في الوقت الذي يطل علينا السيد وزير المواصلات بتصريح يعلن فيه أن وزارة المواصلات ومن خلفها الحكومة السورية جادة في نشر ثقافة الانترنيت وتشجيع استخدامه على نطاق واسع ،تصدمنا يوميا الاجراءات التي تتخذها الجهتان المشرفتان على استخدام المواطن السوري للانترنيت ، والتي تذكرنا بالمنع الشهير لاستخدام الصحون اللاقطة للفضائيات ، والذي بقي ساريا رسميا ، حتى اليوم الذي انتشرت فيه غابات الصحون فوق أسطح البيوت في جميع المدن السورية .
لم يعد خافيا على أحد أهمية الانترنيت ، والفائدة العلمية والثقافية الهائلة التي وفرت على مستخدميه جهدا ووقتا هائلا في الحصول على أحدث المعلومات في كافة المجالات العلمية والتقنية والثقافية ، ولا مجال هنا لسرد الكمية الهائلة من المعلومات التي قدمتها هذه الوسيلة لملايين البشر ، بجهد لا يستلزم منهم أكثر من الجلوس خلف طاولة الانترنيت ، وكبس أزرار الجهاز .
هذا عدا عن أهمية الانترنيت كوسيلة إعلامية هامة ، فتقنيات الاتصال الحديثة التي كانت مسخرة بدءا خدمة لسياسة القطب الواحد ، الهادفة إلى السيطرة على العالم في إطار العولمة ، أصبحت في الوقت نفسه ، رحمة ومتنفسا للشعوب الضعيفة العاجزة عن مقاومة هذه السياسة اقتصاديا وعسكريا ، فبات بإمكان أي مواطن من الدول المستهدفة استخدام الانترنيت ، كي يقاوم ثقافيا وفكريا هذا الاستعمار الجديد ، الهادف إلى محو وجوده وهويته ، والسيطرة على أوطانه و مقدراته واقتصاده ، ولعل المقالات والعرائض والرسائل الموجهة إلى كافة المنظمات الدولية وأماكن صنع القرار ، والتي نددت بالغزو الأمريكي البريطاني الجائر للعراق ، ومن قبله الاجتياح الإسرائيلي الهمجي ، ومجازره اليومية ضد شعبنا في فلسطين ، في حملة قادها شباب عربي ملتزم بقضايا أمته ووطنه ، والتي ساهمت في إيصال موقفنا و شرح قضايانا العادلة لأناس في مختلف أرجاء المعمورة ، لخير دليل على ذلك .
عدا عن ذلك ، ساهمت هذه التقنية في تعميق الصلات بين المجموعات الالكترونية العربية ، التي مثلت وجهات نظر الجهات الوطنية الملتزمة بقضايا أمتها ووطنها ، وتبادل الرأي والمشورة والنقاش في القضايا الإشكالية المعقدة ، وربما في حل الخلافات العالقة ، و مثال ذلك تنسيق حملات مقاطعة البضائع والمصالح الأمريكية وبضائع الشركات الداعمة للكيان الصهيوني ، بين لجان المقاطعة في مختلف أرجاء الوطن العربي ، والتي أتت ثمارها على الصعيد العملي الواقعي .
وهنا تأتي الجهات المشرفة على الانترنيت في سورية ، لتمارس عسفا وقهرا على مستخدم الانترنيت بشكل لم يسبق له مثيل في أي بلد في العالم ، فتمرر ما تعتقده مناسبا للمستخدم ، وتحجب ما تقدر أنه ” ضار” بعقل المواطن السوري ، من منظور الوصاية البطريركية ضيقة الأفق ، التي تعتبر المواطن دائما قاصر العقل ، لا يملك ما يكفي من النضج الفكري والعقلي ، ما يتيح له استخدام هذه الوسيلة بطريقة تخدم مصلحته ومصلحة بلاده ، بل إن في ذلك تشكيك في مواطنيته ، وإخلاصه لوطنه ، وقدرته على محاكمة الأمور، واستخدام هذه الوسيلة الحضارية بما يليق وسمعة شعبنا ، الذي يمتلك مقدرا من الثقافة ، والحس الوطني ، والإيمان بقضاياه المصيرية ، ما يؤهله باعتراف العدو قبل الصديق ، أن يحمل الهم الوطني في وجدانه في كل لحظة ، أم أن هناك من يشكك في ذلك !!!
و في الوقت الذي تتجه فيه البلاد نحو التغيير والانفراج ، وتبني سياسة الحوار في بحث الأوضاع الداخلية ، وسبل مواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها منطقتنا والتهديد الأمريكي المتواصل لبلادنا ، يعيش المسؤولون عن الانترنيت في عالم آخر ، يمثل عصرا حجريا بالنسبة إلى ما وصلت إليه وسائل الاتصال في العالم وتطورها ، فيحجبون المواقع التي لا تعجب أذواقهم ، ربما لوجود مقال ما فيها لم يطابق أمزجتهم ، في وقت يصل فيه هذا المقال أو ما يوازيه جرأة وصراحة عن طريق الفضائيات التي تدخل كل بيت ، أو ربما عن طريق صحيفة عربية تدخل إلى سورية في نفس اليوم بشكل عادي ، بل حتى عن طريق مستخدمي الانترنيت الحاذقين ، الذبن يعرفون كيف يتحايلون على أساليب المنع هذه ، وقد وصل الأمر في المسؤولين عن الانترنيت إلى حد حجب المواقع الشهيرة ، التي كان يتم عن طريقها تبادل الرسائل مع العالم كله ، فقطعت بذلك وسيلة اتصال هامة لمستخدم الانترنيت السوري مع العالم الخارجي ، مما عطل أعماله ، وأشغاله ، وتواصله الإعلامي مع جهات عدة ، بل قطع حتى حبل التواصل والتراحم بين السوريين وأهلهم في الخارج .
فإن كان حجب المواقع لأسباب رقابية ضيقة الأفق ، مفهومة الدوافع ، فما هو مبرر حجب مواقع تبادل الرسائل ؟ إن كانت الحجة اقتصادية ، كي يستخدم المواطن المواقع السورية فقط ، فتلك مصيبة ، لأن المواقع السورية لا تغطي احتياجات جميع المستخدمين ، كما أنها ولسبب لا ادري إن كان تقنيا أم لا ، لا تمرر جميع الرسائل الصادرة والواردة ، هذا عدا عن أن في ذلك مصادرة للحرية الشخصية ، أما إن كانت الحجة سوء استخدام المواطنين السوريين لهذه المواقع ، فالمصيبة أعظم ، لأن في ذلك دليل على استخفاف هذه الجهات بعقل المواطن السوري ، واعتباره ينتمي حضاريا إلى مرتبة أدنى من بقية شعوب العالم أجمع ، كما أن سوء الاستخدام من قبل بعض الحمقى لهذه الوسيلة موجود في العالم كله ، وليس مبررا لهذا الحظر ، الذي يمثل بحق اعتقالا الكترونيا للمواطن السوري .
من ناحية أخرى ، تبلغ كلفة استخدام هذه التقنية من قبل المستخدم في سورية أرقاما فلكية ، مقارنة مع دخله ، وبقية دول العالم ، فقد يكلف استخدام الانترنيت من قبل مستخدم نشيط مبلغ ألفي ليرة سورية شهريا ، أي ما يعادل ثلث متوسط راتب الموظف في سورية ، وذلك يشكل أيضا عائقا هاما أمام تشجيع نشر تقنيات وسائل الاتصال الحديثة في سورية .
لقد آن للجهات المشرفة على الانترنيت أن تكون على مستوى تطور التقنية التي تشرف عليها ، وأن تواكب روح العصر ، وما يحدث في العالم ، بل التغيير الحاصل في البلاد ، وأن تتيح للمواطن السوري أن يساهم في ثورة الاتصالات ، ضمن رؤية جديدة لأهمية مشاركة جميع الوطنيين المخلصين في بحث مشاكل وطنهم بكل صراحة وشفافية ، وذلك بفتح أبواب جميع وسائل الإعلام والاتصال ، وضمان حرية التعبير و إبداء الرأي ، وتشجيع إنشاء مواقع انترنيت سورية ، ودعمها ماديا ومعنويا ، وتخفيف الكلفة غير المعقولة لاستخدام الانترنيت ، مما يساهم في إطلاق طاقات شعوبنا ، وتوحيد صفنا الداخلي ، في مواجهة القوى الخارجية المتربصة في معركة مصيرية ، بات النضال الإلكتروني جزءا لا يستهان به منها .