العنف الجنسي ضد الأطفال

لابد في بداية بحثي هذا من الإقرار بأنه لا يستند إلى الشروط العلمية لأي بحث , أي الحوادث الموثقة , أو التقارير المكتوبة , أو المعلومات الإحصائية , لعدم توفر هذه المصادر لدينا , ويعود ذلك إلى التكتم الشديد الذي تحيط به الضحية ( سواء كانت ذكرا أم أنثى ) وأهلها هذه الحوادث , خوفا من ردود الفعل الاجتماعية التي تنظر إلى الجاني وضحيته بنفس منظار عدم القبول بل الرفض ، مما يعيق انخراطها ثانية في سياق المنظومة الاجتماعية .

فنادرا جدا ما يلجأ أهل الطفل (أو الطفلة ) الذي يتعرض لحادث اعتداء جنسي إلى الشرطة لتثبيت حادثة الاعتداء , كما تخلو غرف إسعاف المستشفيات أيضا من هذه الحالات , إلا في الحالات النادرة جدا , والتي يصل فيها الاعتداء إلى مرحلة تهديد حياة الضحية . والحالات التي تصل إلى أسماع الجهات المسؤولة وبالتالي الإعلام , هي غالبا الحالات التي تقتل فيها الضحية .

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات عن عدد حالات العنف الجنسي ضد الأطفال في مجتمعاتنا , فأعتقد من الحوادث المتفرقة التي أسمعها أو أقرؤها أن نسبة تلك الحوادث مشابهة لنسبتها في أي مجتمع إنساني , وخاصة المجتمعات القريبة في تركيبها من مجتمعنا , أي تحديدا المجتمعات العربية .

ويمكن تقسيم حوادث الانتهاك الجنسي التي يتعرض لها الأطفال في مجتمعنا إلى عدة أقسام :

1 ـ حوادث التحرش الجنسي من قبل كبير غريب بطفل صغير والتي تقتصر على التعرية أو مداعبة الأعضاء , وغالبا ما تتم من قبل شخص معروف من قبل الضحية ـ قريب غير محرم أو صديق للعائلة ـ من الأشخاص الذين يسمح لهم بدخول المنزل أو يسمح للطفل بالذهاب إلى منازلهم , ويتمتعون بثقة الأهل بحيث لا يخطر ببال الأهل أن أولادهم يمكن أن يتعرضوا لأي انتهاك جنسي من قبل هؤلاء الأشخاص , وفي أحاديث حميمة مع صديقات لي اكتشفت أنه يندر أن نجت إحداهن في طفولتها من مثل هذا الشكل من المداعبة الجنسية , والتي تترك داخل الطفلة شعورا كبيرا بالإثم حيث تحس بنفسها متواطئة مع المعتدي , وبخاصة أنه يثير لديها لذة غامضة تعرف أنها محرمة , ولا تجرؤ الصغيرة على أن تبوح لأهلها بما يحدث خوفا من العقاب لشعورها بأنها مذنبة , أو خوفا من عدم تصديقها , لأن الشخص المعني يكون دائما موضع ثقة كبيرة من الأهل . وأذكر هنا حادثة أسرت لي بها إحدى صديقاتي , حدثت لها في طفولتها , حيث كان يزورهم قريب يعيش في بلد آخر وينزل في ضيافتهم عدة أيام وكان شيخ دين جليل , وقد كان ينزل في غرفة مخصصة للضيوف في الطابق الثاني من بيتهم العربي , وبما أن نسوة الدار كن محجبات فقد كن يرسلن له طعام الغداء عند غياب رب المنزل مع الطفلة الصغيرة , فكان ينزل من يدها صينية الطعام , ويضعها في حضنه ويبدأ بمداعبتها , وطبعا لم تجرؤ البنت على إخبار أهلها بما يحدث رغم تكرر هذه الحوادث في كل زيارة يقوم بها هذا الشيخ إلى منزل الأهل , وقد تركت هذه الحادثة على ما يبدو أثرا عميقا في نفسية الطفلة , ظهر جليا من بكائها وأساها عندما حكت لي هذه الحاثة وكانت قد تجاوزت الأربعين من عمرها .

عدا عن ذلك يتعرض الأولاد أيضا لمثل تلك الحوادث , فقد حكا لنا صديق مثلا أنه في طفولته كان لديهم جارة , كان زوجها غالبا مسافرا , فكانت تطلب منه أن يجلب لها أغراض من البقال أو اللحام , وطبعا كان الأهل يشجعونه على مساعدة هذه المرأة من مبدأ خدمة الجار للجار , خاصة أنها كانت امرأة وحيدة ، فكانت المرأة تدخله دائما بعد جلب الأغراض إلى المنزل بحجة مكافئته ببعض أطايب الطعام , فكانت تتعرى وتعريه من ثيابه وتبدأ بمداعبته , ومع تكرر هذه الحوادث توصلت إلى ممارسة جنسية شبه كاملة معه , لكن ذلك ترك لدى الطفل آثارا نفسية , لعلها تحتاج إلى محلل نفسي لسبر أغوار تلك شخصيته ومعرفة آثار هذه العلاقة عليها .

وهكذا نجد أن تلك الممارسات شائعة في مجتمعنا , ما دام كل صديق يجد لديه القدرة على البوح , يذكر من طفولته حادثة مشابهة , وإن كانت تختلف في مداها , وعمق التأثير الذي تتركه على نفسية الطفل .

2 ـ حوادث اغتصاب الصغيرات : كما ذكرت , لاشك أن هذه الحوادث موجودة في مجتمعنا كبقية المجتمعات , وإن كان يتم التعتيم عليها كثيرا و ويمكن القول أن هذه الحوادث تقل في الطبقات المتوسطة المتعلمة , والتي تحيط فتياتها برعاية ورقابة صارمة , تؤدي إلى تناقص مثل هذه الحوادث , أما عند الطبقات الفقيرة , حيث ينجب الأبوان عددا من الأطفال قد يتجاوز العشرة ، في بيوت ضيقة , وشروط معيشية قاسية , وحيث يقضي الأطفال جل وقتهم في الشوارع , ويطرحون إلى سوق العمل أو التسول باكرا , فلا شك أن تلك الظروف تهيء لتعرض البنات الصغيرات أكثر لحوادث الاغتصاب , والتي إما أن تتستر عليها الفتاة نفسها لخوفها من رد فعل أهلها , وخوفها من عقابهم , حيث يسود العنف كل أشكال تعامل الأهل مع أطفالهم , ويعيش الطفل في حالة خوف دائم من العقاب , أو يتستر الأهل أنفسهم على الحادثة , خوفا من الفضيحة , وعدم زواج البنت في المستقبل . أما في حالات حمل هؤلاء الصغيرات , فدائما يتصرف الأهل ـ وغالبا الأم وحدها , دون معرفة الأب ـ بالتستر على الموضوع , إما بالإجهاض الذي يتم في عيادات نسائية لا تعد ولا تحصى , أو بالتخلص من الوليد بقتله أو إلقائه على قارعة الطريق , ولا زلت أذكر حادثة في بداية ممارستي الطبية , حيث راجعتني في العيادة فتاة في حوالي الخامسة عشرة من العمر , بشكوى آلام في البطن , وانقطاع الدورة الشهرية , وعند فحصها تبين لي أنها حامل في الشهر الثامن , والحق يقال بأنني لم انتبه في البداية بسبب ملابسها العريضة , وطريقة إخفائها لبطنها أنها حامل عند دخولها غرفة المعاينة , وعندما أخبرتها أنها حامل وفي الشهر الثامن , رجتني أن أساعدها على إجهاض الجنين , ولما أعلمتها باستحالة ذلك , بكت وطلبت مني مساعدتها , سألتها عن والد الطفل فقالت أنها لا تعرفه ؟ ونظرا لقلة خبرتي آنذاك لم أعلم بما يمكنني القيام به لمساعدتها , فطلبت منها أن تحضر مع أمها في اليوم التالي علني أجد ما يمكنني القيام به من أجلها , وكنت بذلك أعطي نفسي فرصة استشارة من لهم خبرة أكبر من خبرتي , وعندما سألت زميلة لي ذات خبرة طويلة , وكنت في غاية الارتباك والقلق , عما يمكنني القيام به لمساعدة تلك البائسة , قالت لي , لا تخافي ستتدبر أمرها , ولن تعود إليك .

وفعلا هذا ما حدث ذلك , فرغم أن عيادتي ىنذاك كانت في حارة شعبية و جميع سكانها يعرفون بعضهم بعضا , فلم أسمع أبدا بأية كلمة عن الموضوع , ولا ادري كيف تدبرت الفتاة أمرها , لكنها تدبرته .

إن تلك الحادثة وحوادث كثيرة مشابهة عايشتها , أو سمعتها من زملائي , أو قرأت عنها , تظهر كم تتم مثل هذه الأمور في الخفاء , وكم من الضحايا الذين يتعرضون لمثل هذه الحوادث , والتي يعلم الله عمق الأثر النفسي الذي تتركه على الضحية التي تمر بمثل هذه المعاناة , دون وجود من يأخذ بيدها ويساعدها في تجاوز هذه المحنة .

3 ـ أما بالنسبة لحوادث الاعتداء على الصبيان من قبل الرجال الكبار فقد كانت شائعة في بعض المناطق السورية , وكان المجتمع أكثر تسامحا مع هذه الحوادث ومع المغتصبين , من تسامحه مع الحوادث المتعلقة بالبنات , وكم كنا نسمع عن وصف أحدهم بأنه ( حبيب ولاد ) أي يمارس العمل الجنسي مع الأولاد , وهو يتبختر في الشارع ويمارس عمله كالمعتاد , بل غالبا ما كان هذا القبول الاجتماعي النسبي يعبر عنه بروح الفكاهة التي يحكى بها عن هذا الموضوع , والنكات التي تطلق على هذه المناطق التي كانت مشهورة بمثل تلك الممارسات , أو حتى على الفعل نفسه , وأعتقد أن موقف المجتمع هذا مشابه لما هو موجود في المجتمعات العربية , وذلك ما نجده في الأدب الصادق الذي غالبا ما يكون مرآة تعكس المجتمع , وأذكر هنا في رواية الصبار لسحر خليفة , كيف أن الناس في نابلس كانوا يتحدثون عن الموضوع أيضا بروح الدعابة .

إن ذلك التساهل الاجتماعي لانتهاك الصبيان الجنسي يتناقض مع التشدد والرفض الاجتماعي للانتهاك الجنسي للبنات , وربما يعود ذلك إلى عدة أسباب :

1 ـ إن شرف الفتاة , أي عدم مسها جنسيا قبل الزواج , وعدم ممارستها الجنس إلا مع زوجها بعده , يعتبر مرآة لشرف السرة العربية و وحدوث أي انتهاك لشرف الفتاة يصم عائلة الفتاة لأجيال لاحقة .

2 ـ إن غشاء البكارة رأسمال الفتاة , وخسارته تعني خسارة فرصتها في حياة طبيعية , لذا يبدو القانون أكثر تشددا في العقوبة بالنسبة لمغتصب الفتاة الذي يفقدها عذريتها , كذلك نلاحظ في حوادث الاعتداء التي تتم من قبل شخص قريب من العائلة , أن المعتدي يحرص على إبقاء عذرية الفتاة حتى لو انتهك جسدها كله .

3 ـ يقتصر الأذى في حالة الانتهاك الجنسي عند الصبيان على أذى فيزيائي وقتي , أما بالنسبة للأذى النفسي , فنفسية الطفل في مجتمعاتنا أصلا ليس لها اعتبار وهي في آخر سلم أولوياته .

4 ـ إن الصبيان الذين يتعرضون للانتهاك الجنسي هم غالبا أولاد الطبقات الفقيرة , الذين يقضون جل حياتهم في الشوارع بالتسول أو يرمون إلى سوق العمل باكرا , ويكونون أفرادا في عائلات كبيرة , و لا يوجد من يلقي بالا إليهم أو يعتني بهم أو يدافع عنهم .

وعلى الرغم أن ظاهرة الانتهاك الجنسي قد انحسرت في المناطق التي كانت تشتهر بها و وبقيت فقط مجالا للتندر , إلا أن ذلك قابله ازدياد حوادث الانتهاك الجنسي للأولاد المشردين والذين يعملون باكرا , وبخاصة ممن يشغلونهم في شبكات التسول , أو أرباب عملهم , الذين يعلمون أنه حتى في حالة معرفة الأهل بما جرى , فإنهم سيغضون الطرف خشية خسارتهم للمال الذي يجنيه الطفل من عمله , وأقصى ما يفعلونه هو إخراج طفلهم من العمل بصمت دون إثارة فضيحة , لأن رب العمل غالبا ما يكون متنفذا في السوق , وأي تعرض له يحرم الطفل من فرصة العمل في أي مكان آخر .

4 ـ غشيان المحارم : لعل أكثر أشكال العنف الجنسي إثارة للاشمئزاز هو غشيان المحارم , ليس فقط لمخالفته جميع التعاليم السماوية والتشريعات الأرضية , بل لأنه يحدث من قبل الأشخاص المنوط بهم حماية الطفل من أي خطر خارجي , وهنا لا يجد الطفل من يلجأ إليه ، حتى بقية أفراد الأسرة .

لا أعرف نسبة حدوث مثل هذه الحوادث في الأسر المتوسطة أو الثرية , لكن الحوادث الشائعة والتي تصل إلى مسامعنا , تحدث غالبا في الأسر المفككة اجتماعيا أصلا بسبب الفقر المدقع الذي يدخل جميع الأمراض الاجتماعية إلى جسد الأسرة , فغالبا ما تسمع هذه الحوادث ضمن أسر تسود بها انتهاكات اجتماعية وقانونية شتى , فهل ذلك فعلا هو الواقع , أم أن الأسر من طبقات أخرى تجيد التستر على مثل هذه الحوادث ؟

وكما في مثل جميع الانتهاكات الجنسية , تقوم الأسرة بالتستر على هذه الحوادث خشية الفضيحة , بل إن الكارثة بافتضاح مثل هذه الحالات أفظع بنتائجها على الأسرة من حوادث الانتهاك الأخرى و لأنها تؤدي لتدمير الأسرة , وفقدان معيلها , وبخاصة إذا كان الأب أو الأخ الأكبر هو المعتدي . ولاتصل مثل هذه الحوادث إلى أسماع الجهات المختصة أو الإعلام إلا في ما ندر , وغالبا إذا ترافقت بجريمة قتل .

وفي دراسة مشابهة على المجتمع الأمريكي , لاحظت مدى التشابه في حوادث غشيان المحارم في جميع المجتمعات , وذلك ما ينطبق على الحوادث التي نسمع بها أو نقرؤها في مجتمعنا , فنادرا ما تكون حادثة الانتهاك الجنسي طارئة ، بل إن هذا الانتهاك غالبا ما يكون مستمرا , وتشترك الأم في جريمة التستر عليه , حتى لو كان من قبل الأب , فما بالك إذا كان من قبل الأخ , ولعل سبب ذلك خوف الأم من أن تلقى في الشارع هي نفسها إذا احتجت ,كما أن إيصال هذه الحوادث إلى القضاء يؤدي إلى فقدان معيل الأسرة , وإلى تحمل تبعات الفضيحة الاجتماعية , التي لن تكون في صالح أي فرد من الأسرة حتى الضحية نفسها .

وأذكر حادثة اطلعت على أحداثها عندما تقدم زميل لنا لخطبة فتاة جميلة من أسرة متوسطة , أحبها حبا جما , وفوجيء أحد الأيام بإقدام عمها على قتل والدها , وعندما اتضحت أبعاد الجريمة تبين أنها كانت تتعرض دائما للاعتداء الجنسي من قبل والدها , وأن أختها في الحقيقة هي ابنتها من أبيها , وأن الأم مشتركة بالتستر على هذا الوضع الشاذ و وربما كان خيار الصمت والتستر أفضل الخيارات بالنسبة للأم , فنتيجة افتضاح الموضوع أدت إلى مقتل الأب ودخول العم السجن , وطبعا هرب زميلنا من خطيبته رغم توسلها إليه ومحاولة شرحها له أنها كانت مجرد ضحية , وبالنتيجة انعدمت فرص الزواج للبنتين معا وتهدم كيان الأسرة , ونبذت الأسرة اجتماعيا إلى الأبد , وربما قاد ذلك النسوة الثلاثة اللاتي بقين دون معيل إلى الانحراف الكامل .

6 ـ يعتبر الزواج الباكر نوعا من الانتهاك الجنسي للصغيرات , فلا زال الريف يعج بحالات تزويج الصغيرات اللاتي لا تتجاوز أعمارهن 12 سنة , مقابل مهر يقبضه الأب , ويكون الزواج هنا بمثابة صفقة يبيع بها الأب ابنته مقابل ثمن عال يقبضه , و غالبا ما يكون الزوج ثريا متزوجا بأخريات , ولنا أن نتخيل شكل الانتهاك الجنسي الذي تتعرض له الصغيرة في مثل هذا الزواج , وإن كانت هذه الظاهرة بدأت بالانحسار في ريفنا السوري إلا أنها لا زالت موجودة بكثرة , بل إننا لا زلنا نسمع عن حالات مشابهة في المدن , و إن ندرت .

7 ـ ليس لدي سوى فكرة ضئيلة عن تشغيل الصغيرات بالبغاء في مجتمعنا , لأن ذلك إن وجد فإنه يتم بشكل سري للغاية و لأن البغاء أصلا غير مسموح به , وكله يتم في شقق سرية مقفلة , لكننا نسمع أحيانا عن تشغيل صغيرات في تلك الشقق السرية , وبخاصة أن هناك حوادث تخطف فيها الصغيرات ويتم الاعتداء عليهن , وبما أن تزوج المغتصب من الطفلة التي اغتصبها يعفيه من العقوبة ، فغالبا ما يتزوج المغتصب ضحيته في حال افتضاح أمره , ليشغلها بعد ذلك في البغاء ويقبض أتعابها .

لا نعلم مدى انتشار ظاهرة البغاء , وبالأخص تشغيل الصغيرات فيها , إلا تقديريا من خلال ما نسمع أو نقرأ من حوادث , وإن كنت أعتقد أن انتشار هذه الظاهرة لدينا شبيه بجميع المجتمعات المشابهة , بل المجتمعات الإنسانية كافة , وبخاصة أنه يحكى في السنوات الأخيرة عن انتشار أعداد هائلة من البيوت في أحياء سكنية متعددة في المدن الكبيرة , حتى أصبحت العائلات المحترمة تتجنب السكن في هذه الأحياء , وإن كنا نستطيع تقدير عدد النساء اللاتي يمارسن البغاء بعدد هذه البيوت , إلا أن عدد الصغيرات اللاتي يعملن يبقى مجهولا ويدخل في دائرة التخمينات , ولكن حسب الدراسات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة , والتي لاشك تنطبق على كافة المجتمعات الإنسانية , فكلما انتشر الفقر ازداد اضطرار النساء لبيع أجسادهن , وبما أن ظاهرة ممارسة الفاحشة مع الصغيرات مرغوب من قبل بعض الرجال الشاذين الذين يترددون على مثل هذه الأمكنة , بل أنهم يدفعون أكثر مقابل الممارسة الجنسية مع الصغيرة , ومبلغا أكبر مقابل افتضاض العذارى , حسب الدراسات في كل أنحاء العالم , فمن الطبيعي أن ذلك موجود في مجتمعنا , كما هو موجود في مجتمعات أخرى .

كيف السبيل للقضاء على هذه الظواهر وحماية الأطفال في مجتمعاتنا ؟ لاشك أن الطريق طويل , طويل أمام المهتمين بإلغاء جميع أشكال العنف والحيف الواقع على الأطفال , ولكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة , وعلى المهتمين والدارسين والمخلصين لأوطانهم ومجتمعاتهم , وبخاصة في دول العالم الثالث , التي تكون حكوماتها مرهقة بأعباء التنمية , وتأمين لقمة الخبز لأفراد الشعب أولا , في أحسن الأحوال , إذا لم نقل أنها مشغولة بنهب وسلب خيراته وموارده وتركه غارقا في مشاكله بل مآسيه الاجتماعية , عندئذ يقع على عاتق الباحثين والمفكرين والتجمعات الأهلية العمل على تسليط بقعة ضوء أولا على هذه المشكلات وذلك ب :

1 ـ الاعتراف أولا بوجود هذه المشكلات في مجتمعاتنا , لا التعامي عنها , وكأن مجتمعنا غير كل مجتمعات الأرض منزه عن مثل تلك الممارسات التي يقوم بها بعض الأفراد الشاذين الموجودين في كل مجتمع بشري , بل الادعاء بخاصة من قبل القوى السلفية بأن ديننا يحمي مجتمعاتنا من مثل هذه الممارسات التي تقتصر على المجتمعات الغربية ، متناسين أن الأفراد الشاذين لا يوجد لديهم أي رادع ديني أو أخلاقي يردعهم عن القيا م بمثل تلك التصرفات الهمجية , أو الادعاء من قبل الجهات المسؤولة بندرة تلك الحوادث إخفاء لتقصيرها في أداء دورها المنوط بها لحماية أفراد المجتمع وخصوصا الضعفاء منهم .

2 ـ تعديل قوانين العقوبات التي تطبق في مثل هذه الحالات , إذ أن إعفاء المغتصب من العقوبة إذا تزوج الضحية كما ذكرنا أحد اوجه ذلك التقصير في معاقبة المجرمين بتلك الاعتداءات , وستفرد الأستاذة ليلى الجابري بحثا خاصا لمواد قانون العقوبات الخاص بمثل تلك الحوادث .

ولاشك أن إنشاء محكمة وقاض مختص بالجرائم الواقعة على الأطفال , وتسهيل وصولهم إلى مركز محاط بسرية تامة , يمكن أن يتقدموا فيه بشكواهم , يسهل الإيقاع بالمعتدين وردعهم على الأقل من القيام بحوادث مماثلة بإنزال العقوبات بهم و ليكونوا أيضا عبرة لغيرهم من الشواذ الذين لن يجرؤوا على اتباع شهواتهم الشاذة , إذا عرفوا أن وقوعهم في أيدي العدالة ليس صعبا .

3 ـ رفع سن التعليم الإلزامي حتى نهاية المرحلة الإعدادية , وبذلك يمكن منع الانتهاك الجنسي الذي يحدث بتزويج الصغيرات .

3 ـ إقامة مؤسسات مختصة تحوي على مراكز اسعاف , و مختصين نفسيين واجتماعيين , يمكن أن يساهموا في مساعدة الأطفال الذين يقعون في هذه المحنة ومساعدة الأهل في مواجهة المجتمع في حال تعرض أطفالهم للاعتداء ومواجهة المشاكل الاجتماعية والنفسية التي تنشأ عن مثل هذه الحوادث لدى الطفل بالدرجة الأولى , والأهل بالدرجة الثانية .

كذلك إنشاء خط ساخن , يمكّن جميع الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية أو لأهلهم ,الإبلاغ عن تلك الاعتداءات والتعهد بالحفاظ على سرية الموضوع والتحقيقات المتعلقة به , مما يشجع الأسر البائسة التي يتعرض أطفالها لتلك الاعتداءات إلى التصريح عنها .

4 ـ معالجة المشكلة من أساسها , بمعالجة الجانحين من الأولاد الذين غالبا ما يتحولون إلى مشاريع مجرمين مستقبليين , فإن انعدام الرادع الأخلاقي لديهم , ونشأتهم في أوساط فقيرة مفككة اجتماعيا , غالبا ما يهيأهم لارتكاب الجرائم في المستقبل , ومن بينها الاعتداءات الجنسية , رغم أنهم ليسوا الوحيدين الذين يرتكبونها , ولاشك أن ذلك ليس سهلا فهو يستدعي نهوضا اجتماعيا شاملا من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية , للقضاء على كافة الآفات المهيئة للجريمة , والتي يقف الفقر في مقدمتها .

4 ـ حملة توعية للأهل والطفل بسبل حماية الطفل أساسا من التعرض لمثل هذه الحوادث , و التقدم بالشكوى للجهات المسؤولة في حال وقوع هذه الحوادث , هذه التوعية تتم ب :

آ ـ تغيير المناهج المدرسية بحيث تحتوي على مواد تدرس التربية الجنسية للأطفال , وتوعية الطفل باحتمال تعرضه لإعتداء جنسي , وتأثيرات ذلك عليه , فكثير من الأهل غير مؤهلين للقيام بهذا الدور , ولا يتحدثون مع أولادهم عن تلك الأمور , ففي كثير من الأحيان يؤدي جهل الطفل بالخطر الذي يمكن أن يتعرض له إلى قيامه بتصرفات طائشة قد تقود إلى تعرضه للاعتداء الجنسي , كمرافقة رجل غريب يغري الطفل بشراء حلوى , إن وعي الأطفال بالخطر الذي يمكن أن يتعرضوا له يفتح عيونهم عليه و ويجعلهم أكثر انتباها وحذرا , وربما لن يؤدي ذلك إلى تلاشي الاعتداءات الجنسية , لكنه لاشك يقوم بتقليص عددها .

ب ـ تنشيط دور الإعلام ـ وخاصة التلفزيون الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشارا , والتي تكاد تدخل كل بيتـ ـ أولا لطرح هذه المشكلة على بساط البحث بكل صراحة ووضوح دون اللف عليها أو محاولة إنكار انتشارها , بل بحثها بطريقة بسيطة موجهة إلى الشريحة الكبيرة من المجتمع , والمطالبة بإجراءات أكثر فاعلية للحد منها .

5 ـ إنشاء مراكز دراسات وتأمين الإمكانيات اللازمة لدعمها كي تقوم بالدراسات التي تفتقر إليها مجتمعاتنا فيما يتعلق بالعنف ضد الأطفال , والقيام بالأبحاث الميدانية , التي يمكن من خلالها تهيئة إحصائيات تساعد على تحديد حجم هذه الظاهرة ومدى انتشارها , مما يساعد الجهات المعنية على تحري أسبابها ومحاولة الحد منها ومعالجة نتائجها .

6 ـ تشجيع المنظمات الأهلية , دون محاولة لجمها بادعاء وجود مؤسسات رسمية تقوم بدورها , ففي دول العالم المتقدمة , والتي تمتلك إمكانات مادية وقوانين متطورة أكثر بكثير من دول العالم الثالث في مجال الرعاية الاجتماعية , نجدها تعطي المنظمات الأهلية القدر الحقيقي من الأهمية وتساعدها في أداء دورها في خدمة مجتمعاتها , بل وتقدم لها الدعم المادي , وتضع تحت تصرفها كل الإمكانات التي تساعدها في أداء دورها الاجتماعي , مقدرة جهود أفرادها الذين يقومون بعملهم التطوعي دون أي طمع في منصب أو مكسب بل خدمة خالصة صافية لأوطانهم ومجتمعاتهم .

نحن نعلم تماما أن كل تلك الإجراءات لا تكفي لمنع حدوث حوادث الانتهاكات الجنسية للأطفال , والتي لازالت تحدث في أكثر المجتمعات تطورا , إلا أننا إذا وضعنا بعين الاعتبار أن تلك المجتمعات تطورت تطورا تقنيا أكثر منه إنسانيا , وأننا نحن دول العالم التي تسعى جاهدة لتطوير نفسها , نرى تجارب الدول المتطورة صناعيا أمام أعيننا ونستفيد منها , أليس بمقدورنا أن نطور أنفسنا تطويرا إنسانيا ملازما للتطوير التقني الذي ننشده .

د . ميّة الرحبي

طبيبة أخصائية بالأمراض الداخلية

(سورية)

الاستغلال الجنسي للأطفال في منطقتنا هو واقع معاش ونعيشه ليس بأقل نسبة عما هو عليه في المجتمعات الأخرى ولو اختلفت الخصوصيات والتلونات. إنه الهاجس الأكبر للأهل وللأطفال على حد سواء يقض مضجع الجميع بتوجس صامت. إنه “تابو” تحرم الإشارة إليه والنار التي تحرق من يقترب منها.. يفعل فعله في المجتمع بحماية ستار سميك من الصمت المطبق على الجميع وأولهم ضحاياه أنفسهم.

هذا هو السبب لفشلنا حتى الآن في رصده علمياً كظاهرة اجتماعية والإحاطة بأبعاده والتصدي له بشكل ناجع.. فكان عقد مثل هذه المؤتمرات ضروري جداً للتغلب على هذه العقبة الكأداء.

قبل التحدث عن ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال لابد لنا من أن نستعرض بلمحة موجزة نظرة المجتمعات العربية إلى الطفل ومكانته فيها ومبادئ تربيته وأود أن أبرز في هذا الصدد ثلاث خصائص لها علاقة مباشرة بموضوعنا:

أ ـ الطفل هو ملك أبيه “(أنت مالك لأبيك)” حسب القول الشعبي الذي يدعمه قانون الأحوال الشخصية فيه ينص على أن الأب هو “ولي النفس والمال”.

والتربية هي عملياً تصرف الأب بالابن تصرف المالك بملكه يفعل به ما يريد وليس للطفل حقوقاً موضوعية بصفته كذلك ولا حرمة متعارف عليها ولو بالحدود الدنيا اجتماعياً وقانونياً.

لا حوار مع الطفل ولا خيارات له بل تملى عليه تصرفاته إخلاءاً ولا يسمع سوى أوامر ونواهي، ويعتبر بلا فهم إنه مجرد “قاصر” التي تفهم “عاجز”.

ب ـ الواجب الوحيد للآباء تجاه أولادهم هو الإعالة وفي القانون “النفقة” أي الإنفاق المادي على الطفل ما يقيم أود حياته من مأكل وملبس وتأمين الخدمة له. بتأمين أجر الحضانة لحاضنته التي لا يشترط أن تكون أمه. ومقابل هذا الواجب للآباء على أبناءهم حق الاعتراف بالجميل والطاعة والاحترام.

وبانتظار أن تلبي الطفل ويصبح راشداً يحق للآباء أو الأولياء مقابل الإعالة أن يستفيدوا منه حسبما يرتأون ويتصرفون بحياته كما يشاءون، ففي فصل “إهمال واجبات الأسرة” تعاقب القانون بالمادة 487 عقوبات الأب والأم الذين يتركان ولدهما في حالة احتياج. وفي المادة 488 يعاقب من يمتنع عن أداء الأقساط المفروضة عليه بحكم المحكمة إلى زوجه أو أصوله أو فروعه.

وهما المادتان الوحيد كان في هذا الفصل.

حـ ـ العنف هو الأسلوب المعترف به للتربية: فإرضاخ الطفل لما يقرره الأهل بشأنه لايتم إلا بالعنف. كما أن الحوار غير وارد مع من يفترض أنه لا يفهم، العصيان مرفوض ويعاقب عليه بالعنف: كل أنواع العنف وكذلك الخطأ مرفوض ويصلح بعقاب مبالغ فيه ضماناً لعدم التكرار وكثيراً ما تسلف العبارات التهديدية وحتى بعض الصفات أثناء إصدار الأوامر وذلك ضماناً لحسن النتيجة ويقر القانون هذا المنحى حيث تجيز المادة 185 من قانون العقوبات “ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يبيحه العرف العام “فلا تعتبر جريمة. دون أن يحدد هذا القانون ماهية هذه الضروب وحدودها.

إن أول تدخل للقانون لحماية الطفل من العنف الواقع عليه من أهله هو في المادة 484ع حيث يعاقب من يسبب ولداً دون السابعة في مكان قفر أما الضرب والإيذاء فيخضع للأحكام العامة ولاشيء خاص بالأطفال.

إن هذه العوامل الثلاثة التي تعني مكانة الطفل في المجتمع تشكل المناخ المؤات لاستغلال الأطفال عموماً إلى أبعد الحدود وحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والشخصية في كثير من الأحيان، على حسابهم خاصة وإنها تجري ضمن الأسرة وتحت سلطة الأب التي تحجب عملياً وصول أي سلطة أخرى إلى الطفل.

فالأطفال يتحولون في المجتمعات النامية والفقيرة وفي ـ مجتمعاتنا من ضمنها ـ إلى درع وسلاح في مواجهة الأخطار عوضاً عن أن يكونوا هم موضوع الحماية كما هو مفترض (حتى النضال التحرري في بلادنا أبطاله أطفال من تلامذة المدارس المضربين وحتى أطفال الحجارة).

سيما وأن القانون يسمح بتشغيل الأطفال من سن الـ 12 سنة وكذلك تزويج الصغيرات (المادة 18 من ق أش. كما يمكن تزويج الفتاة دون 13 سنة بواسطة الزواج العرفي الذي يثبت لاحقاً.

إن الاستغلال الجنسي للأطفال في بلادنا له خصوصيات لها علاقة بظرف استغلال الأطفال عموماً الذي قدمنا لمحة عنه من جهة، وبالموقف من الجنس أو التعامل معه عموماً وإشكالياته القيمية والاجتماعية من جهة أخرى.

أ ـ العلاقات الجنسية غير حرة ومحرفة خارج الزواج لا بل ومدمرة أيضاً خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يمكن أن يدفعن حياتهن ثمناً لعلاقة جنسية حتى ولو كن ضحايا معتدي عليهن.

ب ـ تؤخذ جميع الاحتياطات لتلافي وقوع مثل هذه العلاقات في الحياة العادية أهمها الفصل بين الجنسين في الحياة الاجتماعية منع الاختلاط، إدانة كل أنواع العلاقة بين الجنسين الزمالة، الصداقة، الاستلطاف الخ…. يجب إخفاء كل ذلك وإنكاره في العلن.

حـ ـ يبقى مجال العلاقات الجنسية في ظلمات السرية والخفاء حيث لا نستطيع أن نجد سوى ثنائيات مكونة من معتد وضحية.

د ـ الخوف الأكبر في موضوع الجنس هو “الفضيحة” وكل الموروثات القيمية والقانونية تدور حول تلافي الفضيحة. أما إنقاذ الضحية فلا قيمة له.

فالضحية مدانة وتحمل الوزر كاملاً عن الفعل الجنسي ولا أهمية لكونها معتدى عليها. فقد تحولت إلى مصدر عار لأهلها وقيمة ساقطة وحياة مهدورة. عطب لا يمكن إصلاحه ولذلك لا يفكر أحد بتقييمه وتمييزه.

لذا تكون الضحية هي الأحرص على الكتمان وليس لها أي مصلحة بالشكوى.

هـ ـ سيطرة الكبت الجنسي والحاجة الملحة إلى تفريغ مأمون وغير مكلف. وللزواج شروطه ونفقاته، والحب الحرام مكلف أيضاً بل أكثر.

ويبقى الأطفال الذين هم في المتناول. إنهم موجودون في البيوت وتحت السيطرة، ولا يحق لأي قريب أن يتدخل في شؤونهم بوجود أولياؤهم حتى ولا السلطات (ليس عندنا مركز قضائي يهتم بشؤون الأطفال يتتبع أمورهم داخل أسرهم ويقرر الأصلح لهم، وترك الدعوى العامة لحمايتهم دون شكوى بمجرد العلم).

إن الاستغلال الجنسي للأطفال يحاصر الطفل داخل أسرته الصغيرة (الأب والأخوة الأكبر) والأسرة الأكبر (الأصهار وأبناء العم والخال الخ..) بالدرجة الأولى وبواسطتهم يقدم للدعارة أو يترك الاستغلال الخارجي. ويأتي الاستغلال الخارجي بالدرجة الثانية قبل كل شيء من أولئك الذين لهم سلطة على الطفل خارج عائلته (المدرسين والبائعين وغيرهم).

وأخيراً الأغراب: الخطف والاعتداء في بيت الدرج وعلى الأسطحة وفي الحدائق العامة والأمكنة المهجورة..

ـ إن أهمية غشاء البكارة لدى الفتيات (لضمان زواجهن الذي هو الهدف الأول من تربيتهن) يرجح كفة الاعتداء على الصبية الصغار (الذكور) وخاصة في المجتمعات الريفية المحيطة بالمدن والمنغلقة على نفسها أي التي لم يدخلها أغراب بعد.

ففي إحدى قرى الغوطة الشرقية المحيطة بدمشق وكلها مشهورة شعبياً برواج الاعتداء الجنسي على الصبية الصغار، وحسب قول الباحث سمير عبده نقلاً عن أحد أنباءها المتعلمين الذي أجرى بحثاً ميدانياً بطريقته الخاصة بصفته ابن القرية الذي يؤكد أن 80% من شبان القرية على الأقل تعرضوا في صغرهم للاعتداء الجنسي والكثير منهم يمارسونه الآن على من هم أصغر منهم من الصبية.

ولكن غشاء البكارة وأهمية الحفاظ عليه لا يوفر إلا أمناً نسبياً للفتيات الصغيرات وليس مطلقاً فإذا ما وقعت الصغيرة في قبضة معتد غريب لا يوقفه هذا الاعتبار (وغالباً ما يسفر مثل هذا الاعتداء عن موت الصغيرة لوحشيته البالغة).

وكذلك الأمر في سفاح القربى: أي عندما يكون المعتدون من داخل الأسرة: الأب أو الأخ الأكبر..الخ فعندما يقرر ذكور العائلة استعمال ابنتهم لمأربهم الخاص يكونون علمياً قد صرفوا النظر عن تزويجها. ولكن ذلك يجب ألا يدفعنا إلى الاعتقاد أن وقوع مثل هذه الأمور أمر نادر، بل أنها الأكثر مصادفة.

والشعبيون لا يتركون بناتهن الصغيرات وحدهن في البيت مع أي قريب لهن بل يصطحبوهن معهن وهناك مثل شعبي تستدل عنه على شيوع سفاح القربى أكثر مما نظن ومنذ أقدم مما نقدر وهو القائل: “شجرة في دارك حلت لك أم لجارك”

وهذا النوع من الاعتداء الجنسي شائع في الأحياء الفقيرة والمكتظة حيث تعيش الأسرة المؤلفة من أب فتي وأم وعدة أولاد خمسة أو ستة ينامون حول السرير الزوجي: وحيث المهور من التفاهة بحيث لا تشكل وزناً والعلاقات الزوجية مفككة لسهولة الطلاق في مثل هذه الظروف. ويرى الأب ابنته تنفتح أمام عينيه يافعة شهية وهو لم يبلغ الثلاثين بعد وزوجته مرهقة من شقاء الفقر وتكرر الحمل.. فيتحول إلى ابنته مستغنياً عن مهرها الذي لن يعدو عدة مئات من الليرات لو قدمها زوجة لغيره..

وكذلك الأمر بالنسبة للأخ إذا كان هو ولي أمرها وقد يشترك عدة أخوة معاً.. ونتيجة الأمر خروج الفتاة للبغاء..

أريد أن أتحدث عن نوع من الاعتداء الجنسي المقنع حسب تسميتي له وهو المموه بقناع الزواج الشرعي الذي غالباً ما يكون زواجاً عرفياً (خارج المحكمة) يعقده أولياء البنات الصغيرات (الطفلات) مع من يرغبون مقابل مبلغ من المال (مهر) الذي قد يكون كبيراً.. إنه أيضاً الطريق إلى دعارة الطفلات السياحية حيث يرسل أثرياء عرب من الدول المجاورة وكلاء عنهم “لتزويجهم” فتيات صغيرات بمواصفات معينة. ويأتي العريس “ليمضي مع عروسه الطفلة التي لا يعرفها ولا تعرفه فترة من الوقت شهر أو أكثر أو أقل وعندما تنتهي عطلته يطلقها” ويدفع لها مؤخر مهرها.

على سنة الله ورسوله.. وقد تتزوج الصغيرة نفسها عدة زيجات في السنة الواحدة وتؤمن تجارة رابحة لأبيها أو ولي أمرها.

تلك هي جوانب الاعتداء الجنسي على الأطفال كما يعيها الجميع بشكل أو بآخر ولكنها لا تشكل سوى قمة الجبل الجليدي.. وللتوصل إلى كشفه كاملاً وإلقاء الضوء عليه لابد لنا من تغيير أولوياتنا في موضوع الحماية فتقبل النيابة العامة وحتى الشرطة الشكوى من أي كان ويكون علمها بوجود طفل في حال الخطر كاف لتحريك الدعوى العامة من تلقاء نفسها.

ولا تتطلب شكوى قريب أو مهر أحد المحرمين حتى الدرجة الرابعة كما يتطلب المادة 477 والتي لا تباشر الملاحقة بلا شكوى إلا إذا أدى الأمر إلى فضيحة..

وكذلك المادة 508 التي توقف ملاحقة مرتكب جريمة الاغتصاب إذا عقد زواج صحيح بينه وبين الضحية وتوقف تنفيذ العقاب إذا كان قد صدر حكماً فيه ويعاد إلى الملاحقة والتنفيذ إذا حدث الطلاق دون سبباً مشروع

واضح من مثل هذه المواد أن القانون معنياً بدرء الفضيحة أولاً وأخراً وليس إنقاذ الضحية وتقديم العون لها.

توصيات: أ ـ قبل كل شيء يجب أن تكون الضحية هي موضوع الاهتمام وليس درء الفضيحة عنها وعن أهلها الذين تمثل شرفهم).

2 ـ تعديل القوانين وخاصة قانون الأحوال الشخصية بحيث يضمن حقوقاً للطفل استرشاداً باتفاقية حقوق الطفل تضمن الأمن والحماية والرفاهية للطفل وترعرعه المعافى جسدياً وعقلياً ونفسياً مكفولة بالتزامات والدية يلزم القانون بها الوالدين على حد سواء تحت طائلة المساءلة من قبل “قاضي الأولاد” الذي آن الأوان أن يستحدث منصب له في جهازنا القضائي.

إن تقسيم رعاية الطفل بين الأب (الولاية على النفس والمال) والأم (الحضانة) ومن ثم التقسيم مرة أخرى بين الولاية على النفس والولاية على المال، إضافة للصعوبات الجمة في شروط الحضانة وعدم حماية الأسرة بسبب سهولة الطلاق المزاجي بإرادة الرجل المنفردة كل ذلك يزيد وضع الأطفال الفقراء والمتوسطين سوءاً ويرفع من نسبة تعرضهم للاستغلال بما في ذلك الاستغلال الجنسي.

3 ـ ضرورة العمل على مختلف الأصعدة وبكل الجهود لتغيير نمط الحياة المغلوط الذي يقمع المتع والأنشطة الاجتماعية والإنسانية البريئة والصحية “قطعاً” للطريق على الوقوع في الرذيلة” فتكون النتيجة فتح باب الرذيلة كخيار وحيد لممارسة الأنشطة الحياتية.

وكذلك العمل على كسر جدار الصمت وتعليم الناس الدفاع عن حقهم في الحياة والحماية، وأنه لا يوجد اعتبار أهم من الإنسان وحفظه.

في الختام ندعو إلى مضافرة كل الإمكانيات الرسمية والخاصة والمحلية والعربية والدولية من أجل تأمين شبكة متكاملة للحماية من الاعتداء بأنواعه. وتوعية الأطفال وتعليمهم على طلب الحماية وتغير نمط التربية وزيادة الثقة بين الأبناء والأمهات وتعزيز دور الأمهات في الأسرة وعدم الخوف من البوح والشكوى.

إيجاد مراكز إيواء كافية وفعالة وخط ساخن تفي بالحاجة.