الرجال ينتفضون والنساء ينتحبن ,هذه هي الصورة التي طالعتنا بها وسائل الإعلام خلال عام ونصف هي عمر الانتفاضة الثانية , وهي صورة مختلفة عن الانتفاضة الأولى التي كنا نرى فيها النساء والأطفال في صدارة المشهد الفلسطيني , فما هي الأسباب الموضوعية التي تقف في خلفية صورة اليوم ؟
باستثناء بعض مشاهد المواجهة الكلامية بين جنود الاحتلال وبعض النسوة المتشبثات بأراضيهن ومنازلهن , ومسيرتي شموع شارك فيها أطفال ونساء , لم أر في وسائل الإعلام غير نساء يقفن في مؤخرة الصورة الإعلامية ينتحبن , يمزقن القلب وهن يودعن عزيز غال , ولكن دون أن يشاركن حتى في المظاهرات التي تخرج بشكل شبه يومي على مدى العام والنصف المنصرمين , إلى أن فاجأتنا , وفاجأت العالم كله الشهيدة وفاء إدريس التي ضحت بحياتها في سبيل القضية الوطنية , وربما دون أن تقصد قضية المرأة .
نظرة تاريخية
تاريخيا مر نضال المرأة الفلسطينية بمراحل شتى , اتخذ فيها نضالها أشكالا مختلفة , فقد اتخذ شكل النضال المسلح في الأربعينات في وجه الاستعمار البريطاني , وأول شهيدة فلسطينية كانت فاطمة غزال , التي شاركت بمعركة عسكرية ضد الاحتلال البريطاني , وفي الأربعينات قادت الأختان خورشيد فصيل ” زهر الأقحوان ” الذي قاد عمليات عسكرية أيضا ضد الاحتلال , واستمرت هذه العمليات في الخمسينات والستينات بصورة متفرقة .
وبعد هزيمة ال67 واحتلال إسرائيل للضفة والقطاع , عادت المرأة للمشاركة في العمليات العسكرية وكانت أول شهيدة في الثورة المعاصرة هي الشهيدة شادية أبو غزالة , كما شارك الكثير من النسوة في عمليات عسكرية داخل الأرض المحتلة , أو في العمليات التي تبنتها فصائل المقاومة آنذاك في خطف الطائرات ,كصرخة في وجه الضمير العالمي ليستفيق وينتبه إلى وجود هذه القضية , ومعاناة شعبها , ومن اللاتي شاركن في هذه العمليات المناضلتان دلال مغربي وليلى خالد .
وبعد خروج المقاومة من بيروت اتجهت الفصائل الفلسطينية إلى العمل السياسي , وكعادة جميع حركات التحرر الوطني , تشارك المرأة في مرحلة الكفاح المسلح ولكن عند ما يتحول النضال المسلح إلى نضال سياسي تتراجع المرأة عن مركز القرار .
ثم عادت المرأة لتحتل دورا رياديا في الكفاح في الانتفاضة الأولى حيث ثار أهالي الداخل على الاحتلال , وواجهوه بالحجارة وأجسادهم , وكانت الانتفاضة تعتمد على الكفاح الشعبي أكثر منه على العمل العسكري المنظم بوجود سلطة ,كما في الانتفاضة الثانية , مما أعطى للمرأة دورا مهما , كذلك كان الاحتلال متواجدا داخل المدن الفلسطينية , وكان الناس يحتكون بجنود الاحتلال وجها لوجه , مما كان يحدث اشتباكات مباشرة و يومية دائمة غير منظمة مع قوات الاحتلال , شارك فيها كل أفراد الشعب , رجالا ونساء , شيوخا وأطفالا .
بعد اتفاق أوسلو ومجيء السلطة الوطنية الفلسطينية , وتحول النضال إلى مفاوضات سياسية , واتخاذ قيادة المقاومة شكل دولة مؤسساتية , تراجعت المرأة كالعادة عن مركز القرار , ولولا وجود حنان عش راوي آنذاك , ناطقة رسمية باسم وفد المفاوضات , لما لمحنا أي دور سياسي للمرأة , التي لم تتوقف عن النضال إلا أنها تحولت تجاه العمل الاجتماعي وبناء مؤسسات مجتمع مدني , بدل الانخراط في أحزاب وفصائل المقاومة , التي كانت هي الأخرى تمر في مرحلة أزمات و انشقاقات وانحسار , وفي هذه الفترة بالذات والتي شهدت نمو التيار الأصولي في كل الوطن العربي , بدأت الأحزاب الدينية تأخذ دورا أكبر في المجتمع الفلسطيني في الداخل , وهي كما هو معروف تهمش دور المرأة , وتضعها دائما في الصفوف الخلفية التي يحتلها الرجال عادة .
الانتفاضة الثانية
المشهد الأول للانتفاضة الثانية والتي أطلق عليها منذ اليوم الأول انتفاضة الأقصى , هي مشهد المصلين الرجال يواجهون جنود الاحتلال عند بوابة المسجد , آلاف الرجال , لم يكن بينهم امرأة واحدة , وتكررت الصورة دائما , وتطورت إلى مظاهرات , رشق بالحجارة , ثم مواجهات مسلحة , وليس سوى الرجال .
وفي أول مرة ركزت وسائل الإعلام على امرأة , كانت والدة الطفل الشهيد محمد الدرة , كانت صورة للمرأة الفلسطينية و التي بدأنا نراها يوميا على شاشة التلفزيون , الأم المفجوعة .
وبالبحث عن الأسباب الموضوعية لعدم مشاركة المرأة في المواجهات المباشرة مع العدو , لابد من قراءة متأنية لجملة من الظروف والأسباب . فمن الإجحاف القول إن المرأة لا تشارك في النضال الحالي , إذا اعتبرنا مشاركتها في أشكال أخرى من النضال , فتشبثها بالأرض نضال , ومشاركتها في العمل الاجتماعي وبجانب منه تقديم المساعدة للمقاومة بمعالجة الجرحى و وزيارة أهالي الشهداء والأسرى نضال , وعملها في تنشئة جيل مقاوم , وإعالتها أسرتها بعد استشهاد الزوج نضال. ورغم أن نسبة العمالة الرسمية للنساء في فلسطين متدنية , إلا أنها تمارس الصناعات المنزلية والتي لا تدخل في حساب الدخل القومي الفلسطيني .
أما على المستوى السياسي , فرغم وجود نساء في مؤسسات السلطة , إلا أنهن لسن في موقع القرار , ووضعهن بذلك لا يختلف عن وضع المرأة في أي بلد عربي , فكما ذكرنا عندما يتحول العمل الشعبي إلى عمل مؤسساتي , تغيب المرأة , وعندما تنتصر حركات التحرر الوطني ضد المستعمر وتقيم دولتها الوطنية , يجني الرجال وحدهم ثمرة الكفاح .
كما تراجع دور عمل المرأة المنظمة في الأحزاب التقدمية التي تشارك في العمليات العسكرية ضد العدو , لحساب عملها في الحقل الاجتماعي , ولكن علينا ألا ننسى وجود 16 أسيرة في سجون الاحتلال متهمات بمحاولات طعن جنود إسرائيليين أو المشاركة في عمليات عسكرية .
الإسلام ونضال المرأة
وبرأيي أن السبب الأساسي لتراجع دور المرأة هو طغيان التيار الأصولي على الشارع الفلسطيني أسوة بالوطن العربي كله , وذلك لأسباب يطول شرحها هنا , حيث اتضح دور حماس والجهاد الإسلامي في المقاومة المسلحة , وتعبئة الشارع , وقد اتضح رأي هذه التيارات الدينية في مشاركة المرأة في العمليات المسلحة بعد استشهاد المناضلة وفاء إدريس وذلك ما عبرت عنه بشكل جلي الناشة في حماس السيدة جميلة الشمطي في مقابلة معها في برنامج قناة الجزيرة ” للنساء فقط ” في 4 / 2 / 2002 حيث قالت حرفيا ” أما بالنسبة للعمليات الاستشهادية فنحن نقول أن العمليات داخل خط 48 , فحتى هذه اللحظة من استراتيجيات الحركة عدم إقحام المرأة الفلسطينية فيها , لأن ذلك يرجع إلى أمرين , أمر شرعي بأن هذه العمليات تحتاج إلى أن تسافر المرأة للرصد والتخطيط , مما يضطرها أن تبقى يومين أو ثلاثة خارج البيت , وهذا طبعا مرفوض شرعا بالنسبة للمرأة المسلمة , التي يلزمها في تنقلاتها محرم , ولأن صعوبة التنقلات أيضا داخل 48 تكون عملية فيها من الصعوبة والشدة الكثير ” .
لقد أثار هذا الرأي غيظي وحنقي, فهذه الرؤية فيها انتقاص فاضح لعظمة هذه التضحية التي أقدمت عليها هذه الشابة المناضلة .
فهل قيد الإسلام حقا موضوع جهاد المرأة المسلمة بقيود شرعية , من ضمنها السفر مع محرم ؟
بالعودة إلى التاريخ نرى أن المرأة كانت قبيل الإسلام متاعا , يباع ويشترى , وفي ظل النظام القبلي الأبوي لم تكن المرأة والطفل إنسانين كاملي الأهلية بل من أملاك القبيلة التي يمكن أ ن تسبى في أي لحظة عندما تغير قبيلة على أخرى , وكانت المرأة ما أن تخطو بضع خطوات بعيدا عن قبيلتها حتى تتعرض للسبي من أي مقاتل يمر بها , لذا كان من المتعارف عليه أن تحمي القبيلة ملكيتها من النساء والأطفال التي تمثل بالتالي شرف القبيلة , لذا كان لابد لها من السفر بمرافقة محرم يذود عنها عند تعرضها لقطاع الطريق وهم كثر . وطبعا استمر هذا الوضع بعد مجيء الإسلام الذي رغم أنه أقر المساواة الكاملة بين المرأة والرجل , في الأهلية والإيمان والثواب والعقاب , في أكثر من ستين آية من القرآن الكريم , ودعا إلى معاملة النساء بشرا أسوياء كاملي الأهلية , وبما يليق بأي بشري من المودة والرحمة , إلا أن التهديد الذي كن يتعرضن له , بخاصة من القبائل المشركة المتربصة بقي قائما , ومن الطبيعي أن تبقى احتياطات السلامة التي يمليها العقل والحكمة قائمة , بألا تسافر المرأة دون محرم , أي شخص يهمه من الناحية العصبية الذود عنها ضد احتمالات السبي . ورغم ذلك لم أجد في كل السيرة النبوية , حديثا يشترط خروج المرأة مع محرم عند انطلاقها للجهاد , وما أكثر الصحابيات اللاتي قاتلن بشجاعة أكبر من شجاعة الرجال عندما تضيق الأمور في ساحة المعركة على المسلمين , فأم عمارة عندما انهزم المسلمون في أحد حملت سيفها وهي حاجزة ثوبها إلى وسطها , وجعلت تذب عن رسول الله بالسيف وترمي بالقوس حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا , وقتلت وجرحت العديد من المشركين , حتى قال عنها رسول الله ( ص )
” ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني ” . ( طبقات ابن سعد والسيرة النبوية لابن هشام )
وقد جرح ابنها الذي كان يقاتل إلى جانبها فربطت أم عمار جرحه , وقالت :
انهض يا بني فضارب القوم ..
فجعل النبي (ص) يقول :
” ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة “
وأقبل الرجل الذي ضرب ابنها فقال الرسول :
” هذا ضارب ابنك “
فاعترضت له وضربت ساقه , فبرك , فقال الرسول :
” استقدت يا أم عمارة “
ثم بعد أن قتلت المشرك يقول لها :
– ” الحمد لله الذي ظفرك و أقر عينك من عدوك , وأراك ثأرك بعينك ” .
بل إنها عندما نادى المنادي ثانية إلى الغزوة التي أعقبت أحد ( حمراء الأسد ) شدت عليها ثيابها ثانية , فلم تستطع من الدم المتساقط من جسدها . ثم شاركت في العديد من المعارك بعد ذلك . ( طبقات ابن سعد )
وكذلك أسماء بنت يزيد الأنصارية , ففي معركة اليرموك عندما حمي وطيس المعركة , بدأت تبحث عن سلاح لمحاربة الأعداء , فلم تجد أمامها إلا عمود خيمة , فحملته واندمجت ضمن صفوف المجاهدين , وأخذت تضرب به الأعداء حتى قتلت تسعة من الروم ( الإصابة لابن حجر ) .
صحيح إن المجاهدات كن بصحبة عوائلهن آنذاك , لأن الناس كانوا يخرجون معا للجهاد رجالا ونساء , ولكن المفاهيم اختلفت بعد الإسلام , فقد كانت الغاية هي الخروج للدفاع عن الدين الحنيف ونشره , ولو كان الهدف هو وجود محرم حماية لنساء المسلمين لكان من الأجدى عدم تعريضهن للخطر بل إبقائهن في المدينة تحت الحماية , لكن الهدف كان خروجهن للجهاد وفي هذه الحوادث التي ذكرتها وغيرها كثير مما ذكره , وربما لم يذكره التاريخ ,كانت المرأة ليست في حماية المحرم بل كانت تحميه وتذود عنه .
وعندما أسلمت أم كلثوم بنت عقبة الأموية , وكانت محاطة في مكة بالمشركين , فاختارت الهجرة وحدها إلى المدينة حيث الرسول الكريم والمؤمنون هناك , فتسللت ليلا من مكة , وقصدت المدينة , ولم أقرأ أن الرسول الكريم لامها على قدومها وسفرها ليلا دون محرم , بل قال ( ص) :
” والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام , وما خرجتن لزوج أو مال ” ( السيرة النبوية لابن هشام )
المناضلة لا تفتن
ونعود إلى ما قالته السيدة جميلة الشمطي في ردها على سؤال المذيعة خديجة بن قنة :
ولكن لماذا التعقيد بوجود محرم , لأنها ليست ذاهبة للتنزه ؟
فتقول السيدة الشمطي :
ولكنها كما قلت قد يتطلب منها البقاء هناك يومين أو ثلاثة في أوقات مختلفة , ليلا , نهارا , قد لا تعرف , قد لا تجد مبيتا في منطقة معينة , مما يعرضها للفتنة !!
وهنا أرد على السيدة جميلة بما قالته هند بنت عتبة , يوم تقدمت جمع من النسوة لمبايعة الرسول ( ص ) بعد فتح مكة , فقال لهن :
” تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا “
ثم عندما وصل إلى :
” ولا تزنين “
فقالت هند :
وهل تزني الحرة ؟
وأنا أقول للسيدة الشمطي :
وهل تفتن المناضلة ؟
بل هل تفتن المرأة الطبيعية العاقلة , بمجرد أن تسافر خارج بيتها يومين أو ثلاثة ؟ متى سمعنا بامرأة تسافر وحدها فتلتقط أول رجل تصادفه في الشارع , لتتعرض للفتنة ؟
أي إهانة , وأي إساءة يمكن أن توجه للمرأة العربية المسلمة اكثر من هذه الإساءة , عندما نعتبرها مخلوقا ناقص العقل , بل أقرب إلى الحيوانات بسيطرة غريزتها عليها , فما أن تغادر بيتها حتى تتعرض للفتنة , فتلقي بنفسها في أحضان أول رجل تصادفه ؟
إن الإساءة وإهانة المرأة الفلسطينية المناضلة , وبالتالي المرأة العربية المسلمة بأفكار متخلفة , مغلفة بلبوس ديني , أمر نرفضه جميعا , رجال ونساء هذه الأمة , ألا يكفينا الذل والهوان الذي استباح أرضنا وأمننا وسلامنا من قبل أشرس عدو , تدعمه أقوى قوة عاتية في الكون اليوم , حتى يأتي أبناء أمتنا فيضيفون إلى هواننا هوانا , وقهرنا قهرا .
ولكن ما يعزينا في غمرة ذلك القهر , الآراء والإحصائيات التي تعبر عن رأي أفراد المجتمع الفلسطيني والعربي , وبخاصة نسائه , الذين عبروا و صوتوا بغالبيتهم تأييدا لمشاركة المرأة بالكفاح المسلح دفاعا عن أرضها المستلبة , وبالتالي عن كرامة المرأة العربية.