بحت حناجر النساء وأنصارهن ، وهم يطالبون الحكومة السورية بالموافقة على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، وأخيرا صدر المرسوم التشريعي الذي حمل الرقم 333 بتاريخ 26 / 9 / 2002 ليعلن انضمام سورية إلى هذه الاتفاقية ، والمعروفة باسم ( السيداو ) ، دون أن تتاح الفرصة للنساء كي تكتمل فرحتهن ، فقد أتت التحفظات ، التي وضعتها سورية على هذه الاتفاقية ، لتلغي أي أمل للنساء في سوريا بالاستفادة من هذه الاتفاقية في تحسين أوضاعهن ، خاصة على الصعيد القانوني .
يرد في مقدمة الاتفاقية أن الدول التي تصادق عليها ملزمة ليس فقط بشجب جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، وإنما باتخاذ الإجراءات المختلفة للقضاء على هذا التمييز ، وأن عليها كذلك تجسيد مبدأ المساواة في دساتيرها الوطنية أو قوانينها الأخرى ، وتبني التدابير التشريعية بما في ذلك الجزائية منها ، والامتناع عن الاضطلاع بأي عمل أو ممارسة تمييزية ضد المرأة ، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام ، واتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة ، والعمل على تغيير الأنظمة والأعراف والممارسات القائمة والتي تشكل تمييزا ضد المرأة .
ويمكن تلخيص المواد التي تحفظت عليها سورية بما يلي :
المادة 2: التي تتضمن تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين ، وضمان الحماية القانونية لها من أي فعل تمييزي يصدر عن منظمة أو مؤسسة أو شخص ، والعمل على تبديل القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك .
و المادة 9 فقرة 2 : المتعلقة بمنح المرأة حقا مساويا للرجل في منح جنسيتها لأطفالها .
والمادة 15 فقرة 4 : التي تمنح المرأة حقا مساويا للرجل فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم .
ومادة 16 بند 1 ، فقرات ج ، د ، و ، ز : التي تمنح المرأة حقوقا مساوية للرجل في الزواج والطلاق والولاية والقوامة والوصاية ،كذلك الحق في اختيار اسم الأسرة ، والمهنة ، والوظيفة .وتحديد سن أدنى للزواج ، وتسجيله إلزاميا .
كما تحفظت سورية على المادة 29 فقرة 1: المتعلقة بتحكيم أي خلاف ينشأ بين دولتين فيما يتعلق بهذه الاتفاقية .
تمثل تلك التحفظات إجحافا بحق النساء والذي يتجلى في النقاط التالية :
1- كمبدأ يعتبر أي تحفظ على اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحد ذاته تمييزا ضدها .
تتطابق هذه التحفظات مع مواد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات في القانون السوري ، ومع الأمر الدائم لوزير الداخلية رقم 876 لعام 1979 والذي يحدد انتقال وسفر الزوجة ، والتي تحمل تمييزا ضد المرأة ، و تتعارض أصلا مع المادة 25 من دستور الجمهورية العربية السورية التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات ، والمادة 45 التي تكفل للمرأة مساهمتها الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعيةوالثقافية والاقتصادية .
استند المشرعون في إقرارهم المواد التي تحمل تمييزا ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية إلى حجة أنها مستقاة من الشريعة الاسلامية ، رغم أنها تستند في معظمها إلى آراء فقهية تختلف من مذهب فقهي إلى آخر ، بتعديلات بسيطة على القانون الذي كان مطبقا منذ عهد الإدارة العثمانية ، في حين أقر الإسلام للمرأة حقوقها الأساسية ، إنسانا كامل الأهلية ، مساويا للرجل في التكليف والثواب والعقاب ، في عدد كبير من الآيات القرآنية الكريمة منها :
” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ، إن اكرمكم عند الله أتقاكم “
” المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر “
فالإقرار بحقوق المرأة ينسجم تماما مع روح الشريعة ومقاصدها الإنسانية في العدالة .
وإن تغير الأحكام بتغير الأحوال قاعدة طبقت منذ أيام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي غير الكثير من الأحكام ، بل ألغى حد السرقة سنة المجاعة . أما باقي المواد المتحفظ عليها فقد كانت الحجة دائما تعارضها مع الشريعة الإسلامية ، وهي نفس المواد التي تناضل النساء منذ عقود لتعديلها في قانون الأحوال الشخصية ، لتأتي هذه التحفظات وتكرسها ، وبذلك لم تقدم الموافقة على الاتفاقية أي مكسب جديد للمرأة في سوريا .
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ، هل الشريعة الإسلامية فعلا هي العائق ضد حصول المرأة على حقوقها ، وهذا يؤدي إلى سؤال أكبر ، استخدمه الغرب اليوم في حملته الشرسة ضد العرب والمسلمين ، هل الإسلام ضد المرأة ؟
– ساوى الإسلام في أكثر من ستين آية من آيات القرآن الكريم بين الرجل والمرأة مساواة تامة ، في الأهلية و المسؤولية والتكليف والثواب والعقاب ، إذا كل ما هو مجحف بحق المرأة لا يمكن أن يكون منسجما مع طبيعة الدين الإسلامي وجوهره .
– إن أغلب هذه التحفظات والتي تنطبق على النصوص القانونية المجحفة بحق المرأة في رأيي ورأي الكثير من المسلمين المتنورين منذ عصر النهضة وحتى اليوم ، والتي لا تتطابق وجوهر الإسلام ، هي نصوص فقهية أكسبها الزمن قوة تفوق قوة النص الأصلي ( القرآن الكريم ) ، هذه النصوص التي كانت العوامل السياسية والظروف الآنية هي العامل الأول في تكريسها حتى باتت قدسيتها تفوق المقدس .
– اعتمد كثير من الفقهاء على نصوص تعبر عن حكم وقتي ، أو تصف وضعا راهنا كان قائما وقت بدء الدعوة ، وغيبوا بشكل مقصود مجموعة أخرى من النصوص .
– إن تناقض الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة فيما يتعلق بموضوع المرأة ، لدليل على اقتطاع الحديث من سياقه المتعلق بحادثة معينة لتعميمه كحكم صالح لكل زمان ومكان .
– إن إعطاء الإجماع صفة قدسية ، وهو اجتهاد بشري ، وتكريس سلطة كهنوتية تحكم باسم رجال الدين، و بتر الآيات من أسباب التنزيل ، وخلط الشريعة والفقه ، وعدم موافقة المنقول للمعقول ، هو الذي أوصلنا إلى قانون أحوال شخصية مجحف بحق المرأة ، وعدم الجرأة على تغييره بحجة تعارض التغيير مع الشريعة الإسلامية ، وقاد بالتالي إلى التحفظات المذكورة على اتفاقية السيداو .
وهنا لابد من اعتماد نهج جديد في قراءة الأحكام الدينية . معتمدين النسبية والتاريخية لتفسير الأحكام ، واستنباط الجوهري الثابت وراء العارض والمتغير ، وقد ألزم تغير الأحوال في عهد عمر بن الخطاب التغيير في الأحكام ، بل حتى في الحدود ، فما يصح من أحكام الأحوال تذهب بذهابها ، فالمقصد الأساسي من التفسيرات هو العدل ومطابقة الحكم للحال الراهنة وجوهر الإسلام ، مع رفض التأويلات الإيديولوجية النفعية للنصوص الدينية .
لقد قام المشرعون بإدماج القوانين والأعراف والممارسات الاجتماعية السابقة ، والتي لم يتعرض لها الإسلام بالنهي والتحريم ، داخل بنائهم الفقهي ، ليتمكنوا من إقامة بناء قانوني كامل ، واستخدموا مبدأ القياس ، الذي أصبح بعد القرآن والسنة والإجماع مصدرا من مصادر التشريع .
وكتبت الآلاف من الكتب الفقهية التي اعتمدت على التأويل والتأويل المضاد ، وثنائية العموم والخصوص ، وثنائيات الناسخ والمنسوخ والتي أنتجت غالبا المعنى ونقيضه ودخل الفرد المسلم في دوامة ، جعلت من فهمه لدينه مسألة معقدة ، لا يجوز له التفكير فيها دون استعارة عقل احد الفقهاء ليدله على أحكام دينه و يلغى عقله تماما ، بل ليتهم كل من يستخدم عقله ثانية مخالفا للآراء الفقهية التقليدية بالكفر والهرطقة والمروق ، رغم أنه يستقي مصادره من الشريعة نفسها .
إن التحفظات على الاتفاقية مطابقة كما ذكرنا لنصوص بعض مواد قانون الأحوال الشخصية المجحفة بحق المرأة ، والتي تتعارض أصلا مع دستور الجمهورية العربية السورية ، الذي ينص في مواده على :
وهي تحفظات تتعلق بما يلي :
الولاية :
لعل النص القرآني الصريح ” المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ” التوبة 71 ، لرد كاف على جميع التفسيرات والتأويلات التي حرمتها الولاية على نفسها واعتبرتها ، إنسانا ناقص الأهلية ، أما بالنسبة على ولايتها على نفسها في الزواج فالحديث الشريف ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر والبكر حتى تستاذن ” ، ” وعن خنساء بنت جذام الانصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله فرد نكاحه ” ، ” والأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأذن في نفسها ” ، واضحة وصريحة في حقها بالولاية على نفسها ، وضمن السياق التاريخي ، فقد كانت أهمية موافقة الولي آنذاك على زواج البكر ، أن الأبكار كن يزوجن صغيرات السن ،” فقد نكح رسول الله ( ص) عائشة وهي بنت ست سنين ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين ” .
القوامة :
” الرجال قوامون على النساء ، بما فضل الله بعضهم على بعض ،وبما أنفقوا من أموالهم ” .43
“والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ” النحل 71
” ولا تتمنوا ما فضل الله بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ” النساء 32
إذا القوامة بقدر الإنفاق ، ثم أن التفضيل لم يأت في الآيات الثلاثة إلا بمعنى التفضيل في الرزق فقط وليس بأي شيء آخر ، و إلاّ لتناقض مع أكثر من 60 آية تساوي بين الرجل والمرأة ، منها :
” من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن لنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم أحسن ما كانوا يعملون ” النحل 97
” ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ” الفتح 25
” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم “
الحضانة و الوصاية :
” خير النبي ( ص ) رجلا وامرأة وابنا لهما فقال رسول الله يا غلام هذا أبوك وهذه أمك اختر ” ، و” إن امرأة جاءت الرسول ( ص) فقالت فداك أمي وأبي إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة فجاء زوجها وقال من يخاصمني في ابني فقال يا غلام هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت وانطلق فأخذ بيد أمه فانطلقت به “.
ومن المفارقات الطريفة أن القاضية في سوريا ولية من لا ولي له ، لكنها ليست ولية نفسها ، و لا يحق لها أن تكون وصية على أولادها .
وهل من المعقول في زمننا الحاضر أن لا تكون الأم وصية على أولادها ، حتى لو سئلت وحدها عن تربية أبنائها ، مطلقة كانت أم أرملة ، بل يكون الوصي ربما في حال وفاة الزوج والجد وعدم وجود عم شخص لم تره المرأة أو يراه الأولاد في حياتهم ، وما النص الديني الذي يحرم وصاية المرأة على أولادها ؟
تعدد الزوجات :
أباح الإسلام تعدد الزوجات ، بتقنينه وقد كان غير محدود وذلك في الآية الكريمة :
” وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ” النساء 3 .
” ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ” النساء 129
وفي حادثة شهيرة منع الرسول الكريم زواج علي بن أبي طالب من أخرى غير فاطمة، عندما وقف على المنبر وقال ” إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكح ابنتهم علي بن أبي طالب ، فلا آذن لهم ابدا ، ثم لا آذن لهم ، اللهم إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم ، فإن فاطمــة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ، وإني أتخوف أن تفتن في دينها ” .
ولماذا يقر الجميع اليوم بإلغاء ملك اليمين بحكم الزمن والتطور ، ولا يقرون بمبرر إلغاء تعدد الزوجات ، رغم أن تحديده بشرط العدل ، الذي من شبه المستحيل توافره ، واضح وصريح . من ناحية ثانية فإن حكم التعدد كان تضييقا على الإباحة غير المحدودة للتعدد في عصر قبل الإسلام ، وليس إباحة ، فإن خرج من باب الإباحة ،لم يعد إلغاؤه تحريما .
زواج الصغيرة :
إن تحديد سن أدنى للزواج ، وإلزام المتزوجين تسجيل زواجهم تحت طائلة عقوبات شديدة ، وكذلك تطبيق عقوبات رادعة على الزوج ووالد الزوجة صغيرة السن ، لحري به أن يحد من ظاهرة زواج الصغيرات وماله من أثر ضار على صحة المرأة والمجتمع ، وكان الأجدر بدل التحفظ على المادة المتعلقة بذلك إصدار قوانين تتواءم مع محتواها حرصا على حقوق النساء وسلامة المجتمع .
زواج المسلمة بغير المسلم :
حرم الإسلام على المسلم والمسلمة الزواج بالمشركين ” ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، ولأمة مؤمنة خير من مشركة ، ولو أعجبتكم ، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ” البقرة221 ، ومن الواضح أن في هذه الآية تساو كامل في تطبيق هذه الأحكام على المسلمة والمسلم بدليل تكرار نفس المفردات في خطاب واضح للرجال والنساء من المسلمين .
وقد اعتمد الفقهاء في تحريم زواج المسلمة بكتابي على الآية الكريمة ” يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن ، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولاهم يحلون لهن ” الممتحنة 10
ولكن بالعودة إلى أسباب نزول الآية نجد أنها تتعلق بحالة معينة وهي هجرة النساء المؤمنات من مكة إلى المدينة ، وترك أزواجهن من المشركين ، ولا تنطبق هنا كلمة كافر ، كما لم تنطبق أبدا على الكتابيين ، وقد ميز القرآن الكريم دائما بين المشركين والكتابيين ، وهكذا فلا توجد نصوص في الشريعة تحول صراحة أو ضمنا بين زواج المسلمة ورجل من أهل الكتاب .ومصدر التحريم هو الإجماع .
الطلاق والنفقة :
حق الطلاق محصور بيد الرجل ، وقد اعتبرت المرأة المصرية قانون الخلع نصرا كبيرا ، رغم أن الآية الكريمة واضحة جلية ” فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ” ، ولا يوجد أي نص ديني صريح يحرم المرأة من طلب الطلاق ، أو يساوي بين حقوق الزوجين المادية في حال الطلاق .
” وإن خفقم شقاق بينهما فابعثوا بحكم من أهله وحكم من أهلها “
كما أن الإسلام أباح أن تكون العصمة بيد المرأة في عقد الزواج ، أي أن مبدأ تساوي حقوق الزوجين في حق الطلاق ليس مرفوضا كمبدأ في الشريعة الإسلامية .
لذا فإن تقييد حق الطلاق بيد القاضي ، أو جهة التحكيم كما نصت الآية الكريمة لا تخالف تعاليم الإسلام .
ثم أن ما يستهجنه البعض من تقسيم بعض القوانين الغربية لثروة الأسرة خلال سني الزواج عند الطلاق لا يتعارض مع جوهر الإسلام
الإرث :
” يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ” ، لقد أعطى الإسلام للمرأة في الاية الكريمة ما لم تكن تحصل عليه إطلاقا قبل الإسلام ، إذ كان العرب يقولون ” لا نورث من لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ، ولا ينكأ عدو ” ونلاحظ أن النصيب غير متساو فقط عند الأبناء ، وإن منح المرأة هذا القدر من الإرث كان متناسبا مع الفترة التاريخية , حيث كان الأخ مسؤولا عن معيشة أخته ما دامت غير متزوجة ، واليوم وقد حملت المرأة مسؤولية نفسها ن وعوملت كعاملة في الدولة والقطاع الخاص والنقابات معاملة مادية متساوية مع الرجل في الأجر والتعويضات والمكآفات ، فلم يعد الأخ ملزما بإعالتها ، وبالتالي لم يعد هناك كما في السابق من العدل أن يحصل على ضعف نصيبها من الإرث ، ما دام جوهر الإسلام هو العدل ، وإلا فهل علينا اعتبار عدم منح أبي بكر فاطمة نصيبها من إرث الرسول حراما ، وقد اعتمد في ذلك على حديث شريف ” ما نورثه صدقة ، ولم يعتمد على الاية القرآنية الكريمة ، فلكل حال حكم يناسبه ، والحال في سنة المجاعة أيام عمر ابن الخطاب هو الذي جعله يتخطى أحد الحدود الصريحة بقطع يد السارق ، والكثير من الأحكام ، ومن بينها توريث الأراضي الزراعية بالتساوي ، وهو موجود في نص القانون السوري .
4- وقد ألغيت حدود القتل والسرقة والزنا في القانون السوري ، واستبدلت بأحكام تتناسب مع روح العصر دون اعتراض يذكر . حرية السكن والإقامة :
إن حرمان الزوجة من حق تقرير سكنها وإقامتها الذي يقرره الزوج بحماية القانون ، هو عين الإجحاف ، ويمثل في بعض الأحيان قهرا إنسانيا كبيرا ، وإن تناقض القوانين السورية بما يتعلق بذلك لمضحك مبك ،
أما بالنسبة للفقرة الثانية من المادة التاسعة فلا يوجد أي حجة من الشريعة الإسلامية تقف دون منح المرأة أولادها جنسيتها ، مع العلم أن هذه فقرة من القانون أخذت من القانون الفرنسي أيام الاستعمار ، ولا أدري سبب إصرار حكومات الاستقلال المتعاقبة على مدى نصف قرن على الإبقاء عليها ، ولا تفسير لذلك إلا بأن العقلية الذكورية الانتقائية المسيطرة ، تحرص على إبقاء كل ما يكبل المرأة وتقف في وجه تغييره ،
وذلك ما ينطبق أيضا على حق المرأة في اختيار اسم أسرتها ومهنتها ووظيفتها ،
إن حرمان المرأة السورية من حقها في منح جنسيتها لأولادها لا علاقة له بالشريعة الإسلامية ، وإنما هو استمرار لقانون طبق أثناء الانتداب الفرنسي على سورية مشابها للقانون الفرنسي آنذاك ، ولكن بقيت حكوماتنا الوطنية المتعاقبة مصرة على تطبيقه حتى اليوم ، وذلك ينطبق أيضا على بعض مواد قانون العقوبات التي تحمل تمييزا ضد المرأة ومن المعروف أنه بإمكان الزوج منع زوجته من السفر حتى لو كانت وزيرة .
وهناك بند إلغاء أو تعديل جميع القوانين التي تحمل في طياتها تمييزا ضد المرأة ، كالعقوبات المتساهلة لجرائم الشرف ، أو اسقاط عقوبة المغتصب بزواجه من المغتصبة ، وهي قوانين لايوجد في الشريعة الإسلامية ما يبرر بقاءها أو عدم إلغائها .
نستثني من مطالبتنا بالإلغاء التحفظ على الفقرة الأولى من المادة 29 ، المتعلقة بالسيادة الوطنية وعدم تدخل أي طرف خارجي في الشؤون الداخلية لوطننا ، فالسلطات السياسية وحدها المخولة بتقرير ذلك ، بما يخدم مصلحة البلاد .
إن مطالبتنا بإلغاء التحفظات على اتفاقية إلغاء جميع أنواع التمييز ضد المرأة تحمل في طياتها مطالبة مشروعة بتعديل جميع مواد قوانين الأحوال الشخصية والجنسية والعقوبات وغيرها التي تحمل تمييزا ضد المرأة ، والمتعلقة بحقوق الولاية والقوامة والوصاية ، والمساواة في حقوق الزواج والطلاق والإرث ، وجميع الحقوق المدنية المتعلقة بالعمل والتعليم والإقامة والسفر والتنقل وغيرها
قانون أسرة عصري :
وخلاصة الأمر أن ليس هناك ما يمنع وجود قانون أسرة ، يمنح المرأة كامل حقوقها ، ولا يتعارض روح الشريعة الإسلامية السمحاء ومقاصدها العادلة ، قانون أسرة يمنح جميع أفرادها حقوقهم ، ولا يتضمن ذلك إلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة ، بل إلغاء جميع أشكال التمييز ضد أي فرد من الأسرة ، بما يتضمن من حماية للأطفال من العنف وافهمال الذي يمكن أن يقع عليهم من الأم أو الأب ، وحماية الرجل أيضا من التمييز ضده في المصاريف الهائلة التي يتحمل عبأها وحده عند تأسيس الأسرة كالمهور الفاحشة وتأمين المسكن وتأثيثه ، حمايته من الظلم الذي يقع عليه في الكد وراء تأمين لقمة العيش لأسرته دون أن تكون زوجته ملزمة بإعانته حتى لو كانت امرأة عاملة ،
إن ما يمنع تطبيق مثل هذا القانون هو فقط العقلية الذكورية البطريركية ، التي سبق أن قبلت بتغيير الحدود في القانون كحد السرقة و الزنا والقتل ، في حين تقوّم الدنيا ولاتقعدها إذا طالب أحدهم برفع سن الحضانة سنة واحدة !