحية أخرى ، بقيت النسبة الثابتة لتواجد المرأة في السلطة التنفيذية، في التعديل الوزاري الأخير الذي تم في العام الماضي ، وزيرتان من أصل 31 وزيرا ، لا تستلم أي منهما حقيبة وزارية سيادية .

ومنذ العام 1976 وحتى الانتخابات الأخيرة في مجالس الإدارة المحلية ، والتي تمت العام الماضي ، احتفظت المرأة – وياللغرابة – بنسبة تواجد ثابتة في الدورات المتتالية ، وهي نسبة 3% من مجموع الأعضاء ، مما يدل على أن النسبة مقررة سلفا بقرار سياسي ، ولا تعكس واقع المشاركة الحقيقية للمرأة .

في أول كانون الأول 2003 عقدت ندوة إقليمية بعنوان المرأة والمجتمع بالتعاون بين جامعة دمشق وجهات أخرى ، شاركت فيها ناشطات من سورية ولبنان والأردن بشكل أساسي ، وبجانبهن بعض المهتمين بقضايا المرأة ، وقد أظهرت هذه الندوة بشكل جلي ضحالة الاهتمام بهذه القضية ، والنظرات القاصرة والمجتزأة عند بحث قضية المرأة ، فباستثناء القليل جدا من المداخلات ، ومن بينها مداخلة السيدة نوال يازجي الهامة – وبعض مداخلات الجمهور- ، التي نظرت إلى تلك الأزمة بمنظار شامل ربط قضية تحرر المرأة بتحرر المجتمع ككل ، والنضال من أجل تحرير المرأة بمسألة الديمقراطية ونيل كل فرد من أفراد المجتمع حقوقه ، فلن نجافي الحقيقة إذا قلنا أن حصيلة تلك الندوة كانت كغيرها مخيبة محبطة .

وهكذا بنظرة مجملة نجد أن عام 2003 ، لم يحمل جديدا للمرأة ، على جميع الأصعدة ، إن لم نقل أنه حمل لها قلقا على مصيرها ومصير من حولها ، بسبب المتغيرات الإقليمية ، والتي لم تضمر سوى تهديدات لا حصر لها ، أما على الصعيد الداخلي فالركود الذي وسم وضعها طوال السنوات الماضية بقي غالبا ، سواء من النواحي القانونية أو الاجتماعية أو الاقتصادية .

إن ذلك يقودنا إلى نتيجة حتمية ، ،أنه دون وجود هيئات و مؤسسات مجتمع مدني تعنى بقضية المرأة وتناضل من أجل نيلها حقوقها ، ودون وجود قنوات يتمكن من خلالها كل مواطن من إيصال صوته والدفاع عن حقوقه ، دون صدور قانون أسرة يمنح كل فرد من أفرادها حقوقه ، ودون اشتراك حقيقي للمواطن في جميع الفعاليات السياسية والاجتماعية ، فستبقى المرأة ترزح تحت أشكال لا حصر لها من القهر والاضطهاد على جميع الأصعدة.